الجامعة الأميركية ببيروت.. مركز طبي لمواجهة هجرة الأدمغة

الثلاثاء 2013/10/22
صمدت الجامعة ومركزها الطبي خلال الحرب الأهلية اللبنانية والأزمات

يغادر عدد كبير من الأطباء للتخصص في أميركا وأوروبا وأماكن أخرى من العالم المتقدم تكنولوجيًا بعد تخرجهم من الكلية، وينالون أفضل المناصب ويصقلون معرفتهم وقدراتهم، ثم يعودون إلى مستشفى الجامعة، أو المعهد الطبي لمعالجة المرضى ونقل معرفتهم إلى الأجيال الجديدة.

وصمدت هذه الجامعة، ومركزها الطبي، خلال الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، وخلال الأزمات السابقة والحالية في القرن الماضي وهذا القرن.

وبالتالي، وجدت جريدة "العرب" أنه من المفيد الاطلاع على وضعها الحالي، وعلاقتها بالمؤسسات الطبية في العالم العربي، ومشاريعها ونشاطاتها الجديدة عبر مقابلة الدكتور محمد صايغ، نائب رئيس الجامعة الأميركية للشؤون الطبية في بيروت، وعميد كلية الطب في الجامعة، الذي يشغل هذا المنصب منذ أربع سنوات، وسؤاله عن هذه الأمور.

أوضح الدكتور صايغ أنه تخرج من كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت في منتصف الثمانينات، ثم تخصص في معهدي كليفلاند وهارفرد في أميركا، وحاضر ومارس الطب في اختصاص معالجة الكلى هناك، قبل عودته إلى لبنان عام 2009، بعد اختياره كعميد لكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت.

ولدى سؤاله عما إذا كان سعيدًا في ممارسة عمله، وعن الصعوبات التي يواجهها قال: "إن فترة عملي هنا تشكل أفضل أيام حياتي، وأعتبر وظيفتي تحديًا شخصيا لي آملاً أن أنجح وأخدم بلدي والمنطقة العربية برمتها".

ورأى بأن "أكبر التحديات بالنسبة لي، يتمثل في تغيير عقلية الأشخاص العاملين في هذه المؤسسة الطبية، وتبديل بعض تصرفات المرضى، وتحسين التعامل بين الأطباء والعاملين في المؤسسة، من جهة، والمرضى من جهة أخرى. وهذه صعوبة بالإمكان تجاوزها، عبر عدم القبول بالأمور كما هي، والسعي إلى تحقيق الأهداف المنشودة، واعتماد الأخلاقية في العمل الطبي، واختيار الأشخاص المؤهلين لممارسة العمل الناجح والمتميز، فهذه المؤسسة تتقدم على غيرها، وهي الأولى في المجال الطبي في الشرق الأوسط".

أما عن علاقة المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت بمراكز طبية أخرى في لبنان والعالم العربي، فقال صايغ: "إن إحدى النقاط الأساسيّة في برنامج عملنا، هي خلق شراكة بيننا وبين مؤسسات طبية في لبنان والعالم العربي، على صعيد إنشاء المراكز الطبية فيها وإرسال الاختصاصيين للمساعدة في التدريب والمعالجة. وحتى عندما كنت في هارفرد حاولت إنشاء مشروع مركز طبي في دبي بدولة الإمارات العربية، بالتعاون مع المركز الطبي في تلك الجامعة الأميركية البارزة.

وهناك مؤسسات ومراكز طبية عديدة في الدول العربية، وخصوصًا الخليجية منها، بحاجة إلى التعاون مع المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت. فهنا لدينا عدد كبير من الاختصاصيين يعودون إلى لبنان، ففي السنة الماضية وحدها عاد حوالي مئة طبيب من مراكز طبية عالمية إلى بيروت، وهم يشكلون حاليا ثلث عدد أطبائنا. أما في دول الخليج فهناك مؤسسات ومراكز طبية، أُسست في السنوات الماضية، ولديها كل الموارد والوسائل والتجهيزات الحديثة، ولكنها بحاجة إلى المزيد من الأطباء، ومركزنا يوفر مثل هذا التعاون معها".

العميد محمد صايغ: هناك مؤسسات ومراكز طبية عديدة في الدول العربية وخصوصًا الخليجية منها بحاجة إلى التعاون مع المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت

وذكر صايغ في هذا المجال مراكز طبية أميركية، كمركز "كليفلاند" في أبوظبي، ومركز "مايو كلينيك"، ومراكز في السعودية ودول خليجية أخرى، "لديها القدرات المادية، ولكنها بحاجة إلى المزيد من الأطباء المتخصصين، ولذلك فبرنامجنا لمواجهة هجرة الأدمغة الطبية، يركز بشكل خاص على هذا الموضوع، أي على إرسال جزء من الأطباء العائدين لممارسة اختصاصاتهم في هذه المعاهد الطبية العربية".

وأضاف: "أما بالنسبة للتعاون مع مراكز طبية لبنانية، فنحن نقوم أيضا بهذا العمل عندما يُطلب منّا ذلك. ولنا تعاون وثيق مع مراكز طبية في سائر أنحاء لبنان (بيروت، طرابلس، كسروان وغيرها)".

وحول تعاون المركز الطبي في الجامعة الأميركية مع الحكومة اللبنانية، المتمثلة في وزارة الصحة، والوزارات الأخرى المعنية بالرعاية الطبية، فقال صايغ: "طبعًا جزء من عملنا يشمل معالجة المرضى، التابعين للضمان الاجتماعي والصحي اللبناني. ومع أننا نواجه بعض التأخير في دفع المتوجبات لنا من المؤسسات اللبنانية الحكومية في بعض الأحيان، فإننا نتعاون بشكل وثيق معها ونقدّر صعوباتها. كما تتعاون الحكومة اللبنانية معنا في مراكز معالجة أمراض خطيرة، متواجدة داخل مستشفانا، كمركز "جود" لمعالجة الأطفال المصابين بالسرطان، ومراكز معالجة تصلب الشرايين، والأمراض القلبية والعصبية، وبإمكان الوزارات اللبنانية المختصّة، تحسين مستوى ونوعية هذه العلاقة".

وسألت "العرب" عميد كلية الطب، عما إذا كانت الانقسامات السياسية في لبنان، أو الوضع السياسي والميداني المتأزم في سورية، يؤثران على ممارسة أطباء المركز لأعمالهم، أو تؤديان إلى تشنج في علاقاتهم ببعضهم، أو ببعض المرضى فقال: "إنني أنظر إلى هذا الموضوع نظرة مختلفة، فأنا أشجع التنوع في الأراء، أكان ذلك في المجال السياسي، أو الاجتماعي أو العلمي، ولكن عندما يأتي الأطباء للعمل الطبي عليهم التركيز على هذا العمل، ويجب ألا تلهي القضايا السياسية أو غيرها، موظفي مؤسساتنا عن عملهم أولا. وقد عالج مركزنا الطبي في سائر المراحل، مرضى ومصابين من فئات مختلفة سياسيًا واجتماعيًا، وسيستمر في القيام بهذه المهمة".

وأكد صايغ أن "الأطباء المتخرجين من المركز الطبي في بيروت، والعائدين من تخصصهم في الخارج، عبّروا عن ارتياحهم للعمل في المركز الرئيسي لمؤسستنا في بيروت، أو في أي مناطق لبنانية أو عربية أخرى. وهذا الأمر انطبق على جميع الآتين من مناطق جغرافية وإثنية مختلفة. وهذا يؤكد بأن رسالتنا طبية قبل أي شيء آخر. وأن خريجينا يعتنقونها في سائر مراحل حياتهم، وأنا من جهتي أفتش عن الأطباء المهرة والناجحين في عملهم الطبي من أينما أتوا".

وفي عرضه لبعض التفاصيل عن المؤسسات الطبية العربية، التي يتعاون مركز الجامعة الطبي معها قال صايغ: "أرسلنا أطباء إلى مركز الملك فيصل الطبي، في اختصاصات كان بحاجة لها هناك، كما ساهمنا في حصول مركز كليفلاند الطبي في أبوظبي، على شهادات التقدير والاعتراف بالمستوى الأميركية "accreditation"، وفعلنا الأمر نفسه بالنسبة لمراكز طبية في قطر. ونساعد أيضا في إنشاء كليات طبية لتدريب أطباء المستقبل في هذه البلدان العربية".

وأضاف: "نحن على استعداد للتعاون مع أي مراكز طبية في المنطقة، ولدينا مشاريع تعاون طبي مع العراق ومع إقليم كردستان في العراق، وفي الأردن لدينا مذكرة تفاهم مع مركز الملك حسين لمعالجة السرطان. ولكن علينا أيضا أن نحصر التعاون بحسب مستوى قدراتنا، وألا نتجاوز طاقاتنا في مجال التعاون الطبي".

ولدى سؤاله عما إذا كان المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، مستعدًا لإنشاء فروع كاملة له في دول عربية، وليس فقط مشاريع تعاون، قال صايغ: "إننا لا نتعاون فقط، بل نرسل الأطباء إلى بعض هذه المراكز، وهذا استثمار هام بالنسبة إلينا وإليهم. وإنشاء الفروع لمركزنا ليس أمرًا مستحيلا، ربما في المستقبل، أما الآن فنحن نفعل ما تفعله المراكز الطبية البارزة في الولايات المتحدة، أي التعاون الوثيق مع المؤسسات الطبية الأخرى، التي بحاجة لخدماتها. وإذا كنا سننشئ فروعا كاملة في أي مكان عربي آخر، فلن يكون ذلك قبل عام 2020".

أما بالنسبة للتعاون مع مراكز طبية خارج العالم العربي ولكن في دول شرق أوسطية أخرى مثل تركيا وإيران، فقال: "ليس لدينا أي توجّه سلبي مسبق في أمور التعاون الطبي، ولكن حاليًا نركز على منطقة الشرق الأوسط العربية وشمال أفريقيا العربية".

وعما إذا تواجدت تحفظات من بعض مسؤولي البلدان العربية، إزاء إرسال الأطباء ثم استعادتهم إلى بيروت بعد فترة، وإذا كان المسؤولون يفضلون بقاءهم في هذه البلدان، قال صايغ: "إن هدفنا من استقدام مئات من أطبائنا سنويا من أميركا وغيرها، هو إرسال بعضهم إلى الدول العربية، فنحن لسنا في معرض سرقة الأطباء المهرة من الدول العربية التي ذهبوا للعمل فيها.

وأمر البقاء فيها أو العودة إلى لبنان يعود للأطباء أنفسهم. وبعض الدول العربية تجد صعوبة في استقدام أطباء، وإبقائهم فيها لفترات طويلة، لأسباب الأطباء العائلية والخاصة وليس لأسباب مادية. وهذا الأمر يختلف بين دولة عربية وأخرى. ونحن قد نفضل تشجيع هؤلاء الأطباء، على العمل في المراكز الطبية العربية لفترات طويلة، ولكن إذا رغبوا بالعودة إلى لبنان فإننا نفتح المجال أمامهم أيضًا".

وعما إذا كان من الأفضل استقدام خريجي الجامعة الأميركية الناجحين في الخارج، لفترات قصيرة إلى لبنان والعالم العربي (سنة أو ستة اشهر)، لتأمين استمرار اطلاعهم على الاكتشافات والمعالجات الطبية المتطورة، التي تحدث في أميركا وأوروبا وغيرها من الدول المتطورة طبيًا، ولتأكيد بقائهم في مراكز إدارية بارزة في هذه المؤسسات الأجنبية، قال صايغ: "من أصل ثلاثة آلاف من هؤلاء الأطباء، يعود سنويا المئات فقط، وينتشرون بين لبنان والعالم العربي، ومنهم من يعود إلى مركز عمله السابق في الخارج بعد ذلك. ولدينا بعض منهم يأتون كأساتذة زائرين، وآخرون يتعاونون معنا طبيًا من مراكز عملهم في نيويورك أو بوسطن أو غيرها. ولكن المعالجة الطبية تتطلب الاستمرارية، ونحن نشجع الأطباء العائدين على البقاء".

وعن المشاريع لإنشاء مراكز جديدة، وتعزيز المراكز الموجودة حاليا في مستشفى الجامعة الأميركية، أكدّ صايغ أن التركيز في هذا المجال هو تعزيز دوائر ومراكز معالجة الأمراض الخطيرة كالسرطان والقلب، والأعصاب والسكري، والأمراض المنتشرة بشكل مكثف في الشرق الأوسط.

وعن مشروع برنامج أطلقه المركز مؤخرًا، لتحسين علاقة المريض بالطبيب، قال صايغ: "نعم أنشأنا مثل هذا المشروع، ونحاول بشتى الوسائل إنجاحه، ولكن أطباع البشر مختلفة، أكان ذلك بين الأطباء أو المرضى. فالبعض سلس المعشر ويعامل الآخرين بلطف، والبعض الآخر يتعامل بفظاظة، برغم مهارته في حقل عمله. ولكن الطب هو عمل إنساني قبل أي شيء آخر".

وأضاف: "أود الإشارة إلى وجود برامج خاصة في مستشفانا لمعالجة الفقراء، الذين ليسوا منضمين إلى برنامج الضمان الاجتماعي الصحي الحكومي، وخصوصًا الكبار في السن بينهم، وحتى الذين لا يحملون جنسيات لبنانية، فبعض هؤلاء يدخلون إلى مركز العناية بالحوادث الطارئة ويُعالجون إذا أصيبوا بحوادث خطيرة من دون امتلاكهم الأموال أو الأوراق المطلوبة. ولدينا صندوق خاص ممول من جهات سعودية وخليجية، لتغطية تكاليف مثل هذه الحوادث، والتبرع لهذا الصندوق ممكن من أي جهة عربية أو مؤسسات دولية إنسانية".

ونوّه الدكتور صايغ بنشاطات الدكتور كمال بدر، زميله وأستاذه السابق، الذي يحتل حاليا منصب العميد المشارك لشؤون التعليم الطبي، في رفع مستوى تعليم الطب والتدريب الطبي في الجامعة والمساهمة في مشاريع التعاون مع المراكز الطبية في العالم العربي.

والدكتور بدر هو خريج جامعة هارفرد أيضًا وكان عميدًا للطب في "الجامعة اللبنانية الأميركية"، قبل عودته إلى المركز الطبي في الجامعة الأميركية.

17