الجامعة العربية تواجه الإرهاب بحلول نظرية

الخميس 2015/01/22
الجامعة العربية تقترح تشكيل قوة تدخل عربية مشتركة لدحر الإرهاب

القاهرة - اقترحت دراسة، أعدّتها جامعة الدول العربية بخصوص التهديدات الإرهابية التي تحيط بالمنطقة، النظر فى إمكانية تشكيل قوة تدخل عربية مشتركة لدحر الإرهاب وذلك وفقا لميثاق الجامعة العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك التي تتضمن إيجاد نظام دفاع عربي مشترك مرن ومتكامل للدفاع الجماعي وحفظ السلم والأمن فى المنطقة وإنشاء قيادة عامة موحدة لقوات التدخل العسكرية وفقا لمقتضيات المعاهدة أو أي صيغة أخرى يتم التوافق عليها.

تصاعد حدة الإرهاب في المنطقة العربية، وضع الكثير من الدوائر السياسية والأمنية في مفترق طرق، وفرض عليها ضرورة التعامل بديناميكية مع هذه المسألة؛ مثلما وضع جامعة الدول العربية أمام موقف مصيري يحدّد مستقبلها كمصدر قرار عربي سيادي.

التراخي والتقاعس والتهاون والكسل، الذي كان سائدا لم يعد مقبولا، فعدم مواجهة التحديات التي تمر أمام أعين الجميع، يعني القضاء على كثير من الركائز التي يقوم عليها الأمن القومي العربي، لذلك أخذت الجامعة العربية على عاتقها مؤخرا دراسة قضية الإرهاب من جوانب نظرية مختلفة، أملا في الوصول إلى صيغة تضع حدا للسخونة المخيفة، التي يحاصر بها الإرهاب المنطقة العربية.

لم يعد هذا الإرهاب محصورا في دولة بعينها، بل جنونه يلامس الكثير من الدول، ويمتدّ من سوريا إلى اليمن وليبيا والعراق، مرورا بمصر وتونس والسعودية، وهو ما وضع الجامعة العربية، في موقف غاية في الصعوبة. ومع أنها أخفقت في وقف نزيف دماء عربية كثيرة، إلا أن البعض لا يزال يتمسك بأهداب الأمل، على الأقل بصورة يمكن أن تعطي دفعة معنوية، حتى تستفيق من كبوتها.

مشكلة الجامعة العربية الدقيقة، أنها عندما أرادت إصلاح نفسها والاستفاقة، أمسكت بملف الإرهاب الحيوي، وقرّرت دخول هذا الاختبار، عندما عقدت سلسلة من الاجتماعات في هذا السياق، مؤخرا، وكان اجتماع مجلس وزراء الخارجية الطارئ في القاهرة في 15 يناير الجاري، نقطة في بحر الإرهاب الذي قررت الغطس فيه.

اتفاقيات مكافحة الإرهاب والدفاع العربي المشترك شماعة للمزايدة السياسية أم رغبة في تجنب التدخلات الخارجية

كلّف وزراء الخارجية العرب، في قرارهم الصادر في 7 سبتمبر الماضي، نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، بإعداد دراسة شاملة واقتراح خطوات عملية قابلة للتنفيذ، وطرح أسباب ظاهرة الإرهاب والحلول العملية لمواجهتها. وبالفعل أعدّت الدراسة وفق خبراء مختصين في مجال مكافحة الإرهاب، وتم إرسالها إلى وزراء الخارجية، وطلب منهم الأمين العام أن تبدي كل دولة رؤيتها وملاحظاتها بخصوص ما تمّ التوصل إليه.

محمد باباه، رئيس فريق الخبراء العرب المختصين بمتابعة قضايا الإرهاب، وممثل موريتانيا، باعتبارها رئيس مجلس الجامعة في دورته الحالية، قال إن اجتماع الخبراء في 8 يناير الجاري، جاء تنفيذا لقرار مجلس الجامعة العربية رقم 7804 الصادر في 7 سبتمبر الماضي حول صيانة الأمن القومي العربي ومكافحة الجماعات الإرهابية المتطرفة، وتم إعداد دراسة من قبل خبراء مختصين كلفوا بالبحث عن وسائل للتصدي لهذه الجماعات، ووضع اقتراحات محددة وإجراءات عملية لاجتثاث جذورها.


قوة تدخل عربية مشتركة


المناقشات والمداولات التي جرت بإشراف الجامعة العربية، تطرقت إلى موضوعات شتى، وبدأت فتح ملفات تعلم غالبية الدول العربية أنها لا تستطيع تفعيل بعض حلولها على الأرض، حتى لو كانت الوثائق والنصوص موجودة في الأدراج القديمة للجامعة.

من ذلك، مطالبة أحمد المشرقي، رئيس لجنة الشؤون السياسية والخارجية والأمن القومي بالبرلمان العربي، إلى ضرورة تفعيل مجلس السلم والأمن العربي ودعا في أحد تصريحاته إلى توظيف آلية الدفاع العربي المشترك، وإيجاد آلية عملية لمواجهة هذه الكارثة.

أحمد المشرقي: الدعوة إلى الدفاع المشترك وايجاد آلية عملية شروط أساسية لمواجهة الإرهاب

وحذر من التدخل الأجنبي “اللا عربي” في مكافحة الإرهاب، حتى لا يعطي هذا التدخل مشروعية للجماعات المتطرفة، مطالبا الدول العربية أن تأخذ بأيديها هذه المواجهة الشاملة، خاصة أن الإرهاب أصبحت له تنظيمات إقليمية مرتبطة بتنظيم مركزي، وله مؤسسات ومستقر على الأرض، وأقر ميزانية (داعش)، وهذا يعني ارتفاع مستوى التهديدات إلى حد غير مسبوق، ما يؤكد أن الدول العربية كلها مهددة بالإرهاب.

قضية التدخل العربي والدفاع المشترك ومجلس السلم والأمن، تظل دائما متوارية، ويتم التلويح بها عندما تشتد المحن العربية. وتفجرت مؤخرا خلافات واسعة، فمن يفكرون بطريقة نظرية، وجدوا ضالتهم للمزايدة السياسية، وإحراج البعض، بل وحشرهم في زاوية ضيقة، وتصويرهم كمن يرفض التعاون المشترك، ومن يفكرون بطريقة عملية، وجدوا صعوبة في تطبيق أي بند من بنود هذه الاتفاقية، لأن الخلافات في معظمها بينية، وفي شقها الآخر محلية، تقوم بين جماعات وميلشيات تتقاتل أو تتنازع على السلطة، والعدو الذي يمارس الإرهاب، يلتحف أحيانا بأردية رسمية.

الجامعة العربية أمسكت بزمام المبادرة، وتجرأت ولوحت برغبتها في تشكيل قوة تدخل عربية مشتركة لدحر الإرهاب، وأعدت دراسة ضمنتها هذا الاقتراح، وعرضها الأمين العام أمام الاجتماع غير العادي لمجلس الجامعة العربية يوم 15 يناير الحالي، مشددا على أهمية عقد اجتماع عاجل لمجلس الدفاع العربي المشترك (وزراء الخارجية العرب ووزراء الدفاع) لبحث إمكانية تشكيل قوات التدخل العسكري العربي والآليات اللازمة لعملها ومرجعياتها السياسية والقانونية، ووسائل تنظيم عملها وتشكيلاتها العسكرية والدول الأعضاء والمساهمة فيها.

دراسة الجامعة العربية تقدّم تفسيرات لظاهرة الإرهاب لكنها تضع مقترحات يصعب تطبيقها عمليا

مراقبون، قالوا لـ”العرب” إن المقصود بهذا الاقتراح الذي حوته الدراسة التمهيد لتشكيل نواة لقوة للتدخل في بعض الأزمات العربية، خاصة سوريا وليبيا، ولأن للأزمة السورية خصوصية إقليمية ودولية، فقد لا تستطيع أي قوة عربية بمفردها القيام بدور عسكري، وبقيت التلميحات تكاد تكون منصبة على ليبيا، لاسيما أن الجامعة العربية، إبان عهد عمرو موسى، الأمين العام السابق، منحت قوات حلف الناتو الضوء الأخضر للتدخل في الأراضي الليبية، والمساهمة في إسقاط نظام معمر القذافي.

كما أن المبادرة السياسية التي أطلقتها مصر، تحت مظلة الجامعة العربية، في أغسطس الماضي، تتعثر وتواجه مشكلات جمة، وأضحت بحاجة لذراع إقليمية لتنفيذ بنودها، على ضوء التجاذبات الحادة بين الفصائل والجماعات المحلية، وهواجس بعض الدول المجاورة، فالجزائر مثلا تعارض أي تدخل عسكري، عربي أو غير عربي، وترى أن الحل السياسي الذي يشمل جميع الأطياف هو المقبول، الأمر الذي جعل الجزائر تعزف بشكل منفرد عن بقية الدول العربية، وولّد حساسيات بينها، لا تزال مكبوتة، حيث تعتقد القاهرة في ضرورة تنحية القوى والميلشيات المسلحة من أي مصالحة سياسية، فيما يبدو موقف الجزائر ملتبسا، حيث تدعو إلى حوار ليبي يجمع الجميع بما فيها الجماعات الإسلامية المسلّحة، في خطوة لا تتماشى وسياسة الجزائر المحاربة لهذه الجماعات في الداخل.

المفارقة أن أي تدخل عربي في ليبيا، بدلا من أن يزيد التلاحم والتقارب، ويعطي مبررا مشروعا للذراع العسكرية المشلولة منذ تأسيسها، قد يكون سببا في المزيد من الفرقة والخلاف وربما التناحر، فوسط عدم وجود رؤية عربية موحدة حيال ليبيا، يمكن أن تنشب مواجهات أمنية مباشرة أو غير مباشرة. وما يجري الآن في ليبيا في جزء منه، حرب بالوكالة تديرها دول عربية عدة ضد بعضها، وهي إحدى النكبات التي عطلت وسوف تعطل الحل في ليبيا، كما أن هناك ميلشيات تعمل تحت مظلات رسمية.

معاهدة الدفاع العربي المشترك حبر على ورق
سنة 1950 وقّعت الدول العضوة في جامعة الدول العربية على معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي رغبة منها في تقوية وتوثيق التعاون بين دول الجامعة العربية حرصا على استقلالها واستجابة لرغبة شعوبها في ضم الصفوف لتحقيق الدفاع المشترك عن كيانها وصيانه الأمن والسلام.

وكان من بين بنود هذه المعاهدة، التي خرجت من رحم حرب 1948 بين اسرائيل والعرب، تأسيس مجلس الدفاع المشترك للجامعة العربية، وهي مؤسسة معنية بتنسيق دفاع مشترك لجامعة الدول العربية. لكنّها ظلّت حبرا على ورق تلوّح بها الجامعة العربية مع كل أزمة أو حرب تعيشها المنطقة، دون أن يتمّ تفعيلها بشكل ملموس على أرض الواقع.

هنا دعت دراسة الجامعة العربية، إلى النظر في مدى فاعلية سياسات إنشاء مجموعات محلية وتدريبها وتسليحها، نظرا للمخاطر الأمنية واسعة النطاق التي تمثلها هذه السياسات، على المديين المتوسط والبعيد والاعتماد في مقاومة الإرهاب على القوة المسلحة النظامية. بمعنى أن خبراء الجامعة أدركوا خطورة الموقف، ووضعوا أيديهم على أحد مكامن الداء، لكن تجاهلوا التشديد على الدواء اللازم، وتحديد أسماء الدول التي تقوم بهذا الدور.

الدراسة لم تغفل الدور السياسي، وحثت على أهمية القيام بتحرك دبلوماسي نشط وفعال مع دول الإقليم والمجتمع الدولي، لتقديم الدعم والمساندة لإنشاء قوة التدخل العسكري العربية والتنسيق مع دول الإقليم لتقديم الدعم اللوجيستي والمعلومات الاستخباراتية، بما يتيح لقوة التدخل العربي العمل في بيئة مواتية وصديقة.

وأكدت على التزام الدول العربية بتولي مسؤولية الدفاع عن الأمن القومي للمنطقة العربية، والقيام بواجبها للحفاظ على أمن المنطقة وإيجاد الوسائل المناسبة التي تكفل لها دحر الإرهاب وهزيمته، واستعادة السلم والاستقرار في المنطقة، وإيجاد الآليات التي تتبع إنشاء نظام تعاون أمني عربي شامل يصون الأمن والسلم العربييْن من التهديدات الداخلية والخارجية.

وطالبت بالعمل على إيجاد تسوية سياسية شاملة للصراعات المحتدمة في المنطقة العربية، وعلى نحو خاص في الدول الأعضاء التي تشهد نزاعات مسلحة، وإطلاق عملية سياسية كبرى لتحقيق المصالحة الوطنية والوفاق الاجتماعي، بما يحول دون استفحال الإرهاب وتناميه، على نحو يهدد الأمن القومي العربي، ويعرض السلم الاجتماعي ووحدة النسيج الاجتماعي للخطر.

دعت أيضا إلى تقييم السياسات والاستراتيجيات والاتفاقيات العربية ذات الصلة بمقاومة الإرهاب، كذلك إصلاح الآليات المؤسسية المعنية بالتعامل مع الفكر المتطرف والمنظمات الإرهابية، ووضع استراتيجية شاملة تتسم بالفاعلية والقدرة، من أجل إنهاء التهديدات الماثلة على الأمن القومي العربي والتعامل معها على نحو حاسم ينهي وجودها والآثار المترتبة عليها، وأن تأخذ الاستراتيجية بعين الاعتبار الخطط المستقبلية طويلة الأمد التي تمنع ظهور الفكر المتطرف، أو أي مظهر من مظاهر العنف المسلح الذي يهدد الأمن والاستقرار والسلم الأهلي.

المقعد السوري بجامعة الدول العربية مازال شاغرا بسبب اختلاف وجهات نظر الدول الأعضاء


تقييم ومراجعة


لم تكن اتفاقية الدفاع المشترك يوما محل جاذبية لكثير من الدول، للعمل على تنفيذ بنودها، مع أن هناك أزمات كبيرة تعج بها المنطقة العربية، لذلك أكدت الدراسة ضرورة القيام بعملية تقييم شامل ومراجعة تجربة الدفاع العربي المشترك وعلى نحو خاص تجربة قيادة الأركان المشتركة والسلبيات التي رافقت إنشاءها والعوامل، التي أدت إلى توقفها عن العمل كآلية عربية لصيانة الأمن القومي، في إطار منظومة العمل العربي المشترك، ومراجعة الخبرات السابقة في تشكيل القوات العربية المشتركة، لحل النزاعات المسلحة في الدول العربية وتطوير آليات مرنة وفعالة لوضع اتفاقية الدفاع العربي المشترك والبروتوكولات الملحقة بها موضع التنفيذ.

ولأن الأزمات تتفاقم، بشكل تصعب معه ملاحقتها، فقد اقترحت الدراسة فتح حوار واسع على المستوى العربي، تشارك فيه المؤسسات الحكومية المعنية والمنظمات الأهلية والمفكرون والخبراء والسياسيون، لبحث أفضل السبل ولتحديد أولوياته ومجالات مكافحة الإرهاب، وكيفية استشراف الآفاق، لتحقيق نهضة عربية شاملة تتجاوز واقع التخلف وآلياته، بما في ذلك ظاهرة الإرهاب بهدف وضع استراتيجية شاملة.

ونوهت إلى أهمية العمل على إيجاد الركائز اللازمة لتحقيق إجماع وطني للتوافق على مبدأ التغيير السلمي، والتأكيد على مبدأ الإرادة الطوعية المسؤولة لتحقيق ديمقراطية حقيقية، وباعتماد معايير التغيير الداخلية وآلياتها التي تتيح المشاركة الواسعة للقوى الاجتماعية، من أجل المحافظة على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، الذي تحترم فيه حقوق المواطنة، بغض النظر عن المعتقد أو المذهب أو العرق أو اللون، وقيام مجتمع حر على أساس الحكم الرشيد، الذي يضمن حرية الاعتقاد والرأي والتعبير والتنظيم والقبول بالآخر، بوصفه شريكا مكافئا في عملية التغيير التي ظلت تتطلع إليها الشعوب العربية، والإسراع في تحقيق الإصلاح السياسي والديمقراطي في المجتمعات العربية.

لم تغفل الدراسة المطالبة بتفعيل المشاركة السياسية، دون إقصاء أو تهميش، واعطاء الفرصة الحقيقية لكافة الفئات المشاركة بما يعمق الثقة في الذات المجتمعية، التي تؤدي إلى تفعيل المشاركة في الحياة العامة، وإعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع وتصحيحها عبر إرساء الديمقراطية، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية وتعميق قيم العدالة الاجتماعية.

لأن مكافحة الإرهاب ووضع حد لتصاعده، يتطلب تكاتف جميع الجهود في مجالات مختلفة، دعت الدراسة إلى ضرورة وضع البرامج التي تنهض بالتثقيف السياسي وإرساء قيم الحوار الديمقراطي وتعميق الوعي بمفهوم المواطنة واحترام حقوق الإنسان، من خلال التوسع في نشر أدبيات الديمقراطية الاجتماعية والسياسية وإتاحة المجالات أمام مؤسسات المجتمع المدني ودعم جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية وغيرها من الجمعيات، بحيث يصبح المجتمع بكامل مكوناته طرفا مهتما وفاعلا في التصدي لظاهرة الإرهاب.

6