الجالية المغاربية وعنصرية اليمين الفرنسي

الخميس 2015/01/15

إن أوضاع الجالية المغاربية المسلمة بصفة خاصة، والجالية العربية والإسلامية بصفة عامة، المقيمة في فرنسا تتفاقم على نحو سلبي منذ سنوات طويلة، وها هي الآن تدخل نفقا مظلما جديدا جراء الهجوم الأخير الذي قام به، خلال الأيام القليلة الماضية، الشقيقان الجزائريا الأصل والفرنسيا الجنسية كواشي على مقر صحيفة شارلي إيبدو وأسفر عن مقتل 12 شخصا.

وبهذا الخصوص فإن القراءات المتداولة لهذا الحدث غير واقعية وبعيدة في أغلبها عن الفهم التاريخي لواقع الهجرة وأسبابها الحقيقية من المنطقة المغاربية إلى فرنسا، وإلى بعض الأمم الأوروبية الأخرى كما سنوضح فيما بعد. وفي الواقع فإن هذه الجالية لم تكن أحوالها قبل هذه الحادثة جيدة لأنها كانت مهمشة اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، حيث سلطت عليها مختلف أشكال الممارسات العنصرية ومختلف أنماط الإقصاء.

تاريخيا فإن اليمين الفرنسي الغربي ليس حديث العهد بل هو ظاهرة تاريخية قديمة، وليس حزب اليمين الفرنسي الأخطر عنصرية بقيادة جان لوبان سوى مجرد عنوان لحركة سياسية عنصرية متعددة الذيول، لها قواعدها المادية وأيديولوجيتها المتطرفة في ألمانيا أو الدنمارك أو فرنسا أو بريطانيا، أو السويد.

ففي الواقع هناك عشرات من التنظيمات من هذا النوع، منها التنظيم النازي الذي ينشط بشكل علني أمام أعين الحكومات الأوروبية في القارة الأوروبية ضد وجود الجاليات العربية والإسلامية وغيرها من الجاليات الأجنبية الأخرى. إن من يبحث عميقا في ظاهرة معاداة الجاليات العربية والإسلامية فإنه لا يجدها منحصرة في النظر بفوقية إلى الدين الاسلامي وثقافته، بل إنه يجدها متغلغلة في المؤسسات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، وفي هذا السياق بالذات أكدت التقارير الصادرة مرارا عن مؤسسات سبر الآراء وعن ما يسمى بمجموعات التفكير الأوروبية أن التمييز العنصري والإثني منتشر، ويمارس بشكل منهجي في الإدارات والمعامل وفي مؤسسات التشغيل الأخرى أيضا، قصد خلق الصعوبات الاقتصادية وتعميم البطالة، والأزمات النفسية في أوساط المهاجرين.

ومن هنا نرى أنَ التطورات السلبية في المهاجر الأوروبية ليست إلا نتيجة لما هو مضمر وغير معلن على مدى سنوات طويلة من قبل الاتجاهات العنصرية سواء في المجتمعات المدنية أو في المجتمعات السياسية الأوروبية الغربية.

من الناحية التاريخية فإن معاداة الأفارقة والعرب المسلمين في أوروبا ليست ابنة نهايات القرن العشرين أو بدايات القرن الواحد والعشرين، بل إنها وضعية مزمنة وهي في التحليل الأخير إفراز لمرحلة الاستعمار التي دامت أكثر من قرن ونيف من الزمن، وفي الواقع فإن أوروبا المستعمرة هي التي صنعت الهجرة من الجنوب إلى الشمال. وبهذا الخصوص تؤكد مختلف الدراسات التاريخية أنه قبل عام 1830 لم تكن هناك جالية كبيرة جزائرية أو تونسية أو مغربية في فرنسا أو بريطانيا أو هولندا أو في أميركا الشمالية، ماعدا مجموعة قليلة جدا من الأفراد.

وهكذا فإن تلوين أوروبا باللون البشري الأفريقي والعربي- الإسلامي هو نتاج لهذه المرحلة وما ترتب عنها من تداعيات فيما بعد. ولذلك فإن هذا “الآخر” المغاربي المسلم المهاجر المتواجد في الجغرافيا الفرنسية والأوروبية الآن هو اختراع استعماري ورأسمالي غربي بامتياز. إن أجزاء كبيرة من أفراد هذه الجالية، وخاصة أفراد الجالية الجزائرية المعروفة بــ”الحركيين” أو الخونة، فقد كانوا أثناء الاستعمار الكلاسيكي ضمن صفوف الجيوش المحتلة، وتركوا أوطانهم الأصلية بعد الاستقلال في ظروف معقدة ودرامية هربا من العقاب على أيدي جيوش التحرير الوطنية. إن هذه الخلفية التاريخية تستحق التوضيح حتى يتم الفرز بين مكونات ما يطلق عليه بـ”المهاجرين” في فرنسا وبعض الدول الأوروبية. أما الجزء الآخر الذي يتمثل في العمال المهاجرين وعائلاتهم فإن هؤلاء قد جلبتهم الدول الأوروبية إلى فضائها للقيام بأحقر وأصعب الأعمال في مجال التنظيف والفلاحة، وصناعة السيارات مقابل مرتبات هزيلة، ويعني هذا كله أن فرنسا وأوروبا هي المسؤولة تاريخيا عن الهجرة من الجنوب إلى الشمال بشقيها المذكورين آنفا.

وفي هذا الصدد تفيد الدراسات المتخصصة في مراقبة أوضاع الجاليات الأفريقية والمغاربية والعربية والإسلامية في أوروبا، أن الحكومات المتعاقبة على الحكم في الأقطار الأوروبية لم توفر المناخ التعليمي والتثقيفي والاقتصادي للمهاجرين لرفع مستواهم المعرفي وإصلاح أوضاعهم الاقتصادية والسكنية، ولجعلهم يحسون بالانتماء للمجتمعات الأوروبية – الغربية، وبالعكس فإن الحكومات الأوروبية المتعاقبة قد واصلت استغلالها لهم، ومعاملتهم كبشر من الدرجة الأخيرة.

إنَ هذا التهميش والتحقير هما المسؤولان، في الواقع، على إنتاج جالية، أو جاليات، محطمة ومغتربة نفسيا، وممزقة ثقافيا، ومتدهورة اجتماعيا واقتصاديا، وفاقدة للإحساس بالانتماء. وهكذا فإن هذا النمط من المناخ السلبي المفروض على الجالية المغاربية المسلمة، وعلى الجاليات التي انحدرت من فضاء العالم الثالث المستعمر سابقا، قد لعب دورا مفصليا في تكريس النكوص النفسي لدى أفرادها، وأدى ذلك بهم إلى الاحتماء والتعلق بالثقافة التقليدية الموروثة عن آبائهم وأمهاتهم أملا في استعادة الهوية المهددة بالانقراض، وإلى رفض العنف المادي والثقافي داخل المجتمع العنصري في المهجر الفرنسي – الأوروبي الذي لا علاقة له بمزاعم الديمقراطية والحداثة وبذلك وجدوا أنفسهم في مناخ الاغتراب الشامل.

من الملاحظ، أيضا، أن فرنسا قد تصدرت الطليعة في أوروبا بدعوتها وسنها لقانون منع اللباس الإسلامي في المدارس ومؤسسات التعليم والإدارة والشارع، وذلك من أجل حماية علمانيتها، وبهدف مبطن يرمي إلى تجريد المسلمين المغاربة من هوياتهم التي ينظر إليها الفرنسيون، وخاصة التيار اليميني الفرنسي المتطرف، على أنها تمثل تهديدا للهوية الفرنسية وللعلمانية الفرنسية كمفهوم وكممارسة. وأكثر من ذلك يعادي صقور العلمانية جهرا الجمعيات الدينية والخيرية الإسلامية التي تجمع الأموال لبناء المؤسسات ذات الطابع الديني أو الاجتماعي، وفي الوقت نفسه نجد فرنسا الرسمية ومعها التيارات اليمينية تطالب المهاجرين بتطبيق العلمانية، دون أن يتزامن ذلك مع فتح الأبواب لهؤلاء واسعة للاستفادة من مكاسب العلمانية في مجالات الاقتصاد والعلوم والحياة الاجتماعية والحريات.

في الواقع فإن الإصرار على العلمانية يخفي شيئا وهو الذود عن وهم نقاء الشخصية الفرنسية أو الأوروبية، وحمايتها من رياح التنوعات الثقافية والروحية والسياسية غير الأوروبية ونتيجة لهذا الغلو الأيديولوجي، فإن العلمانية تستخدم في هذا السياق من أجل الحفاظ على النقاء الفرنسي – الأوروبي العرقي أو الثقافي، ونتيجة لذلك فان المرء يلاحظ أن حرية المعتقد الديني، والفكري وكذلك توزيع الثروة بالعدل على أساس التخلي عن التراتبية الطبقية والعرقية واللغوية واللونية لا تزال مجرد أمنيات، ولم تجد طريقا للتجسيد في الواقع اليومي داخل فسيفساء المجتمع الفرنسي الأوروبي الكبير، الذي لم يصبح بعد فضاء عادلا تتقاسم فيه جميع أخلاقيات العيش المشترك.


كاتب جزائري

9