الجامعة والثقافة

الأحد 2017/10/22

توجد في العالم العربي نحو 350 جامعة، يحتضن أغلبها كليات للآداب والفنون وأقساماً لهذه التخصصات في كليات التربية ومعاهد إعداد المعلمين. لكن دور أغلب هذه الجامعات في الفعل الثقافي هامشي وخجول وضمني، فهي منغلقة على العملية الأكاديمية الداخلية إلى حد كبير، مركزة بشكل رئيسي على التعليم، رغم أنه واحد من المهام الخمس الرئيسة للجامعة.

ثمة سؤال كثيراً ما يتردد مفاده: لماذا لا تستضيف الكليات المعنية بالآداب والفنون أدباء وفنانين متميزين، غير أكاديميين، للاستفادة من تجاربهم وخبراتهم، في محاضرات يقدّمونها للطلبة ضمن الفصول الدراسية أو من خلال ورشات تدريبية يقيمونها لهم؟

شخصياً أعتقد بأن ذلك يُعزى إلى خلل في النظام الذي تتبعه تلك الجامعات وافتقارها إلى استراتيجيات ورؤى ثقافية تحتضن المبدعين وأصحاب الخبرات في المجالات الأدبية والفنية من غير الأكاديميين، في حين أن معظم جامعات العالم ذات المكانة المرموقة، مثل هارفرد وكامبريدج وأوكسفورد وكولومبيا والسوربون وغيرها، تستضيف أدباء وفنانين ذوي مكانة إبداعية عالمية من مختلف البلدان لإلقاء محاضرات وتنظيم ورشات، كونهم ممارسين وعارفين بأسرار العملية الإبداعية أكثر من الأساتذة الأكاديميين.

إلى جانب هذا الخلل لا نعدم وجود استعلاء وجهل وقصور في رؤية بعض الجامعات للفعل الثقافي وتعاطيها معه، فهي لا تكتفي بموقف التجاهل أو اللامبالاة من الثقافة (خاصةً الفن والأدب)، بل تقف موقفاً مضاداً منها معتبرة إياها ضرباً من إضاعة الوقت وتبديداً للمال والجهد، وكأن الجامعة مجرد مصنع “لإنتاج طلبة يحملون شهادات”.

ليس هذا فقط، بل ثمة نظرة دونية تحملها بعض جامعاتنا تجاه الحراك الثقافي الذي يقع خارج أسوارها، رغم أن الكثير من الأدباء والفنانين، قصاصين وروائيين وشعراء ومسرحيين وتشكيليين، هم أساتذة في تلك الجامعات، ولهم حضور كبير في الحياة الثقافية العربية.

كان الأساتذة الجامعيون في الغرب ولا يزالون يشكّلون النسبة الأكبر من النقاد ومنظري الأدب واللغة وعلماء السرد وأقطاب المناهج النقدية والتيارات الفكرية الحديثة، مثل ياكوبسون وباختين ولوتمان ورولان بارت وجاك دريدا وتودوروف وجوليا كرستيفا وجيرار جينيت وإدوارد سعيد وإيهاب حسن وشولتز وبول ريكور وغياتري سبيفاك وهومي بابا وأصحاب مدرسة جنيف ومدرسة موسكو ومدرسة براغ، ومدرسة كوبنهاغن.. إلخ. وهو أمر إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الجامعة صرح ثقافي وفضاء لإنتاج أدوات التغيير، وأحد أدوارها التاريخية الأساسية يتمثل في التنوير الذي يهدف إلى إحداث نهضة ثقافية في المجتمع.

في العالم العربي تكمن المشكلة، كما أشرت، في النظام الذي تقوم عليه الجامعات، لذلك بات لزاما عليها أن تغيّر من نهجها وتشريعاتها وأن تضع استراتيجيات ورؤى ثقافية للتواصل مع الحراك الثقافي والإسهام فيه من خلال استضافة مبدعين وإقامة نشاطات ومؤتمرات وندوات أدبية محلية وعربية ودولية، وحثّ أساتذتها على المشاركة في هذا الحراك، خاصةً أنها تمتلك مؤهلات كثيرة لنجاح تلك النشاطات مثل الجمهور المؤلف من الأساتذة والطلبة والقاعات.

إن نجاح الكثير من الجامعات العالمية لا يعزى فقط إلى أساليبها العلمية المتطورة في التعليم وإلى كفاءة أساتذتها بل أيضا إلى احتفائها بالإنتاج الثقافي ورعايته، من خلال دورياتها ومؤتمراتها وحلقاتها النقاشية ومهرجاناتها وجوائزها وإصدار الكتب الفكرية والأدبية والفنية التي تسهم إلى حد كبير في تنمية الثقافة وازدهارها.

كاتب من العراق

11