الجامعة وتكوين النقاد

الجمعة 2018/01/19

في هذه الأيام هناك من يطرح مشكلة غياب النقد بشكل عام والنقد الأدبي بشكل خاص في حياتنا الثقافية ويدعو في نفس الوقت إلى ضرورة إعادة الاعتبار لهذا المعلم المهم جدا من أجل النهوض بفكرنا وآدابنا.

في هذا السياق ينبغي أيضا التساؤل عن مصدر هذه المشكلة، التي تتفاقم باستمرار وخاصة بعد رحيل النقّاد الكبار عن دنيانا، وسكوت من بقي منهم على قيد الحياة والاكتفاء غالبا بالكتابة في مجال النقد النظري والزهد عن ممارسة نقد الأعمال الفكرية والأدبية التي تنشر هنا وهناك في بلداننا.

في الواقع فإنّ أهمية النقد قد طرحت مرارا وتكرارا وما يزال هناك من يعتقد أنّ النقد هو أساس التقدم، ويشكل انعدامه أو فقره جدارا سميكا يحول بيننا وبين بناء النهضة الاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا. ففي تقديري إنّ قضية شحوب الممارسة النقدية عندنا تعود أصلا إلى انعدام تكوين أجيال النقّاد من طرف أساتذة جامعاتنا.

لست أدري لماذا لم يتساءل الناس عن الأسباب التي أدت ولا تزال تؤدي إلى عدم تخرّج نقّاد بارزين في مجالات النقد الروائي والمسرحي والشعري والثقافي العام من جامعاتنا.

ففي الجزائر، مثلا، نجد هذه الظاهرة متفاقمة ومثيرة للقلق فعلا حيث لم يتخرّج من الجامعات الجزائرية ناقد واحد مهم ومؤثر وله إسهام جاد في تشكيل الحياة الفكرية والأدبية الوطنية على مدى أكثر من ثلاثين سنة كاملة.

لنأخذ جامعة تيزي وزو كنموذج لهذه الظاهرة علما أنّ هذا النموذج يتكرر في كل الجامعات الجزائرية الأخرى. على مدى أكثر من أربعين سنة مضت على نشأة جامعة تيزي وزو لم يتخرّج منها حتى يومنا هذا ناقد بارز في مستوى نقاد لهم مكانة معتبرة في حياتنا الأدبية أمثال خلدون الشمعة أو محمود أمين العالم أو غالي شكري أو محمد مندور أو عبدالسلام المسدي أو جابر عصفور وهلمّ جرا.

وفي الحقيقة فإن السبب في تفاقم وتكريس هذه الكارثة يعود مباشرة إلى عدة عوامل منها ضحالة الإطارات المكوّنة وأعني الأساتذة الذين تسند إليهم مهمة التدريس، وكذلك ضعف منظومة التعليم التكميلي والتعليم الثانوي التي فشلت في إعداد الطلاب إعدادا فكريا وثقافيا متميزا وعصريا لمرحلة التعليم الجامعي.

إلى جانب هذين العاملين فإنه ينبغي ذكر عامل آخر لا يقلّ أهمية ويتمثل في فقدان جامعة تيزي وزو والجامعات الجزائرية الأخرى إلى البيئة الفكرية والثقافية والعلمية الناضجة والحاضنة التي تلقَح الطلاب بالفكر النقدي المتقدّم والمتطوّر.

وبالعكس فإن هذه الجامعة المذكورة آنفا وغيرها قد أصبحت معاقل لتصفية الحسابات السياسية وفضاء للإضرابات الدائمة عن متابعة الدروس، الأمر الذي حوّل الأستاذ إلى مجرّد شبح فاقد للوقار الفكري والعلمي.

كاتب جزائري

15