الجامعة الأميركية في بيروت.. تاريخ من تشكيل هوية المكان

تأسست الجامعة الأميركية في بيروت لأهداف سياسية ودينية تبشيرية، لكن ما قدمته وتقدمه كصرح علمي لا يمكن أن يستهان به خاصة أنها فتحت أبواب التعليم للطلبة والطالبات من مختلف الأديان والجنسيات، لتصنع منهم أطباء ومفكرين ورموزا سياسيين يذكرهم التاريخ.
الأربعاء 2016/01/27
اختلاط الاعراق والجنسيات

بيروت - لم تكن الجامعة الأميركية في بيروت منذ تأسيسها مجرد صرح علمي عادي، وعلى مدى 150 عاما شكّلت جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المدينة وصدّرت ثقافتها إلى لبنان قبل تأسيسه، وخرّجت أجيالا كتبت تاريخا وكانت جزءا من تاريخ، وحضنت بين جدران مبانيها تقلبات واضطرابات منطقة جمعت أضدادا وديانات مختلفة.

وقبل الجامعة الأميركية كانت بيروت مدينة صغيرة ساكنة على كتف البحر، ومنطقة رأس بيروت كانت ضاحية موحشة خطرة ذات دروب متعرّجة ضيقة إلى أن وصل مبشرون أميركيون وأطباء بريطانيون ووضعوا نصب أعينهم تأسيس كلية طبية في المدينة.

وانطلقت الجامعة بفكرة اقترحها “دبليو إم. توماس″ في نيويورك عام 1862 لتتبلور عام 1866 كلية حملت اسم الكلية السورية البروتستانتية برئاسة دانيال بليس، الذي ما يزال الشارع الذي يضم حرم الجامعة يحمل اسمه حتى اليوم في بيروت، وانطلقت من مجموعة مبان متواضعة مستأجرة في منطقة زقاق البلاط في بيروت.

وبدأت الكلية البروتستانتية بستة عشر طالبا فقط وخرجت الدفعة الأولى من الأطباء في 1871، وكانت من أولى المدارس في الشرق الأوسط والعالم في قبول الطالبات الإناث.

ومنذ تأسيسها لعبت دورا محوريا في حياة الأهالي وشاركتهم مآسيهم، وأسهم طلابها وأساتذتها في معالجة المصابين في الحرب العالمية الأولى.

في العام نفسه وُضع حجر الأساس لمبنى الساعة أو “الكولدج هول”، وبعد اكتمال المباني الرئيسية تحولت الكلية عام 1920 إلى الجامعة الأميركية في بيروت.

ويحلو لأهل رأس بيروت أن يستذكروا كيف استنكفوا بناءها على أرض واسعة في منطقة مهجورة في ذلك الحين، وقالوا إن “المبشرين الأميركان ذهبوا ليعيشوا بين الواوية (أبناء آوى)”، لكنها سرعان ما أسهمت في نهضة المنطقة لتصبح آهلة بالمباني والمنازل التي استقبلت الأساتذة وطالبي العلم من لبنان والبلدان المجاورة.

وعاشت الجامعة مع لبنان واللبنانيين مآسيهم وكان لها نصيبها من الحرب الأهلية اللبنانية عندما اغتيل رئيسها مالكولم كير عام 1984 وبعدها مع تفجير مبنى الكولدج هول التاريخي عام 1991، ومع ذلك بقيت كما بقيت بيروت وأعيد إعمار الكولدج هول الذي افتتح مجددا عام 1999.

كما حضرت عبر خريجيها في أهم المحطات العالمية، فكان 19 منهم من الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، أبرزهم اللبناني شارل مالك أحد معدي وصائغي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وفي تاريخ المنطقة واضطراباتها وتقلباتها ومحطاتها الثقافية والحضارية المختلفة، كان لها دورها عبر مجموعة من المؤرخين مثل بطرس البستاني وكمال الصليبي، وأدباء وشعراء مثل يعقوب صروف وإبراهيم طوقان وقدري طوقان وعمر أبوريشة وعمر فروخ وغادة السمان، وصحفيين كغسان تويني، وسياسيين كعبدالرؤوف الروابدة رئيس وزراء الأردن الأسبق وسعدون حمادي رئيس الوزراء العراقي الأسبق ومناضلين مثل جورج حبش والشاعر كمال ناصر وغيرهم كثر.

أما في ذاكرة بيروت وأهلها فتحضر الجامعة على شكل نوادر تتناقلها الأجيال كجزء من تفاصيل حياتها وعيشها وثقافتها، معبرة عن الدور الذي لعبته الجامعة في المدينة كجزء من تاريخها وحياة أبنائها.

واليوم بعد 150 عاما يرأس الجامعة الدكتور فضلو خوري خريج أهم الجامعات الأميركية والمتخصص في أمراض الدم والأورام والحائز على عدد من الجوائز الطبية، كأول رئيس لبناني لها تنتظره تحديات الحفاظ على الرسالة العلمية للجامعة إلى جانب قيمتها كمنارة علمية خاصة في ظل التطرف والطائفية اللذين يجتاحان الشرق الأوسط ولبنان.

عراقة الماضي منطلق للمستقبل

واعتبر خوري أن “أبعد تأثير للجامعة من الناحية الثقافية والحضارية في لبنان يتمثل في ما حصل بالحرب الأهلية اللبنانية التي لا نفتخر بها. لم تقترب الحرب من منطقة رأس بيروت وعين المريسة بسبب جو التسامح والاختلاط والحضارة ومستوى التفكير العالي الذي زرعته الجامعة في أبنائها”.

وأضاف “هناك من قال إنه في الحرب كانت هناك بيروت الغربية وبيروت الشرقية ورأس بيروت. هذه المنطقة تطبّعت بطابع الجامعة الأميركية واستقت منها القدرة على فهم الغير والتشديد على التفكير الحضاري والثقافي. هذا أهم تأثير للجامعة على لبنان والعالم العربي”.

ويقول خوري “على جامعتنا كجامعة ليبرالية وعلمانية أن تقدم الأجوبة للتخلي عن المذهبية والطائفية. أن تكون مؤمنا فهذا لا يمنع من أن تحترم الآخر وتتعاطى معه كإنسان مثله مثل غيره”.

وأضاف “علينا أن نساعد اللبنانين والعالم العربي على أن يزدهروا بطرق لم يعتادوها. مشاكلنا تتمحور حول الانحسار الاقتصادي والضغط الفكري والنظريات السياسية والدينية الفردية. ستكون الجامعة مقصّرة كثيرا في حق طلبتها إذا دخلوها وتركوها بنفس العقلية من دون أن يكتسبوا الانفتاح وتفهّم الآخر”.

وجدير بالذكر أنه تغيّر الكثير بعد مرور 150 عاما عن تأسيس الجامعة الأميركية ببيروت، فهناك معالم هدمت بالكامل وأخرى شيدت وحتى بيروت دمّرت وأُعيد إعمارها، لكن الجامعة الأميركية بقيت كصرح علم وحضارة لم تتخل عن محيطها في أسوأ الظروف، ولبنان الذي سطعت أضواؤه على الخارج من خلال خريجيها سيظل بدوره ما بقيت وبقى حاضنا لها ولثقافتها التعددية.

20