الجاني والضحية معا في الصورة

الأحد 2014/06/01
أحمد سعداوي: النجاح والانتشار والنجومية تزيد من نسبة القلق لدى الكتاب

"فرانكشتاين في بغداد"، الرواية الفائزة مؤخرا بجائزة البوكر العربية، هي الثالثة للعراقي أحمد سعداوي بعد “البلد الجميل” الحائزة على الجائزة الأولى في مسابقة الرواية العربية في دبي 2005، و”إنه يحلم أو يلعب أو يموت” التي فازت بجائزة هاي فاستفال البريطانية عام 2010. وعن جائزة بوكر للرواية العربية لهذا العام يقول سعداوي: “هذه الجائزة قدمتني للعالم وكسرت الحاجز بين المحلي والعالمي”، مشيراً إلى أنه ستتم ترجمة الرواية إلى 22 لغة عالمية”. في هذا الحوار سنقترب أكثر من تفاصيل عالم سعداوي الروائي.

اعتبر قراء “فرانكشتاين في بغداد” أن ما حملته هذه الرواية من فنتازيا خصوصا في شخصيتها المحورية ممثلة بالكائن الخيالي المتشكل من أشلاء جثث المفخخات هو الذي أعطى لها بعداً مغايراً عن المضامين التقليدية التي تتطرق لها بعض الأعمال الأدبية، الأمر الذي أسهم في انتشار الرواية وتداولها بشكل كبير.


طوفان الفوضى


فاتحة حوارنا مع سعداوي كانت حول سؤال الحياة والموت والكتابة، وقد أجاب بالقول: “لا أعرف. نكتب ربما لمجابهة الموت، تغليفه، الادعاء بأنه بعيد وسيأتي في الفاصلة الأخيرة".

الرواية العربية الحديثة تتسم بالجرأة في طرح الأفكار الواقعية، غير أن بعضا من كتابها يتوسّلون في ذلك سبيل الخرافة على غرار بطل رواية سعداوي، وهو أمر قال عنه هذا الكاتب: “الكائنات الخرافية تملأ تراثنا الأدبي والثقافي، بالإضافة إلى أنها تعيش بيننا. وهنا نحن بالاعتراف بوجودها لا نفعل شيئاً سوى أن نكون واقعيين أكثر، ويكون الأدب الذي يتطرق إلى هذه المنطقة المظلمة من حياتنا، أدباً أكثر واقعية.

في نهاية المطاف، التحدي الدائم، هو كيف تكون أكثر واقعية في تصويرك للقصص التي ترويها، وأعتقد أن الواقعية اليوم تختلف عن الواقعية أو صورتها في حقب سابقة كما عكسها أدباء آخرون من أجيال سابقة.

استغرقت في كتابة الرواية أربع سنوات، وخلال ذلك لم يكن هناك "ربيع عربي" بالمعنى المتعارف عليه

هناك أسئلة جديدة يطرحها هذا الطوفان من الأحداث التي نغرق فيها، وهذه الصور التي يكشفها المجتمع عن نفسه، في ظل الحريات الجديدة المختلطة بالفوضى، عقب سقوط الديكتاتوريات في العالم العربي. لدينا واقع جديد، في جانب منه يبدو خيالياً وغير قابل للتصديق أو الفهم، الأمر الذي يستوجب أدوات جديدة في الأدب لمعالجته ومحاولة تصويره".

حصدت روايتا “البلد الجميل” و”إنه يحلم أو يلعب أو يموت”، جائزتين كبيرتين ولكنهما لم يتمّ الاحتفاء بهما كما حدث مع رواية “فرانكشتاين في بغداد”، وفي تفسير لذلك يجيب سعداوي بالقول: “نالت الروايتان حضوراً طيباً، وفوزهما بالجوائز ساهم في توسيع المعرفة بي وبمشغلي الأدبي، ولكنه بالتأكيد لا يقارن بالتأثير الإعلامي الذي تحمله جائزة البوكر العربية. في كل الأحوال زيادة الانتشار والتعريف بالروايات يعطي فرصة للأديب، أياً كان، لاختبار عمله الحقيقي، لدى قطاع القراء العام. فهو الحكم الذي يمكن أن يثبت ويصادق على الاعتراف الذي حصل عليه الأديب من خلال الجوائز، أو يجعله يتراجع ويتوارى ما إن ينتهي صخب الجوائز"

صورة مجازية

إن من يقرأ عنوان رواية “فرانكشتاين في بغداد” يتبادر إلى ذهنه أنها رواية بغدادية، وبعد القراءة يكتشف أنها تروي حكاية مدن عربية تعيش أحداثا مشابهة لبغداد. فهل أعمالنا الإبداعية تحمل رؤانا كصناع لها أم هي صناعة رؤية المجتمع؟ عن هذا السؤال يقول سعداوي: “باشرت في كتابة “فرانكشتاين في بغداد” في منتصف عام 2008، واستغرقت الكتابة فيها حوالي أربع سنوات، وخلال ذلك لم يكن هناك “ربيع عربي” بالمعنى المتعارف عليه، ولكن الرواية كانت مشغولة بالواقع العراقي عقب الاحتلال وسقوط النظام الديكتاتوري في العراق. ومن المفارقات أن نتائج الربيع العربي حملت صوراً مشابهة لما عايشه العراق عقب 2003. حيث الحرية المختلطة مع الفوضى، وخروج القوى الاجتماعية من عقالها والصدام بين المكونات والجماعات السكانية، واختلاط مشاريع التحديث مع المشاريع ذات البعد الأصولي والديني، واكتشاف المجتمع لذاته ومحاولة التعرف عليها وإعادة تعريفها وغيرها من قضايا تبدو الآن وكأنها واحدة على طول العالم العربي وعرضه، ليتشابه العراق مع مصر وسوريا وليبيا وتونس وغيرها من البلدان العربية في طرح ذات الإشكاليات والأسئلة.
رواية "فرانكشتاين في بغداد" فازت بجائزة البوكر العربية

هذا كله جعل العديد من قراء الرواية يعكسون ما يجري فيها على بلدانهم وشعوبهم، ويرون فيها مقاربة لوضع يعيشونه أو يفهمونه. ومن الجيد أن الرواية ساهمت في تقريب صورة ما كان يجري في العراق وفي الوقت نفسه لمس عصب عميق في معاناة الإنسان العربي اليوم. وهناك اليوم من المتابعين من خارج العالم العربي من يرى في “فرانكشتاين في بغداد” صورة مجازية مناسبة عن اللحظة العربية الراهنة، كما في تقرير نشر في مجلة النيويورك. ما هو أهم برأيي أن تساهم هذه الكتابات التي نقدمها كروائيين اليوم في تعزيز الوعي وإثارة الانتباه إلى القضايا الأساسية التي نعيشها جميعاً كمواطنين".

ستترجم رواية “فرانكشتاين في بغداد” إلى عدة لغات أجنبية. وهو أمر سيسهّل وصولها إلى القارئ الغربي، ويبقى السؤال هل سيكون لها الصدى والترحيب نفسيهما اللذين قوبلت بهما عربيا، يقول سعداوي: “لا يمكن التكهن أو التخمين بذلك. بالتأكيد أي روائي يكتب للقراء في كل مكان، بغض النظر عن اللغات والثقافات، ولكن لكل ثقافة قياساتها ومزاجها وحاجاتها من القراءة، والنجاح في لغات مختلفة هو حدث كبير بكل تأكيد، يضع الكاتب بشكل مباشر أمام أفق العالمية. ولكن لا أحد يستطيع التخمين كما قلت، وبالنسبة إليّ سأنتظر أن تظهر روايتي باللغات الأخرى كي أرى التأثير وردة الفعل التي ستحققها لدى القراء".


نحن الجناة


أحداث رواية “فرانكشتاين في بغداد” تؤرّخ لأحداث العام 2006، وعن سبب اختيار هذه الفترة الزمنية بالتحديد، يقول الكاتب: “تجري أحداث الرواية خلال عام واحد تقريباً؛ من ربيع 2005 وحتى شهر فبراير 2006. وهذا العام كان حاسماً بشكل كبير في تهيئة ساحة الصراع الأهلي، الذي اندلع بشكل رسمي ومعلن وواسع النطاق في شباط 2006 ليستمر على مدى عامين محرقاً الأخضر واليابس في البلد.

في ظل الحريات الجديدة المختلطة بالفوضى في العالم العربي لدينا واقع جديد يبدو في جانب منه خياليا

في عام 2005 كانت الميليشيات والجماعات المسلحة من كل الطوائف والجماعات قد وصلت إلى ذروة قوتها وسطوتها على الشارع، ولم تكن تنتظر سوى قدح الشرارة للدخول في حرب أهلية شاملة. وهذا ما حصل في تفجير مرقد سامراء الديني في شهر فبراير 2006.

ما أرادت أن تركز عليه الرواية هو كيف أن المجتمع بلجوئه إلى السلبية والاتكال على الأبطال الشعبيين، وسيادة الخوف والفزع، يساهم، من دون أن يدري، في تهيئة أجواء الجريمة. الجريمة التي تتجه إلينا جميعاً، نحن الجناة والضحايا في الآن نفسه".

من هادي العتاك إلى أم دانيال وفرج الدلال وأم سليم، شخصيات من هامش المجتمع العراقي يرى البعض أنها ساهمت في منح الرواية إضافة سردية، وهو ما يقول عنه سعداوي: “هذه الشخصيات مستلّة من واقع حي البتاويين الشعبي، وهي في ذات الوقت تمثل مقطعاً عرضياً لشرائح اجتماعية موجودة في كل مكان من بغداد أو العراق. بالإضافة إلى شخصيات من طبقات أخرى، كما هو الحال مع علي باهر السعيدي، والعقيد سرور مجيد، ونوال الوزير وغيرها من الشخصيات. كل شخصية من هذه الشخصيات هي إحالة واقعية، وهي رمز في ذات الوقت".

الرواية مشحونة بالرموز والإشارات والاستعارات كما لو أنها مكتوبة لقارئ من نوع خاص، وعن هذا يقول الكاتب: “أفضل الروايات برأيي هي تلك التي تحوي طبقات ومستويات، فيتواصل كل قارئ حسب خلفيته ومستوى ثقافته، مع جانب معين أو مستوى معين من هذه الرواية. هناك مستوى الحكاية التي يتعرف عليها جميع القراء، وهناك مستوى رمزي يعطي طبقة عميقة من القصة المروية. وهذا ما نراه في واقع الحال مع الكثير من الأعمال الروائية العالمية التي حققت حضوراً ورسخت في الذاكرة الإنسانية".


الرحلة الأخيرة


هناك من يتحصلون على جوائز ويتوقفون عندها وتمر سنوات دون أن نقرأ لهم جديدا وهذا حدث مع من نالوا البوكر في السنوات الماضية. فهل الجوائز تمثّل “منطقة خطر” تجعل الكاتب مترددا في تقديم جديد قد لا يكون بمستوى العمل السابق؟ يقول سعداوي مجيبا: “بالتأكيد النجاح والانتشار والنجومية تزيد من الحذر لدى الكتاب وتزيد من نسبة القلق إزاء النجاح الممكن للأعمال القادمة. يتحول العمل الفائز بسرعة إلى عقبة أمام الكاتب يحتاج إلى تجاوزها.

هناك من يتحصلون على جوائز ويتوقفون عندها وتمر سنوات دون أن نقرأ لهم جديدا وهذا حدث مع من نالوا البوكر في السنوات الماضية

لكنها من جانب آخر تحوي أمراً ايجابياً، فلا ينشغل الكاتب بالرغبة في الحضور والانتشار، ويرجع إلى مشغله ليكتب ما يرغب به من أعمال، مع شعور بأن ما سيكتبه سيجد صدى استناداً إلى السمعة التي حققها. والأديب الذي لديه ما يريد قوله سيجد نفسه يكتب ويستمر بالكتابة، بغض النظر عن الظروف والنجاحات أو الإخفاقات التي يوجهها".

وهل يعتقد سعداوي أن ما تمر به بغداد منذ العام 2003 هو الذي أفرز جيلا من الروائيين العراقيين كإنعام كجه جي وعلي بدر وسعد هادي وميسلون هادي وغيرهم؟ يجيبنا الكاتب قائلا: “في الحقيقة التوجه إلى الرواية بشكل كبير ابتدأ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وفي المكتبة العراقية اليوم من هذا التاريخ حوالي مئتي رواية. ولدينا أسماء كثيرة من أجيال مختلفة قدمت أعمالاً إبداعية مهمة، منها الأسماء التي ذَكَرْتِها في السؤال وأخرى ما زالت تواصل الكتابة والانتاج المتنوع.

بالتأكيد كانت الأجواء ما قبل 2003 مقيدة للكتابة الروائية، بسبب سيادة سلطة الحزب الواحد والقراءة الواحدة للتاريخ والمجتمع، والحرية النسبية التي حصلت بعد زوال هذا النظام ساهمت في تنشيط المشغل الروائي العراقي والكتابة بحرية أكبر. بالإضافة إلى أسماء مهمة أخرى ظلت تكتب في المنافي والمهاجر وتقدم أعمالاً نوعية متميزة".

أعمال أحمد سعداوي ليست سيرة ذاتية له بقدر ما هي سيرة لبشر وأمكنة وشوارع ومبان ومعالم تاريخية لم تسلم من ويلات الحرب والصراعات الطائفية، وعن هذا يقول محاورنا: “هناك دائماً شيء من السيرة الذاتية في أية رواية مكتوبة، ولكن الرواية بحدها العام هي قراءة للتاريخ والمجتمع، بكل ما يحويه من تفاصيل، وأي روائي يسعى لتطوير مشغله الروائي سيجد نفسه في مواجهة علوم إنسانية عديدة كعلم التاريخ والاجتماع والفلسفة والنفس والأنثروبولوجيا. وسيجد نفسه معنياً بالإحصائيات والأرقام ومصادر الثقافة الشعبية والعقائد والأديان وقراءة الأماكن والعمارة والأبنية وكل شيء يمكن تخيله. لهذا فالكتابة الروائية ليست أمراً هيناً وليست مجرد تسلية أو عملا يخضع للوحي والإلهام وتشغيل الخيال".

وعن مشروعه الروائي القادم، يقول سعداوي: “لديّ عمل أكتبه حالياً اسمه “الرحلة غير المؤكدة والأخيرة” وهذا الاسم مذكور أصلاً داخل رواية “فرانكشتاين في بغداد” ويتحدث عن تجربة حقيقية مر بها عدد من الشباب العراقي في منتصف التسعينات من القرن الماضي”.

14