الجامعات السودانية: النشاط السياسي يطغى على الدور الأكاديمي

الثلاثاء 2014/05/20
التسييس والعنف أبعدا الجامعات السودانية عن أداء دورها الأكاديمي

الخرطوم - ظلت السمة البارزة للجامعات السودانية على امتداد تاريخها هو النشاط السياسي، الذي يطغى على النشاط الأكاديمي في غالب الأحيان. ولكن في الأعوام الأخيرة ازدادت وتيرة العنف الملازمة لهذا النشاط سواء بين الطلاب أو الأجهزة الأمنية بالتصدي لاحتجاجاتهم التي لا تنقطع، أو كذلك بين طلاب المعارضة من جهة وطلاب الحزب الحاكم من جهة أخرى والتي كان آخرها في جامعة الخرطوم، حيث اضطرت الإدارة لإغلاق الجامعة لأجل غير مسمى بعد أسبوع من الاشتباكات التي خلفت نحو 40 مصابا على الأقل.

وتعود الأحداث في جامعة الخرطوم إلى مصرع طالب بطلق ناري طبقا لتقرير الطب الشرعي أثناء فض الشرطة لتظاهرة طلابية مارس الماضي تندّد بالتصعيد العسكري بين الجيش والمتمردين في إقليم دارفور المضطرب غرب البلاد، وهو ما حاولت إدارة الجامعة احتواءه بتعليق الدراسة ثلاثة أسابيع.

وفور استئناف الدراسة مطلع أبريل الماضي دعا طلاب أحزاب معارضة إلى اعتصام انضم إليه غالبية طلاب الجامعة للضغط على الإدارة بهدف تسريع الكشف عن نتائج التحقيق في مصرع زميلهم قبل أن يرفع الاعتصام بموجب اتفاق بين الطرفين بوساطة من مجموعة من أساتذة الجامعة يقضي بأن تسرع الإدارة بالكشف عن نتائج التحقيق.

ولكن الطلاب عادوا إلى الاعتصام مجددا، مطلع الأسبوع الماضي، متهمين الإدارة بالتنصل عن الاتفاق لتأخذ الأزمة منحى آخر بدخول طلاب حزب المؤتمر الوطني الحاكم كطرف آخر، حيث اُتهم طلاب المعارضة “بحشد كوادر من خارج الجامعة والاعتداء عليهم مستخدمين أسلحة بيضاء لإجبارهم على فض الاعتصام”، طبقا لما قاله أحمد زهير القيادي بالجبهة الديمقراطية.

وقرر مجلس عمداء الجامعة "تعليق الدراسة إلى حين اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق أمن الجامعة واستقرارها، وتشكيل لجنة لوضع الاستراتيجيات التي تؤمن الجامعة مستقبلا"، ورغم إغلاق الجامعة انتقل العنف الطلابي إلى جامعات أخرى كما هي العادة دائما حيث اتهم طلاب حزب البعث العربي طلاب الحزب الحاكم بالاعتداء عليهم أثناء تنظيمهم مخاطبة جماهيرية في جامعة النيلين وسط العاصمة الخرطوم ما تسبب في إصابة 4 من طلابهم.

وقال أحمد زهير القيادي بالجبهة الديمقراطية، “طلاب الحزب الحاكم عادة ما ينقلون الصراع من أية جامعة إلى بقية الجامعات مستغلين تواطؤ الأجهزة الأمنية وإدارات الجامعات معهم، كما حدث في جامعة النيلين وأتوقع حدوثه في بقية الجامعات”.

يتهم طلاب المعارضة طلاب الحزب الحاكم بأن لديهم أسلحة نارية وبيضاء مخزنة في أماكن بعينها داخل أية جامعة يطلق عليها 'الوحدات الجهادية'

لكن النعمان عبدالحليم، الأمين السياسي لحركة الطلاب الإسلاميين الوطنيين، وهي الذراع الطلابي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، نفى الاتهامات الموجهة لهم وقابلها باتهامات مماثلة، قائلا، “تاريخيا الجبهة الديمقراطية وطلاب اليسار هم من يعتدون علينا ويكيلون لنا الشتائم والسب ويعتدون على منابرنا”، وأضاف، “الأســبوع الماضي اعتدوا علينا أثناء تنظيمنا لمخاطبة جماهيرية بجامعة الخرطوم مستخدمين قنابل المولتوف والقضبان الحديدة وأصابوا 14 من كــوادرنا أحدهم إصابته خطيرة”.

واستشهد النعمان لإبعاد تهمة استغلال السلطة في حسم الصراع السياسي عنهم بالقول، “منذ وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة لقي 4 من طلابنا مصرعهم بيد طلاب اليسار في عدد من الجامعات”، في المقابل قال زهير، “عدد الطلاب الذين لقوا مصرعهم منذ 1989 يقارب الـ50 طالبا، أكثر من 90 بالمئة منهم من الفصائل الطلابية المعارضة مقابل أقل من 10 بالمئة من الطلاب الإسلاميين، وهذه الإحصائية تؤكد من هو المُعتدي ومن الذي كان يدافع عن نفسه”.

من جهته، قال عميد كلية العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري في الخرطوم، آدم محمد أحمد، إن “العنف الطلابي في الجامعات هو امتداد للانقسام السياسي الحاد في الشارع ولا يمكن حله بمعزل عن ذلك”، وأشار آدم إلى أن “الجامعات السودانية وخصوصا جامعة الخرطوم كانت بؤر الاستنارة وتصنع القيادات السياسية والحركة الإسلامية نشأت فيها لكنها عندما وصلت إلى السلطة سعت إلى مصادرة حق التعبير والتضييق على النشاط السياسي فيها”، واستطرد قائلا، “طلاب الجامعات أطاحوا من قبل بنظاميين عسكريين والنظام الآن يخاف من هذا المصير، لذا يقابل نشاط طلاب المعارضة بالعنف وطلابه الآن أشبه بالأجهزة الأمنية”.

ويتهم طلاب المعارضة طلاب الحزب الحاكم بأن لديهم أسلحة نارية وبيضاء مخزنة في أماكن بعينها داخل أية جامعة ويطلق عليها “الوحدات الجهادية” وهو ما ينفيه النعمان الذي يرمي بالتهمة على طلاب المعارضة وأنصار الحركات المسلحة.

وبشأن الحلول المقترحة للأزمة أوضح العميد بأن، “العنف يُولّد العنف وما لم يمنع الحزب الحاكم طلابه من اللجوء إليه لا يمكن أن تطلب من بقية الطلاب ذلك، والأهم هو إخراج الأجهزة الأمنية من الجامعات”. بدوره يقول النعمان، الأمين السياسي لطلاب الحزب الحاكم، “نحن نؤمن بأنه لا يوجد حل غير الحوار الطلابي- الطلابي وعقد مناظرات فكرية ترتقي بالنشاط وأيّدنا وثيقة رئيس الجمهورية التي أطلقها في فبراير الماضي في هذا الشأن وطرحنا عدة مبادرات وسلمناها إلى عدة جهات لتبيّنها من بينها إدارة جامعة الخرطوم والاتحاد العام لطلاب ولاية الخرطوم الذي شرع فعليا في ذلك ويستعد الآن لجمع كل الأطراف”.

في المقابل قلّل زهير من هذه المبادرات قائلا، “هذه المؤسسات جزء من الصراع لأنها منحازة إلى الحزب الحاكم ولا تصلح كوسيط”، وأوضح قائلا، “إذا كانوا جادين في وقْف العنف، فالأمر لا يتطلب سوى احترام استقلال الجامعات وحق الطلاب في التعبير وإبعاد الأجهزة الأمنية وهذه خطوات بيدهم وليست بيدنا”.

17