الجامعة العربية كيان واهن ينتظر من ينقذه

الأربعاء 2014/04/16
قمة الجامعة العربية الـ 25 في الكويت لم تخرج بجديد.. وهو ما كان متوقعا

لندن- منذ سنوات عديدة تصاعد الجدل والانتقادات لما وصف بالدور “السلبي” و”الصامت” لجامعة الدول العربية تجاه الأزمات التي يشهدها العالم العربي، الأمر الذي فتح المجال أمام الحديث عن إمكانية انهيار جامعة الدول العربية واستبدالها بتجمع عربي فرعي آخر أو اتحاد عربي جديد.

مستقبل جامعة الدول العربية ودورها في بيئة دولية متغيرة، موضوع محوري تعدّدت بخصوصه التحليلات وتنوّعت دراسات الباحثين، العرب والأجانب، في محاولة للبحث في أسئلة هذا الموضوع التي تتركّز بالخصوص حول حدود الإصلاح المطلوبة لتفعيل دور جامعة الدول العربية، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وأين تكمن مواقع الخلل وتأثير سياسات البلدان الأعضاء فيها؟

الباحث الأميركي مايكل برونينغ، كان من بين الباحثين الذين اهتمّوا بالقمّة العربية الخامسة والعشرين التي انعقدت شهر مارس الماضي في الكويت، وما خلّفته من انطباع وعكسته من إجابات عن السؤال المطروح حول مستقبل جامعة الدول العربية.

عنون برونينغ بحثه، الذي نشر في مجلة "سياسات دولية"، بـ”هل حانت ساعة جامعة الدول العربية؟”، وفيه أشار إلى أن الدورة الأخيرة لقمة جامعة الدول العربية آلت إلى المزيد من الاخفاقات والجمود واستمرت الخلافات قائمة بشأن كثير من المواضيع، على الرغم من مناشدات أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد في كلمته الافتتاحية، للدول المشاركة بضرورة “تنحية الخلافات جانبا”، في إشارة إلى تصاعد التوتر في المنطقة في السنوات الأخيرة.

مستقبل جامعة الدول العربية سيتأثر بما أسفرت عنه ثورات الربيع العربي وما اتخذته الجامعة من إجراءات في شأنها

لم تنخفض التوقعات من جامعة الدول العربية (التي لم تكن أصلا عالية) إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق قبل هذه القمة، وفق مايكل برونينغ. وقد كان الاستقطاب الإقليمي في أعقاب الربيع العربي جزءا من المشكلة. أما الجزء الآخر فهو الخلاف العميق بخصوص الإخوان المسلمين الذين أدرجتهم المملكة العربية السعودية ومصر ضمن قائمة الجماعات الإرهابية بينما تواصل قطر، الراعي الإقليمي للإخوان، تقديم الدعم لهم.

وتعد سوريا أكثر القضايا الخلافية بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، والتي انقسمت إلى جبهات عدّة كل جبهة تساند طرفا من الأطراف المتعددة للصراع الدائر في سوريا منذ ثلاثة أعوام، ولم تفلح الجامعة في تحقيق أي تقدّم يذكر في هذا الملف، مثلما بقيت منقسمة بين دول أعضاء تتوجس من إيران وأخرى تتعامل معها.

قد رصد الباحث الأميركي أن هذه القمة مثّلت بالأساس فرصة للمشاركين لتبادل الانتقادات والاتهامات المخفية بشأن زعزعة الاستقرار الإقليمي. كما لم تخف خطابات المسؤولين العرب حقيقة أن الاجتماع كان مجرد تذكير آخر بعجز الجامعة العربية عن مواكبة التحولات والتغيرات منذ ما يقرب من 70 سنة من تأسيسها.


تغير مواقف الجامعة ولكن…


قبل ثلاث سنوات، قطعت الجامعة، وبشكل غير متوقع، مع المبدأ القائم منذ فترة طويلة والذي يقضي بضرورة عدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء. وقد سجّلت تفاوتا في التدخّل إثر اندلاع الثورات العربية سنة 2011، وهو تفاوت عكس حالة التذبذب والانقسام في مواقف الجامعة والتي تعود بالأساس إلى اختلاف مواقف الدول الأعضاء من القضية.

ويذكر تقرير صدر عن مركز العربية للدراسات، في هذا السياق، أن الثورات التي شهدتها المنطقة سنة 2011 طرحت ضغوطا شديدة على جامعة الدول العربية، فلم تؤد فقط إلى سقوط قواعد العمل التي اعتادت عليها الجامعة فحسب، ولكنها فرضت عليها أيضا الدوران 180 درجة حول مبادئها وقناعاتها المستقرة. وكان أكبر دليل على ذلك، أن الجامعة التي عقدت قممها الأخيرة قبل الثورات في ليبيا عام 2010 هي التي أقرت بعد أشهر معدودة من ذلك التاريخ دعم العمل العسكري للإطاحة بالنظام الليبي.

مايكل برونينغ: على الجامعة أن تتحول من منتدى فاقد للفعالية إلى صانع للقرار وفرضه

وعلى الرغم من أن حركة الدوران السريعة هذه للجامعة العربية في دعم الثورات قد مكنتها من إعادة تأكيد وضعها في قلب المشهد العربي، إلا أنه لا يمكن القول بأن النشاط الذي شهدته المؤسسة العربية الجامعة يعزى إلى قرار ذاتي مستقل للجامعة بالأساس، وإنما إلى مجموعة القلب الجديدة في النظام العربي (وهي دول مجلس التعاون الخليجي) التي قررت القيام بمهمة إدارة النظام من داخل جهازه الرئيسي، وليس من مجلس التعاون الخليجي.

هذا الرأي أكّده أيضا مايكل برونينغ الذي قال إن مساندة الجامعة لقرار فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا وعلقت عضوية هذا البلد سنة 2011، ودعوتها الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي عن منصبه قبل أن تعلق عضوية سوريا، بعثت الروح من جديد في المنظمة الغارقة في سبات عميق.

ويستدرك برونينغ قائلا إنه وفي ظل الأحداث والصراعات المتتالية التي شدتها المنطقة في 2011، لم ترتق الجامعة العربية أبدا بحق إلى طموحات شعوبها، ومثلت نجاحاتها القليلة، على غرار الإجماع الهش على المبادرة العربية للسلام برعاية المملكة العربية السعودية لوضع حد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في 2002، الاستثناء وليس القاعدة.

في سنة 2009 قام ماركو بنفاري، الذي يعمل حاليا أستاذا مساعدا في العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، بتحليل جهود الوساطة التي قامت بها جامعة الدول في الشرق الأوسط منذ سنة 1945.

وكانت النتائج أن الجامعة توسطت في 12 من أصل 20 صراعا إقليميا محدودا في تلك الفترة، ولم تتدخل إلا في 7 من مجموع 36 حربا بين الدول الكبرى الأعضاء. وعلاوة على ذلك لم تتدخل الجامعة إلا في 5 من جملة 22 حربا أهلية كبرى شهدتها المنطقة. وبالخصوص، فشلت المنظمة في التوصل إلى موقف موحد تجاه غزو العراق للكويت سنة 1990 وحرب الخليج التي أعقبته ثم حرب العراق في 2003. وفي الآونة الأخيرة، محاولات الجامعة في حلّ الملف السوري باءت بالفشل. وباختصار، كانت القمم العادية تصنع الحدث في كل مرة لا لأنها أفرزت عملا جماعيا موحدا ولكن لأنها غيبت العمل الجماعي.

جامعة الدول العربية.. إلى أين
◄ تاريخ التأسيس: 22 مارس 1945

◄ المقر الرئيسي: القاهرة

◄ منظمة اقليمية تتمتع بصفة مراقب في الأمم المتحدة

◄ الأمين العام: نبيل العربي

◄21 عضوا (بعد تعليق عضوية سوريا)

ويعود هذا الفشل في جوانب كثيرة منها الأسس الهشة للمنظمة التي تأسست سنة 1945 بهدف تجسيد روح القومية العربية.

ومن أجل أن تضطلع الجامعة العربية بدور بناء في السياسة الإقليمية، ستكون بحاجة إلى أن تتحول من منتدى للنقاشات العقيمة إلى فضاء حقيقي لصنع القرار. وتكمن الخطوة الرئيسية لتحقيق ذلك في إدخال تغيير على ميثاق المنظمة بهدف صياغة القرارات الملزمة والقابلة للتنفيذ، كما شدد على ذلك مرارا الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، في خطابه أمام الدورة العادية الـ 25 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في الكويت. مؤكدا في نفس السياق أن الميثاق التأسيسي لم يعد “ملائما” للتعاطي مع المهام والقضايا الراهنة. وعلى الرغم من أن أمانة الجامعة تبدو متفهمة إلى التغيير إلا أنها لا تزال مقيدة.


سؤال المستقبل


رؤية الباحث المصري إبراهيم منشاوي إلى مستقبل جامعة الدول العربية لا تختلف كثيرا عمّا لاحظه الباحث الأميركي مايكل برونينغ. وقد أوضح منشاوي، في دراسة حملت عنوان “سؤال المستقبل.. جامعة الدول العربية إلى أين؟ (صدرت عن المركز العربي للبحوث والدراسات) أن الجامعة العربية تعاني قصورا حقيقيا على جميع الأصعدة، وأنه لابد من عملية الإصلاح، فأهم خطوة يمكن القيام بــها هي ضرورة تعديل الميثاق، لأنه قاصــر لعدة مبررات، أهمــها أنه لــم يعد يساير متطلبات وواقع النظام الإقليمي العربي والتــحولات الراهنة وتحديات النــظام الدولــي.

وتعديل ميثاق الجامعة، وفق قراءة إبراهيم منشاوي، سوف يغني عن المبررات التي تحتكم إليها الدول عقب كل فشل، فهو الركيزة الأساسية التي يبني عليها العمل المشترك، حيث أنه من غير المعقول بناء نظام فعّال، على نمط الاتحاد الأوروبي، والجامعة تعاني قصورا هيكليا يفتقر إلى سلطة ملزمة.

ضعف الجامعة وتأخرها في التعاطي مع التغيرات الراهنة تركا انطباعا بأنها غير مؤهلة سياسيا من حيث الآليات والأدوات

وبالتالي تتضح الخطورة هنا من إمكانية انهيار جامعة الدول العربية واستبدالها بتجمع عربي فرعي آخر، قد يكون مجلس التعاون الخليجي أو الاتحاد المغاربي أو الاستجابة للمبادرة اليمنية التي تدعو إلى اتحاد عربي موسع أو غيرها من الأفكار ذات الصلة. واعتبر منشاوي أن ضعف الجامعة وتأخرها في التعاطي مع التغيرات السياسية العربية الراهنة وعجزها في الحالة السورية أعطى انطباعا أنها غير مؤهلة سياسيا من حيث الآليات والأدوات.

تواجه الجامعة أزمات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث عجزت منذ تأسيسها عن إنشاء كيان عربي متماسك وقوي قادر على الصمود في مواجهة الأزمات التي تعصف بالعلاقات بين الدول العربية.

ليس ثمة شك في أن مستقبل جامعة الدول العربية سيتأثر بما أسفرت عنه ثورات الربيع العربي من أثار إيجابية وسلبية على السواء. وأن ما اتخذته الجامعة من إجراءات وما لم تتخذه منها في شأن هذه الثورات سينعكس على مستقبلها بشكل أساسي، خاصة وأن المنطقة مقبلة على أزمات كبرى من المتوقع نشوبها في المستقبل القريب مع السقوط المحتمل للنظام السوري على غرار إغواء أكراد سوريا للانضمام إلى أكراد العراق لإنشاء دولة جديدة لهم، غير عربية أيضا، وملف التدخلات التركية والإيرانية في المنطقة.

وهذا كله لا ينفي إمكانية إصلاح الجامعة والعمل على التغلب على ما يعترض عملها من معوقات، بل إنه يفرض ذلك، حتى “لا يأتي اليوم الذي قد نجد فيه جميع المقاعد (22) في اجتماعات القمة العربية شاغرة” وفق ما خلص إليه الباحث الأميركي مايكل برونينغ فــي تقريــره عن مــستقبل جامعة الــدول العربية.

7