الجانب الآخر من أنطوان تشيخوف

الأحد 2014/12/28
في رسائل تشيخوف العائلية نكتشف عمق تفكيره ونعثر على لحظات نادرة من حياته

في عام 1890، قام أنطوان تشيخوف برحلة شاقة إلى الشرق الأقصى قادمًا من روسيا وكاتورجا، أو “مُستعمرة العقوبات”، في جزيرة سخالين في شمال اليابان، حيث قضى فيها ثلاثة أشهر وقام بإجراء مقابلات مع آلاف من المعتقلين والمحكوم عليهم.

وهو ما سجّله في «يوميات سخالين» والذي يعدُّ من أفضل ما كُتب في اليوميات، رغم أن غرضَ الكتابة جاءت بدافع المال حيث كان قد تعاقد على هذه الرحلة مع صحيفة (نوفوي فريميا) التي أَخَذَ المال منها مُقدّمًا لكتابة يومياته وتحقيقاته عن السُّجناء. لكن يبدو أن هذه الرِّحْلة المهمّة التي قام بها الروائي عبر العربة التي تجرها الخيول (الشيز) أو عبر السفينة وما لاقاه في هذه الرحلة من آلام، وفقدان للمال وتغيير للعادات، تجاوزت هدفها الأساسي في كتابة التحقيقات مع السجناء، بما أفرزته من سخاءِ المادّة التي حَصَلَ عليها وانعكس على نتاجه الأدبيّ، فقد كانت أجواء الرِّحْلَة مادّة لقصته «القاتل» المستوحاة من حياة المعتقلين في هذه الجزيرة، وأيضًا فرصة لكتابة هذه الرسائل إلى عائلته وهو الكتاب الذي صَدَر حديثًا عن وزارة الثقافة والفنون والتراث في دولة قطر بترجمة ياسر شعبان.


الحلقة الناقصة


ترجع أهمية الرَّسائل لا لكونها تُقدِّم الحلقة الناقصة في رحلة الكاتب إلى جزيرة سيبيريا ثم بعد عودته منها فقط، وإنما لأنها تُلْقِي الضوء على جوانب خَفيّة مِن شخصية المبدع الروسي الذي وَصَلَ بإبداعه للقمّة رغم عمره القصير، (توفي عن عمر قصير 44 عامًا بعد إصابته بالسُّل)، حتى غدا بأسلوبه نموذجًا للعديد من الكتَّاب، فعرفنا تشيخوف العرب يوسف إدريس، وأيضًا تشيخوف كندا كما أُطلق على القاصّة إليس مونرو الحاصلة على جائزة نوبل في القصة القصيرة عام 2013.

الرسائل تكشف لنا عن تشيخوف الإنسان، وهو الاسم الذي وقّع به بعض الرسائل، أو في تساؤلاته في رسائله عن الخادمتين في بيته (ماريوشكا وأولوجا) وتوجيه الأم بالاعتناء بهما، وتشيخوف العاشق للطبيعة وللنباتات والمناظر الخلَّابة، وأيضًا تشيخوف الطبيب وهي المهنة التي حَرَصَ على القيام بها لمساعدة الفقراء والمحتاجين في الريف. وأخيرًا تشيخوف العاشق لأولجا كينبر ممثّلة المسرح التي قامت بأداء بطولات مسرحياته، وإن كان خصّها برسائل خاصة في كتاب آخر، سعى من خلاله لوصل المسافة الطويلة التي تفصل بينهما بسبب مرضه وحاجته لمكان هادئ وجو حارّ مثل جو مالطا في الجنوب. أما هي فإن ظروف عملها المسرحي كانت تفرض عليها أن تكون في موسكو. فكان البديل لهما اللقاء عبر الرسائل التي طَرَحَ فيها كُلّ منهما مشاكله الحياتيّة والإبداعيّة في رسائل شديدة العاطفة والشاعرية والدفء والحميمية.

في الرسائل قدر كبير من المشاهدات عن الأماكن والطبيعة التي يحبها، ووصف للعادات والتقاليد وللتنوع السكاني في هذه البلاد التي يمر بها

الرَّسائل في حدِّ ذاتها تقدِّم نَمطًا مُختلفًا عن كتابة القصة والمسرح اللذين بَرَعَ فيهما، فهي تقدُّم لنا الكاتب المولع بالتفاصيل والمـُدقِّق في المناظر، كما تقدّم الوجه الآخر للكاتب المفكِّر وصاحب الرؤية في الحياة والفن والجمال، فنرى له آراء في الجمال حيث يرى أن «الشعور بالجمال الكامن داخل الإنسان لا يعرف حدودًا أو قيودًا»، وأيضًا آراء في المثقف وما يجب أن يكون عليه المثقف (كما ذكر في رسالته من موسكو 1886، لأخيه نيكولاي) «من احترام الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا هم ودودون ودمثون مُهذّبون ومستعدون للعطاء ومتعاطفون، ويحترمون ممتلكات الآخرين كما أنهم مُخلِصُون ويخشون الكذب كما تخشى النار». وغيرها من الآراء التي عرضها أثناء رسائله مع الآخرين. كما تكشف الرسائل عن هوايته في عنايته بالأرض وتعبيد الطرق وزراعة الأشجار وقطع الذابلة منها ومطاردة الدجاج والكلاب وحبه للعب الروليت.


الرسائل المتخيلة


تتوّزع رسائل الكتاب إلى سبعة أقسام؛ هي أمّه، وأخته التي كانت وصيّة على أعماله، وإخوته: ميشا ونيكولا وإيفان وألكسندر وألكسين ومليهوفو ومهائيل، وابن عمه وعمه، وزوجته أوليجا كينبر وهو الجزء الأكبر من الرسائل حيث تبلغ عدد الرسائل إليها حوالي 10 رسائل، في كثير منها ينعتها بالممثّلة وأخرى بممثّلتي العزيزة أو عزيزتي الممثلة وممثلتي الغالية، وبعد أن قضيا معًا حوالي خمس سنوات حتى وفاته. وأخيرًا يأتي الجزء السابع من الرسائل من أولجا إلى تشيخوف ولكن بعد وفاته، وهو أشبه برسائل متخيّلة من الزوجة إليه. وتبدو رسائل الزوجة التي جاءت بعد فترة من الفشل في الكتابة إليه، كنوع من الشعور بالفقد والاشتياق إليه، فبثت فيها الكلمات العاطفية والأحاسيس الفياضة تجاهه.


لوحة طبيعية


في الرسائل قَدْرٌ كبيرٌ من المشاهدات عن الأماكن والطبيعة التي يحبها، ووصف للعادات والتقاليد وللتنوّع السُّكاني في هذه البلاد التي يمرُّ بها، فيكتب عن اليهود والبولنديين الفارين من الإقصاء في بولندا عام 1864، وكذلك التتار، وتشمل أيضًا مشاهداته في سهول سيبيريا، فالمسافرون يحملون القدور على ظهورهم، وحالة الأمان التي تجعل من السائقين يجيبون بابتسامة تنفي وجود السرقة أو القتل على الطريق، ومن الممكن كما يقول إذا فقد نقوده في المحطة أو في عربة الشيز سيردها السائق إليه ولن يتفاخر بقيامه بهذا.

الرَّسائل في حدِّ ذاتها تقدِّم نَمطًا مُختلفًا عن كتابة القصة والمسرح

كما يعمد إلى المقارنة بين المدن التي يعبرها أثناء رحلته، فيقارن بين طبيعة كراسنويارشكا فاتنة المناظر والمتحضرة، وتومسك التي تبدو من وجهة نظره «مثل خنزير على رأسه قلنسوة ضيقة، وفي قمة التأنُّق» حيث الشوارع في الأولى نظيفة وممهدة والبيوت مشيَّدة من الحَجر وَمُتسعَة والكنائس جيدة التشييد والزخرف”، وتصبح مدينة إركوتشك بعد زيارتها «مدينة أوروبية الطابع بحق». كما يقارن بين سُكّان هذه البلاد وبين سُكَّان روسيا فيرى مثلاً أن نساء تومسك الفلاحات يتمتعن بالرقة ورهافة المشاعر والكدح وأمهات مخلصات وأنهن أكثر تحرُّرًا من نظرائهن في روسيا الأوروبية. ويسهب في وصف هؤلاء الفلاحات وتربيتهن لأبنائهن وعاداتهن في تناول الطعام وشرب الشاي، كما يتحدّث عن الأمراض وخلوّ هذه البلاد من بعض الأمراض التي كانت شائعة مثل الجدري القاتل أو الديفتريا (داء الخناق)، وعاداتهم في التطبيب حيث الاعتماد على معالجين قرويين، يعتمدون على التشريط وكؤوس الهواء.

تتوسّع دائرة مقارناته لتشمل الأسعار، فتشعر وكأنه يكتب تقريرًا عن الأحوال الاقتصادية والمعيشية لهذه البلاد، ومن كثرة متابعته يقرّر أنه كُلمّا «اتّجه المرء إلى الشرق تصبح الأشياء أغلى». وأيضًا الفنون فيتوقف عندها كما في مدينة إركوتشك التي يصفها بأنها مدينة جميلة وهادئة ومتحضرة، فيها مسرحٌ ومتحفٌ وحديقة عامة حيث تقوم فرقة موسيقية بالعزف وفيها فندق ملائم لا وجود لأسوار بشعة المنظر أو لافتات سخيفة على المحال، ولا أماكن لاستنزاف أموال الناس بالإعلانات المثيرة.


فشل مسرحية


ويكتب عن دوافع الكتابة والتي لا تأتي استجابةً لرغبة داخلية بقدر احتياجه للمال، فانطباعاته التي يسجِّلها في الرِّحْلة ويرسلها إلى صحيفة (نوفوي فريميا) أو كما يقول «لا أكتبُ من أجل المجد، لكن من وجهة نظر تجارية ومقابل النقود التي أحصل عليها مُقدمًا». ويكشف في الرّسائل عن كيفية تدبره لأمواله من خلال الكتابة لبعض الصحف، أو إعادة طباعة مؤلفاته، أو بالاقتراض على أن يسدِّدَ قيمة القرض على خمس سنوات، وأيضًا في الرسائل خططه الحياتية كالعيش مُنفردًا في الريف لا يفعل شيئا غير التأمُّل وأن يشتري قطعة أرض ويعيش مثل ناسك في معتزل مثالي في يالطا. لا يقفُ فقط عند حدود رحلته إلى سخالين ولكنه يكتب عن المدن التي مرّ بها كالمدن الروسية والفرنسية والإيطالية، وأيضًا عن حالات الاكتئاب التي اعترته بعد فشل إحدى مسرحياته، حتى أنه يكتب رسالة قصيرة من بطرسبرج بتاريخ 18 أكتوبر 1896: «بأن المسرحية فشلت فشلاً ذريعًا، وسيطر شعور هائل ومؤثِّر بالعَار والارتباك في المسرح والمغزى الأخلاقي لها أنه يجب ألا أكتب مسرحيات بعد الآن».

العجيب مع إقراره بأنه يكتب من أجل المال إلا أنه يعترف لأخته في رسالة أخرى متسائلاً «من أجل من أكتب؟ مِن أَجل الجمهور؟ ولكنني لم أرَ الجمهور قط. من أجل المال؟ هل المال مطلبي؟ ولكنني لم أر المال الكثير قط، ومن ثمّ فأنا إلى حدِّ ما لا أبالي به».


سر الفتنة


وهذا التذمر مبعثه المعاناة المادية التي كان يعانيها في هذه الرحلة، كصعوبة الطقس وانتشار الجليد، أو اختفاء الطعام والشاي، أو حتى الحوادث العرضية التي كان يتعرّض لها كدفع ضعف نفقات كُلْفَة السفر بسبب عوارض الطقس، وهو ما ترتب عليه حرمانه من الطعام، واكتفاؤه بالنوم في الغرفة أو الجلوس بداخلها إلا أن هذا لم يمنعه من الكتابة عن الطعام والشراب، وخاصة السّمك الذي يحبُّه جدًّا. أو معاناته من حذاء البوت الضيق، واصطدام عربة الشيز، أو تأخر الباخرة كما حَدَثَ مع الباخرة كوزما بسبب فيضان نهر الإرتيش.

ترجع أهمية الرسائل لا لكونها تقدم الحلقة الناقصة في رحلة الكاتب إلى جزيرة سيبيريا ثم بعد عودته منها فقط، وإنما لأنها تلقي الضوء على جوانب خفية من شخصية المبدع الروسي

مع التنشئة الصارمة التي رُبِّي عليها أديب روسيا الكبير أنطوان تشيخوف وصاحب التأثير العظيم في مجال القصة، إلا أن هذا الأديب الكبير كان يتميَّز بالرقة والحدِبِ على الجميع حتى عندما انتقل إلى منزل جديد في الريف كان يخدم سكان القرية ويقوم بعلاجهم بنفسه، ويوم أن مرض المرض الأخير في منتجع بادن فيلر، وأراد الطبيب أنبوبة أُكسجين، اضطر الطبيب إلى إيقاظ طفل ليحضر الأنبوبة فيرفض قائلاً بألمانية مكسورة (إيخ شتيربي ـ إنني أموت!).. “لا توقظوه”.

«تُرى ما الذي أرغم ذلك الشّخص بادي الالتزام المدعو تشيخوف ـ القروي الفقير نسبيًّا الناشئ بعيدًا عن موسكو أو بطرسبرج ـ على كتابة قصصه القصيرة المتنوِّعة وإبداع أعماله المسرحية القَادرة على الاستفزاز والتغيير؟» طَرَحَ تشيخوف ـ من قبل ـ هذا التساؤل على نفسه في رسالة بعثها إلى سوفورين في ديسمبر سنة 1888. بعد قراءة هذه الرسائل يمكننا أن نجيب على هذا التساؤل بما قاله جريجوري روزوليمو بأن «السّر البديع الذي أخذه تشيخوف معه إلى المقبرة هو سر المقدرة على أن تفتن الناس من أول لقاء لك معهم». وهو متحقّق في هذه الرَّسائل بصيغ مختلِفة، وقدرته على التكيف مع من ذهبوا معه في رحلته، والتكيف مع أجواء الرحلة الصعبة التي جعلته يتعوّد على أشياء لم يفعلها من قبل.

يمكننا أن تستنتج في نهاية الرسائل أن تشيخوف كان رجلا عميق الحكمة يقبل المخاطرات الضرورية ليتعلم ما معنى أن يكون إنسانًا بحق. يتحدث عن العادات الجديدة التي اكتسبها من الرحلة كالنوم في الضجيج أو في عربة الشيز.

12