الجامعة التونسية منبر للذود عن قيم الحداثة

الثلاثاء 2015/02/17

لطالما لعبت الجامعة التونسية دورا تأطيريا، نقابيا وسياسيا بالإضافة إلى وظيفتها التربوية والتعليمية منذ الفترات الأولى التي تلت الاستقلال إلى اليوم.

دور تجلت معالمه من خلال احتضانها، على مدى عقود من الزمن، لأنشطة طلابية تعددت حسب ميول أصحابها يسارا كانوا أو يمينا، وتنوعت من ثمة أشكالها وفق مرجعياتهم الفكرية ومنطلقاتهم النظرية والتجارب السياسية التي كانت تؤثر فيهم. فكانت الساحات وجدران الأقسام تزدان بمزيج من المعلقات الّتي تحمل أفكار أصحابها؛ من تعريفات للمفاهيم الماركسية إلى أبجديات العمل الجبهوي، مرورا بالشعارات القومية الرنانية وقتها، وصولا إلى ملصقات جماعات الإسلام السياسي التي كانت ظاهرة وليدة حينها.

تنوع احتضنته الجامعات بلغ حدّ التناقض أحيانا، كانت تترجمُه حلقات النقاش التي كانت تقام في الساحات إلى سجالات فكرية وسياسية بين الفرقاء تنتهي حينا بالتوافق وتفضي أحيانا إلى صراعات تتسم بالعنف.

الثابت أنّ الفضاء “الحر” الذي وفرته الجامعات، والذي لم يكن متاحا للناشطين السياسيين خارج أسوارها، كان بمثابة ملاذ آمن للحركات والأطياف السياسية التي كانت تبحث عن منابر لإيصال أصواتها وعرض أطروحاتها زمن حكم الحزب الواحد ( في عهد الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي)، كما أنه وفّر لها تربة خصبة لاستقطاب “مناضلين” جدد.

هذا المتنفّس الذي وفرته الجامعة للجماعات والأحزاب السياسية التي كانت “محرومة” وقتها من العمل السياسي العلني، أسهم بدور كبير في تواصل نشاطها ومكّنها من إيصال صوتها إلى شريحة متعلّمة، سرعان ما كانت تترجمه إلى تحركات نضالية (تخرج أحيانا إلى الشارع) لطالما أقلقت راحة النظام ودفعته إلى صدّها بجل الوسائل التي بلغت في مرّات كثيرة الاعتقال والسجن.

حراك يومي كانت تتميز به الجامعات التونسية، خاصة الكبرى، بدأ مع الزمن يُرسي تقاليدا للعمل النقابي والسياسي، الذي لم يعد شيئا طارئا على الفضاء الجامعي بقدر ما أضحى ميزة ثابتة من ميزاته، حتى أنّ المراقبين يرون أنّها (الجامعة) كانت في فترة من الفترات تمثل الصدّ الأخير أمام تسلّط النظام الحاكم وقتها، كونها كانت حاضنة لمعظم الحركات الديمقراطية التي تعارض تفرده بالحكم وتتعارض مع توجهاته التنموية والاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية.

كذلك أسهمت الجامعة من موقع متقدّم في دعم الاحتجاجات التي عاشتها تونس (نهاية سنة 2010 بداية 2011) والتي أفضت إلى إسقاط نظام بن علي، حيث أنّ أولى المظاهرات المنددة بتردّي الأوضاع الاجتماعية للمواطنين وبضيق أفق حرية التعبير والهامش الديمقراطي المتاح أمام السياسيين، كانت قد خرجت من الجامعات حينها، وبذلك كانت الجامعة مرة أخرى حاضرة بقوة وفعالية في فصل آخر من الفصول التي غيرت تاريخ تونس الحديث.

بعد انتفاضة 2011، وعلى إثر السماح لجلّ الأحزاب بالنشاط العلني وفتح فضاءات عديدة أمامها، لم تتوقف الجامعة عن لعب دورها في صدّ الأفكار الهدامة التي لا تؤمن بالحرية في مختلف أبعادها، خاصة بعد أن وجدت نفسها أمام طارئ جديد- قديم عليها؛ تمثّل في الهبّة “السلفية” عليها، حيث وجد “السلفيون المتشددون” أنفسهم، زمن حكم حركة النهضة الإسلامية، أمام فرصة تاريخية للانقضاض على الفضاء الجامعي الذي طالما كان محسوبا على اليسار والقوى العلمانية والتقدمية، التي آثرت على مدى عقود مضت أن تظلّ الجامعة منارة للعلم وفضاء للدربة على قيم الحداثة والممارسة الديمقراطية. وقد نجحت الجامعة مرّة أخرى في ردّ ذاك الخطر عنها، كما أنها عادت لتساهم من جديد في التصدي لمشاريع الإسلام السياسي التي كانت ترمي إلى “أخونة” البلاد والعباد زمن حكم النهضة.

لا مناص أنّ هذا التاريخ النضالي الذي تتمتع به الجامعة التونسية، يُبوِّئُها اليوم، بإجماع المراقبين، لتكون صمام أمان قوي أمام أيّ محاولة للعودة بالتونسيين خطوات إلى الوراء من أيّ طرف كان، خاصّة أنّها حافظت على استقلاليتها عن الجميع ودون استثناء.

17