الجامع الأموي بحلب شامخ رغم أهوال الحرب

لا يستطيع أعداء الإنسانية أن يقوموا بمحو حضارات بناها الإنسان عبر قرون طويلة، بل يدوّن التاريخ كل الجهود البشرية الإيجابية بكل فخر، ويدين كل أفعال همجية حاولت أن تقف حجرة عثرة أمام تطور العقل والحياة.
الثلاثاء 2015/08/18
الحرب والكراهية عنوان للمراحل السيئة من تاريخ الإنسانية

بيروت- سيطرت المعارضة السورية المسلحة على المسجد في أوائل عام 2013، واعتبارا من أبريل 2013 أصبح الجامع الأموي ساحة للقتال العنيف بين الأطراف المتنازعة في سوريا.

وفي 24 أبريل 2013 هدمت مئذنة المسجد وتحوّلت إلى ركام، خلال تبادل لإطلاق النار بالأسلحة الثقيلة بين القوات الحكومية والمعارضة المسلحة، وتبادل طرفا الأزمة الاتهامات حول هدم المئذنة، فالنظام السوري اتهم جبهة النصرة بتفجير المئذنة لتأليب الإسلاميين على النظام السوري بأنه يحارب الإسلام، بينما قالت المعارضة إن المئذنة دمرت بنيران دبابة تابعة للجيش السوري، وخرجت دوائر حماية التراث العالمي تدين هدم مئذنة المسجد ووصفت العمل بأنه عار لن يمحى وجريمة ضد الحضارة الإنسانية.

ويعد الجامع الأموي أكبر وأقدم المساجد في مدينة حلب السورية، وهو أحد مواقع التراث العالمي، بني في بداية القرن الثامن الهجري، في موقع معبد روماني سابق، وكاتدرائية بيزنطية بنيت من قبل سانت هيلين، والدة قسطنطين الكبير، وتمّ تشييد مئذنة المسجد ذات الطراز المعماري الفريد عام 1090، وتمّ تدميرها وجزء كبير من المسجد في أبريل 2013 بسبب الحرب الأهلية السورية.

وتمّ بناء مسجد حلب الكبير خلال حقبة الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك عام 715، بعد أن طلب المسلمون شراء حديقة كنيسة مهجورة وكذلك قطعة أرض من مقبرة قديمة لبناء الجامع الكبير، واستمر العمل في المسجد لمدة عامين وانتهى تشييده في عهد الخليفة سليمان بن عبدالملك في عام 717. وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي تمّ بناء نافورة على شكل قبة في باحة المسجد.

وفي الركن الشمالي الغربي من المسجد تمّ تشييد مئذنة عالية يصل طولها إلى 45 مترا، كما تمّ ترميم المسجد وتوسيعه من قبل السلطان نورالدين زنكي في 1159، لكن مع دخول المغول إلى حلب في عام 1260 قاموا بإحراق وتدمير المسجد.

وخلال مراحل التاريخ خضع مسجد حلب لتعديلات وتغييرات متعاقبة، بسبب الحروب أو الزلازل الطبيعية، وكانت الكارثة الأولى عند وصول العباسيين، الذين أعمتهم عداوتهم للأمويين، حيث سعوا إلى الانتقام منهم من خلال هدم تراثهم، وخربوا المسجد وأخذوا المنحوتات والفسيفساء والأعمال الفنية الأخرى ونقلوها إلى مساجد العراق، وأيضا عندما احتل الإمبراطور نيسفوروس البيزنطي حلب في 962، قام بموجة من الدمار على المدينة وحرق المسجد.

تمّ بناء مسجد حلب الكبير خلال حقبة الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك عام 715، بعد أن طلب المسلمون شراء حديقة كنيسة مهجورة وكذلك قطعة أرض من مقبرة قديمة لبناء الجامع الكبير

وعندما وضعت نهاية الاحتلال البيزنطي تحت قيادة الأمير سيف الدولة الحمداني، استعادت حلب ازدهارها لتصبح العاصمة السياسية للبلاد، ومركزا ثقافيا هاما لاثنين من الشعراء، هما: أبوالطيب المتنبي وأبوفراس الحمداني.

وخلال حقبة المماليك (1260–1516) تمّ إدخال إصلاحات وتعديلات على المسجد، وتمّت إعادة تشييده وتزيينه بالنقوش والزخارف الإسلامية والحلي المنمق والمقرنصات، كما تمّ بناء محراب يشير إلى اتجاه قبلة مكة المكرمة. وفي عام 1285 أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتشييد المنبر الجديد أو ما يطلق عليه منبر الواعظ.

كما تمّ بناء فناء واسع من الرخام حول المسجد الكبير يربط بين العديد من المناطق المتمركزة خلف رواق المسجد، ويمتاز الفناء باللون الأبيض، وبه ترتيبات هندسية معقدة. ويحتوي المسجد على “الحرم”، ويتكوّن من قاعة الصلاة الرئيسية، ومرقد النبي زكريا (عليه السلام)، ومنبر يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي. ويحتوي المدخل المركزي على نقش ينسب إلى السلطان العثماني مراد الثالث، فضلا عن قاعة بها 18 من الأعمدة المربعة.

وهناك أيضا ثلاث قاعات “الشرقية والشمالية والغربية”، وتعود القاعة الشرقية لفترة مالك شاه الذي حكم في الفترة من (1072–1092)، كما تمّ تجديد القاعة الشمالية خلال عهد السلطان المملوكي برقوق الذي حكم في الفترة من (1382–1399)، في حين تمّ إنشاء القاعة الغربية خلال العصر الحديث.

وكان المسجد الأموي يمتاز بحلب بمئذنة فريدة من نوعها من العمارة الإسلامية، ووصف عالم الآثار إرنست هرتسفلد النمط المعماري للمئذنة بأنه نتاج حضارة البحر المتوسط. وفي 13 أكتوبر 2012 تضرّر المسجد بشكل كبير بسبب الحرب الدائرة في سوريا، بين المجموعات المسلحة التابعة للجيش السوري الحر وقوات الجيش السوري.

20