الجامعات الخاصة تعزز تنافسية التعليم العالي في المغرب

راهنت الحكومة المغربية على فسح المجال للجامعات الخاصة لتكون رافدا للجامعات الحكومية في طريق تطوير منظومة التعليم العالي وتحسين جودة مخرجاته. وحظيت مؤسسات التعليم الخاصة بالكثير من التسهيلات والدعم الحكومي لتسهيل تأسيسها ما جعلها تتعرض للعديد من الانتقادات التي تهم الدور الفعلي الذي لعبته في النهوض بالتعليم العالي في المغرب.
الثلاثاء 2017/05/02
ترقب الأفضل

الرباط - يتجه المغرب إلى الرفع من جودة ومردودية التعليم العالي بالانفتاح على التعليم العالي الخاص، وأكد مختصون أن هذا الأخير يعتبر شريكا مهما في توسيع وتطوير العرض الجامعي، معتبرين أن هذا التوجه الجديد والاستراتيجي في المنظومة التعليمية بالمملكة يقتضي ضمان جودة التعليم الخاص ومواءمته للظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتعزيز تنافسية الجامعات العمومية والخاصة.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل القنيطرة فوزي بوخريص لـ“العرب”، أن التعليم العالي الخاص بالمغرب ليس كيانا متجانسا؛ فهناك أنماط مختلفة تسير بسرعات متفاوتة، وتتميز بمستويات من الجودة متفاوتة أيضا، مضيفا أن هناك جامعات تنشأ في إطار شراكات دولية، وهي امتداد للجامعات الدولية، وأخرى تقف وراء تأسيسها شخصيات عامة، من بينها الجامعات الدولية بالرباط والدار البيضاء، وهناك مؤسسات التعليم العالي الخاص التي لا تقترن بالتعليم العالي إلا بالاسم.

وأكد الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس أناس المشيشي لـ“العرب”، أن التدرج في الاهتمام بمؤسسات التعليم العالي الخاص يبقى ضروريا لاعتبارات أهمها أنه لا يجب أن يكون بديلا عن التعليم العالي العمومي بل سند له.

التعليم العالي الخاص قادر على الاضطلاع بالدور المنوط بعهدته عندما تتم هيكلته وفقا للمعايير والضوابط الدولية

وكشفت دراسة فرنسية حديثة أن القطاع الخاص بالتعليم العالي المغربي، الذي كان من المفترض أن يغطي حاجيات 20 بالمئة من مجموع الطلبة المغاربة، لم يتجاوز إلى نهاية عام 2016 تغطية حاجيات 5 بالمئة فقط منهم.

وأكدت الدراسة أن 35 ألفا هو عدد الطلبة المغاربة الذين يتابعون دراستهم العليا بفرنسا، ينضاف إليهم 10 آلاف طالب بشكل سنوي، ليحتلوا المرتبة الأولى في عدد الطلبة الأجانب بفرنسا، وتكون بذلك فرنسا الوجهة الأكثر تفضيلا للطلبة المغاربة الراغبين في إتمام تعليمهم العالي خارج المملكة.

ويقضي قرار وزير التعليم العالي رقم 2047.15 في 12 يونيو 2015 الخاص بلوائح تحديد المسؤوليات المتعلق بالمعايير التقنية والبيداغوجية من أجل الحصول على اعتراف الدولة بمؤسسات التعليم العالي الخاص، بخفض كلفة بناء وتشغيل هذه المؤسسات من حيث المساحة والتأطير.

وتراهن وزارة التعليم العالي على ضمان الجودة في إطار خطة استراتيجية للرفع من مردودية قطاع التعليم العالي بشقيه العمومي والخاص، وأكد مسؤولون بالوزارة الوصية على أنه سيتم العمل على بلورة آليات لتعزيز ثقافة التقييم والجودة داخل الجامعة المغربية ووضع إطار مرجعي للتقييم وضمان الجودة.

ويتوفر المغرب على 13 جامعة عمومية، وجامعة عمومية بتدبير خاص هي جامعة الأخوين بإفران، و5 جامعات في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتضم 16 مؤسسة، بالإضافة إلى 3 مدارس للمهندسين محدثة في إطار الشراكة، وهي المدرسة المركزية للدار البيضاء، والمعهد الدولي للعلوم التطبيقة الأورومتوسطية، والمعهد المتوسطي للوجستيك والنقل بتطوان.

وحسب آخر الإحصائيات فإن عدد مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع الخاص وصل إلى 229 مؤسسة، مقابل 192 مؤسسة تابعة للقطاع العام. أما عدد مؤسسات التعليم العالي التي تدخل في إطار شراكة عام – خاص فوصل إلى 19 مؤسسة، و25 مدرسة للأقسام التحضيرية للمدارس العليا التابعة للقطاع العام، و46 عدد مدارس الأقسام التحضيرية للمدارس العليا التابعة للقطاع الخاص.

عدد مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع الخاص وصل إلى 229 مؤسسة، في مقابل 192 مؤسسة تابعة للقطاع العام

وحسب فوزي بوخريص فإن علاقة الدولة بالتعليم العالي الخاص أصبحت أكثر ديناميكية إذ بدأت منذ سنوات تنتبه إليه كقطاع واعد اقتصاديا بشكل أساسي، ورهان الدولة على التعليم العالي الخاص جعل الوزارة الوصية تتجه إلى تقديم مجموعة من التنازلات والتسهيلات على مستوى التدابير والمقتضيات المنظمة.

وأشار بوخريص إلى أن هناك تجارب في القطاع الخاص أضحت مميزة، وأثبتت جديتها وجودة تكوينها من خلال مستوى خريجيها المتميز.

وفي هذا الصدد يأتي تأهيل الجامعات العمومية المغربية وتطويرها وتعزيز استقلاليتها، وربط برامجها التكوينية مع سوق الشغل، كما يقول أناس المشيشي، ثم بعد ذلك فسح المجال للتعليم العالي الخاص وفق مقاربة تجمع بين الجودة والربح، شريطة ألا يكون الربح المادي هو الهاجس الأساسي، الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلبا على جودة التكوين ويؤول إلى ما آلت إليه العديد من مؤسسات التعليم الابتدائي والثانوي الخاصة.

ويؤكد المشيشي أن التعليم العالي الخاص يجب أن يكون مكملا للتعليم العمومي إما في انتصاب الجامعات الأجنبية بالمغرب وإما في التخصصات التي يتعذر على الجامعة المغربية الاستثمار والتكوين فيها.

ويضيف أن فلسفة الحكومة يجب ألا تهدف، لكي يتم التخلص من أعباء التعليم العمومي، إلى الإسراع في تسهيل بعث مؤسسات التعليم العالي الخاص.

وحسب مهتمين بالمنظومة التعليمية فإن مشاريع إصلاح التعليم العالي تهدف إلى إعادة هيكلته حتى يضطلع بدوره الحقيقي في الانتقال نحو مجتمع منفتح، ويكون قاطرة لتحقيق التنمية بالمغرب. لهذا وجب توفير عرض جيد لمن يبحث عنه خارج المغرب أي لتلك الشريحة التي تستثمر في تعليم أبنائها في الخارج، وليس إضعاف التعليم العمومي العالي من أجل دفع الآباء اضطرارا نحو التعليم العالي الخاص.

وحول مسألة فسح المجال أمام التعليم العالي الخاص ليكون رافدا للجامعات الحكومية في طريق تطوير هذا القطاع بما يتناسب مع سوق العمل، يرى المشيشي أن التدرج أفضل من فتح الأبواب على مصراعيها دون رؤية استراتيجية للتعليم العالي الخاص.

كما أكد المشيشي أن على المشرع المغربي حماية المستفيدين من خدمات التعليم العالي الخاص من خلال ترسانة قانونية تضمن التوفيق بين الجودة والربح، وكذلك الاعتراف بالمعادلة الإدارية والعلمية لشهادات خريجي الجامعات الخاصة. وألح المشيشي على ضرورة وجود إرادة سياسية جادة تستهدف إصلاح المنظومة التعليمية المغربية.

واعتبــر جــاك كنافــو، رئيس الفيدرالية المغربية للتعليم العالي الخاص، أن المؤسسات المعتمدة من حقها أن تدافع على طلبتها من أجل حصولهم على معادلة شهاداتهم، ليتمكنوا من مواصلة دراستهم بمؤسسات التعليم العمومية ومن الولوج إلى الوظيفة.

وختم فوزي بوخريص بأن التعليم العالي الخاص ما زال يبحث عن الاستراتيجية التي تحدد أهدافه ومهامه على وجه الدقة. وهو قادر على الاضطلاع بالدور المنوط بعهدته عندما تتم هيكلته بشكل مناسب وفقا للمعايير والضوابط الدولية التي تسير التعليم العالي في المجتمعات المتقدمة، بعيدا عن منطق الريع والامتيازات والتسهيلات المبالغ فيها.

17