الجالية المسلمة أول المحترقين بنيران حادثة شارلي إيبدو

الجمعة 2015/01/09
رئيس جمعية أئمة فرنسا يعبر عن رفضه القاطع لمثل هذه الممارسات

باريس- أثار الهجوم الإرهابي، الذي استهدف جريدة “شارلي إيبدو”، صباح الأربعاء، وراح ضحيته 12 شخصا، بينهم أربعة من رسامي الكاريكاتير المشهورين، جدلا واسعا حول مدى مسؤولية الرسامين أنفسهم، عن تحريض المتطرفين على العنف، من خلال تعمد الإساءة باسم الحريات.

عندما أصدر السياسي الهولندي فيلدرز فيلمه الشهير “فتنة” ساخرا من الإسلام، هاج المسلمون وتعالت الأصوات مطالبة بمن يردّ على “فتنة”، ونفس السيناريو تكرّر مع رسوم كورت فسترجارد الكاريكاتورية الساخرة من الرسول الكريم ومع عشرات من المواقف الغربية المسيئة للدين الإسلامي والمهينة للمسلمين، لكن لم يصل حد الإرهاب الذي تعرّضت له صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية.

هاجم ثلاثة مسلحين، الأربعاء الماضي، وفي وضح النهار مقر الصحيفة الأسبوعية في وسط باريس، ما أوقع 12 قتيلا وعشرة جرحى، في اعتداء غير مسبوق في العاصمة الفرنسية منذ نصف قرن تقريبا.

يعدّ الهجوم على مكاتب صحيفة شارلي إيبدو، واحدا من الهجومات الأكثر دموية في تاريخ ردود الأفعال العنيفة والتهديدات ضد وسائل الإعلام سخرت من الدين الإسلامي.

وحتى وإن لم تكن مؤيّدة لما نشتره “شارلي إيبدو”، اتفقت أغلب الآراء الرسمية وغير الرسمية، العربية والغربية، على أن هذا الهجوم على الصحيفة الفرنسية أمر مرفوض رفضا قاطعا، ولا يمكن إيجاد مبرّر له بأي حال من الأحوال.

ونشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للمسلمين من قبل المجلة الساخرة، يجب الرد عليه في إطار الحوار والإقناع وتوضيح حقائق الإسلام وتبيان حرية التعبير، استنادا إلى القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان وقرارا الأمم المتحدة بشأن مناهضة تشويه صورة الأديان.

القتلى الـ 12 في الهجوم على أسبوعية شارلي ايبدو
قتل اثنا عشر شخصا في على "شارلي إيبدو" هم ثمانية من العاملين في الصحيفة الساخرة بينهم خمسة رسامين وشرطيان وعامل، وهم:

* جان كابو المكنى كابو (76 عاما): مناهض لا يمل للغباء وللاديان وواضع رسم "بوف" ليعكس صورة الفرنسي العنصري والمتذمر والحامل للسلبيات التي كان يريد التنديد بها.

* ستيفان شاربونييه المكنى شارب (47 عاما): رسام وناشط كان يدير الصحيفة منذ 2009. كان في 2013 ضمن لائحة اهداف نشرتها القاعدة. ولم يكن قلمه يتوانى عن التطرق لكل المواضيع من الحروب الى السياسة والسياسيين وتلفزيون الواقع والامراض والاديان.

* فيليب اونوري المكنى اونوري (73 عاما): عصامي التكوين. نشر أول رسومه في الصحافة وعمره 16 عاما في صحيفة الجنوب الغربي. تعاون مع "شارلي إيبدو" منذ 1992.

* برنار فيرلاك المكنى تينيوس (57 عاما): رسام كاركاتير وصاحب رسم كرتوني لاذع وملتزم وكان يرسم للصحف منذ 1980 ويلاحق جنون العالم بسخرية وبشيء من الياس.

* جورج وولنسكي (80 عاما): يوصف أسلوبه بالبذيء وهو رسام أسطوري في الصحف لجيل باكمله وصاحب رسوم نالت شهرة وكانت عماد صحيفة "هارا كيري" في ستينات القرن الماضي ثم "شارلي إيبدو".

* برنار ماري المكنى "انكل برنار" (68 عاما): خبير اقتصادي يساري عرف بثراء افكاره وقدرته على التبسيط. وله مداخلات منتظمة في الاذاعة والتلفزيون والصحف. كان يكتب أسبوعيا مقالا في "شارلي إيبدو" يوقعه باسم "انكل برنار" (العم برنار). دافع مطولا عن نظريات تراجع النمو.

* الزا كايا (54 عاما): طبيبة ومحللة نفسانية والمراة الوحيدة التي قتلت في الهجوم. كانت تستعرض مرتين في الشهر وقائع المجتمع. ألفت كتبا حول حياة الزوجين والجنس.

* مصطفى اوراد مصحح الصحيفة: ولد في الجزائر وعاش يتيما. كان عصامي التكوين ووصل إلى فرنسا وعمره 20 عاما بحسب صحيفة لوموند التي قالت انه كان موضع تقدير لحرفيته في تصحيح اللغة خصوصا.

* ميشال رينو (69 عاما):

مؤسس مهرجان عن السفر في كليرمون فيران (وسط). كان ضيف الصحيفة ويشارك في هيئة التحرير بدعوة من كابو.

* فردريك بواسو (42 عاما): عامل صيانة في شركة سوديكسو. اتفق وجود هذا الاب لولدين في بهو مدخل الصحيفة حيث كان يقوم باعمال صيانة في المبنى حين قتل.

* فرانك برينسولارو (49 عاما): ضابط وعضو في فريق الحماية المكلف تامين القادة الفرنسيين والاجانب الذين يزورون فرنسا والشخصيات المهددة. كان متزوجا وله طفلين. كان مكلفا حماية شارب.

* أحمد مرابط (42 عاما): شرطي في مفوضية شرطة قريبة من الصحيفة.

وغير ذلك من الردود الدموية والإرهابية ستدفع ثمنها باهظا الجالية العربية في الغرب التي ستجد نفسها سجينة خلف أسوار الإسلاموفوبيا.

أعرب أفراد من الجالية الاسلامية في فرنسا عن مخاوفهم بشأن رد محتمل بعد حادث اطلاق النار المميت في مقر مجلة "شارلي ايبدو" وتواتر أنباء عن وقوع حوادث في عدة مساجد في جميع انحاء البلاد .وقال عبد الله زكري، رئيس المرصد الوطني لمكافحة الإسلاموفوبيا، إنه " قلق ازاء امكانية ارتكاب افعال معادية للمسلمين ".

وجرى استهداف المساجد ليل الأربعاء/الخميس بمقذوفات في مدينة مان بشمال البلاد وبلدة بور لانوفيل وافادت الانباء بسماع أصوات طلقات نارية في الحالتين ، بحسب عدة وسائل إعلامية .وقالت مصادر انفاذ القانون إن انفجارا وقع في بلدة قريبة من مدينة ليون بجنوب فرنسا أمس الخميس في مطعم بجوار مسجد ، بينما كتبت عبارة "الموت للعرب" على أحد المساجد في مدينة بواتيه بغرب البلاد .وقال زكري: أنا خائف من زيادة هذه الأفعال في الأيام المقبلة".

وأعرب محللون ومثقفون في تونس عن مخاوفهم من أن تلقي الأحداث الارهابية بظلالها على أوضاع الجالية التونسية ، وبشكل خاص المقيمة في فرنسا، والتي يصل عددها الى نحو 600 الف مهاجر من بين أكثر من خمسة ملايين مهاجر عربي ومسلم.

وقال المحلل السياسي والإعلامي التونسي المقيم بألمانيا منصف السليمي إن "الاعتداء يأتي في لحظة خطيرة بالنسبة لأوروبا التي أمضت أعياد الميلاد وسط أجواء خوف من اعتداءات إرهابية ، خصوصا في الدول المشاركة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية".

وتوقع الباحث ومؤسس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل نصر بن سلطانة ظهور تداعيات أخرى متلاحقة لعملية شارلي ايبدو وتحركات لخلايا نائمة خاصة مع عودة الآلاف من المقاتلين المتمتعين بالجنسية المزدوجة ، والذين سافروا للقتال في سوريا إلى بلدانهم الأوروبية.

وقال بن سلطانة "ستكون الجالية العربية في عموم أوروبا وفرنسا عرضة لأعمال انتقامية على أيدي يمينيين متطرفين بسبب الخلط بين السلام والارهاب".

وأضاف الخبير "ستمنح الأحداث دفعة جديدة لليمين المتطرف الذي شهد صعودا في السنوات الأخيرة تمثلت في نجاحه باحتلال مقاعد ليس في البرلمان المحلي فقط ولكن أيضا في البرلمان الأوروبي".

للموضوع تفسيرات وتأويلات عديدة، ستتّضح في قادم الأيام أو السنوات، على غرار ما حدث مع أحداث 11 سبتمبر، التي تم استحضارها، على خلفية حادث باريس.

الهجمة الإرهابية على “شارلي إيبدو” قدّمت فرصة من ذهب لليمين الأوروبي المتطرّف ليزداد تشدّدا تجاه الجاليات العربية في أوروبا، وأعطت مبرّرا قويّا للدعوات القائلة بوجوب التدخل عسكريا في البلدان التي تسيطر عليها الجماعات الإسلامية المتشدّدة، كما حدث في العراق وسوريا، وأيضا على غرار الدعوات الفرنسية المبطّنة للتدخل في ليبيا لمحاربة الإرهاب.

ما تعيشه باريس، منذ صباح الأربعاء الماضي، من قلق ألقى بظلاله على الغرب ككلّ، وأحيى ذكريات 11 سبتمبر والهجمات الإرهابية في بريطانيا ونيويورك، وهجمات سابقة في فرنسا، وما حدث في الأشهر الأخيرة لعام 2014 في كندا وأستراليا.


ما هي تداعيات الهجوم؟


يشكّل الهجوم على الصحيفة التي أثارت في السابق سخط العالم الإسلامي بعدما نشرت رسوما اعتبرت مسيئة للمسلمين، أداة دعائية قوية لهذه الجماعات الجهادية ووسيلة استقطاب مهمة لتجنيد مزيد من المقاتلين، بحسب ما يرى محللون.

وقالت مديرة مركز “كارنيغي” للأبحاث في الشرق الأوسط لينا الخطيب: إن “هذا الهجوم تم تدبيره بغية إحداث صدمة لدى المجتمع الدولي”، مضيفة، أن “الطريقة الاستعراضية التي نفّذ بها يراد من خلالها إبراز نفوذ الحركات الجهادية داخل أوروبا”.

وكانت أسبوعية “شارلي إيبدو”، التي تعتبر رمزا للصحافة المتمرّدة، هدفا في السنوات الأخيرة لتهديدات وحريق إجرامي بعد نشرها رسوما اعتبرت مسيئة للنبي محمد. لكن الخطيب ترى أن خلفية الهجوم أكبر من أن تكون محصورة بالرد على هذه الرسوم.

الهجوم على شارلي إيبدو من الهجمات الأكثر دموية في تاريخ ردود الأفعال العنيفة ضد وسائل إعلام سخرت من الاسلام

وتشارك فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى في قيادة تحالف دولي يضم أيضا دولا عربية وينفّذ غارات ضد مواقع لتنظيمات متطرفة في العراق وسوريا، على رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يسيطر على مساحات واسعة في هذين البلدين.

كما تقود فرنسا، التي تضم أكبر عدد من المسلمين في أوروبا، عمليات ضد جماعات جهادية في أفريقيا، وهي موضع انتقاد في خطاب هذه الجماعات ولدى زعمائها.

وقالت الخطيب: “تم اختيار مكان الهجوم في منطقة رئيسية في باريس، لذا فهو ذو رمزية كبيرة، والاعتقاد بأن الهجوم يهدف إلى رد الاعتبار على رسوم الرسول، هو مجرد حجة تهدف إلى جذب انتباه أكبر”.

وتابعت أن الهدف الرئيسي من الهجوم “إيصال رسالة خصوصا إلى الدول التي هي جزء من التحالف الدولي لمحاربة تنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية، بأن هذه الدول لم تعد بمنأى عن هذه التنظيمات”.

وقع هجوم باريس بعد مخاوف متزايدة عبّرت عنها دول غربية من وقوع اعتداءات يشنها متطرفون ضد دول مشاركة في التحالف الدولي، في وقت تحذّر أجهزة استخبارات من الخطر الذي يشكله مواطنون أوروبيون عائدون من القتال في سوريا والعراق، على دولهم.

يقاتل آلاف الأوروبيين في صفوف تنظيمات جهادية عدّة وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي بات يستقطب مزيدا من المقاتلين منذ أن أعلن قيام “الخلافة” في الأراضي التي يسيطر عليها.


هل هي بداية التدخل في أوروبا؟


بحسب الحكومة الفرنسية، هناك حوالي ألف فرنسي على علاقة بشبكات التجنيد لسوريا والعراق بينهم نحو 350 في الميدان، فيما تشير تقارير إلى مقتل 50 فرنسيا على الأقل في المعارك الدائرة في هذين البلدين.

وحثّ تنظيم “الدولة الإسلامية” وتنظيم “القاعدة” في مناسبات عدة مناصريهما في الدول الغربية على شن هجمات في الدول التي يقيمون فيها.

وفي سبتمبر الماضي، دعا أبو محمد العدناني، المتحدث باسم تنظيم “الدولة الإسلامية”، في تسجيل صوتي تم بثه على الإنترنت، مؤيدي التنظيم إلى “قتل” أي “كافر” في دولهم و”بأي وسيلة أو طريقة كانت”، وقد خصّ منهم الفرنسيين.

ومنذ سنوات، تحض الحركات الجهادية عبر مقالات تنشر في مجلات إلكترونية خاصة بها أو أشرطة فيديو عبر الإنترنت، مجنديها ومتطوعيها إلى شن هجمات فردية دون انتظار أوامر محددة.

وقد وقعت هجمات عدّة تحت هذا العنوان في الفترة الأخيرة، بينها قتل جندي كندي أمام البرلمان في أوتاوا في أكتوبر الماضي، وقتل أربعة أشخاص في أيار في متحف بروكسل اليهودي. وأبدى العديد من مناصري التنظيمات الجهادية على الإنترنت تأييدهم للهجوم الدامي في باريس.

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث إيسترن الأميركية في بوسطن ماكس إبرامز: “لا شك أن تنظيم الدولة الإسلامية وجماعات جهادية أخرى ستحاول أن تبرز هذا الهجوم على أنه اعتداء ناجح وأنه يجب أن يستنسخ” في أماكن أخرى.

ويضيف أنه عندما تعطي الجماعات الجهادية “الانطباع بأنه هجوم ناجح بالفعل، فسيكون من السهل عليها استقطاب مزيد من المتطوعين، وبالتالي تجنيدهم”.


اقرأ أيضا:


الفكر يواجه بالفكر وليس بالإرهاب

6