الجاهة تمثيلية تدلل على الانفصام المجتمعي في الأردن

ازدياد الشغف بالجاهة، وهي جزء من العادات العشائرية يقسم الأردنيين خاصة مع تسارع نسق التطور. وفيما لا تزال الجاهة في البوادي والقرى تحتفظ ببساطتها فإنها اتخذت شكليات وأصبحت تمثيليات ترهق كاهل العائلات في المدن.
السبت 2018/12/15
مجلس في انتظار جاهة لكتاب مكتوب

عمان - لم تنقطع ظاهرة الجاهة، في الأردن وإنما تزداد رسوخاً رغم تطور الحياة سواء في المدن أو البوادي أو القرى، لكنها، في المدن، أصبحت فاصلاً تمثيلياً يؤديه المشاركون في الجاهة.

وتتكون الجاهة من مجموعة من أفراد عشيرة واحدة يرأسها شيخ العشيرة أو أحد الوجهاء المعروفين بالأخلاق والالتزام والنزاهة وتسعى هـذه الجاهة إلى عقد هدنة، تحدد زمنياً، بين عشيرتين وقع بينهما خلاف لسبب ما، والسعي بين هاتين العشيرتين لعقد مراسيم الصلح، بعد انتهاء مدة الهدنة، أو طلب يد فتاة من عشيرة أو عائلة لشاب من عشيرة أو عائلة أخرى، والعراقيون يسمونها (مشية)، أي تمشي بين الناس بالخير والإصلاح.

ويقول الشاعر الفلسطيني أديب ناصر لـ”العرب”، إن الجاهة باتت مرهقة لعائلة العريسين بما تكلفه لهما من مصاريف، وكان من المنتظر أن تندثر هذه العادة مع تطور الحياة، لكن الغريب أنها أخذت تترسخ وتتطور وتنتقل يوماً بعد يوم من البساطة، التي كانت عليها قبل عشر سنوات، إلى التعقيد الذي هي عليه اليوم، وليس متوقعاً أن يعزف عنها الأردنيون في المدى المنظور.

أديب ناصر: الجاهة باتت مرهقة لعائلتي العريسين بما تكلفه لهمامن مصاريف
أديب ناصر: الجاهة باتت مرهقة لعائلتي العريسين بما تكلفه لهمامن مصاريف

یضیف “في الماضي كان أل العروس، في كثیر من الأحیان، لا يعلمون بمجيء الجاهة إليهم ويفاجئون بها تطرق باب بيتهم، أيام كان الشاب لم يرَ الفتاة التي يعتزم خطبتها أو رآها مصادفة أو سمع عنها وعن أهلها ونسبها كلاماً طيباً، فيطلب الأهل من الجاهة وقتاً للتفكير والسؤال عن الشاب ونسبه وأخلاقه، ولكن، في الوقت الراهن، أصبحت الجاهة مجرد روتین أو ديكور لإتمام العرس، وكأن الناس يرمون من وراء ذلك الحفاظ على العادات الأصیلة ولو شكلیاً”.

وما زالت الجاهة في البوادي والقرى تحتفظ ببساطتها حيث تذهب الجاهة إلى البيت المقصود وتتفاوض مع أهل البيت على ما جاءت من أجله، ولكنها في المدينة تعقدت وبنيت قاعات احتفالات لهذا الغرض، ففي حالة جاهة العرس يجلس أهل العريس في القاعة الأصغر ويجلس أهل العروس في القاعة الأكبر، وعندما تجتمع جاهة أهل العريس بالكامل ينهض القوم جميعاً ويتوجهون إلى القاعة التي فيها أهل العروس ويجلسون في صفين متقابلين فلا يجوز أن يجلس أحد من جاهة أهل العروس في صف جاهة أهل العريس ولا يجوز العكس كذلك، ويقدم فنجان قهوة واحد فقط لكبیر الجاهة یضعه أمامه وينهض ليلقي خطبة يطلب فيها يد العروس فإذا أجاب ممثل أهل العروس، في الكلمة التي يلقيها، بالقبول یشرب كبیر الجاهة فنجان قهوته ويقرأ الحضور سورة الفاتحة، وتقدّم الضيافة من عصائر وحلويات، غالباً ما تكون الكنافة النابلسية، وإذا أجاب والد العروس بالرفض فلا يشرب كبير جاهة العريس فنجان قهوته ولا تقدّم للحضور لا العصائر ولا الحلويات.

ويرى محمد موسى الوحش وهو صاحب دار نشر في عمان أن الجاهة تعزز العلاقات والمحبة بين أهل الحي أو البلد، وإذا كان هناك خلاف بين الطرفين يتدخل الوفد الذي تضمه “الجاهة” لحله وتقريب وجهات النظر للوصول إلى القبول والموافقة. ويشرح أن من العبارات التي تقولها “الجاهة” في مناسبات الخطبة سواء عند الطبقات الفقيرة أو عند الأغنياء مع اختلاف ببعض الكلمات وطريقة الكلام حسب المنطقة واللهجات “نحن دخلنا بيتكم ودسنا بساطكم وجاءت معنا هذه الوجوه الطيبة لكي نتشرف بطلب يد كريمتكم ذات الحسب والنسب لتكون زوجة لابننا على سنة الله ورسوله”، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين يأتون مع أهل العريس في الجاهة كلما كان شأنهم مرتفعاً في المجتمع يعززون ثقة أهل العروس بالعريس.

لكن هناك من يهاجم الجاهة ويصفها بأنها أصبحت نوعاً من الانفصام يعيشه المجتمع في ظل تطور الحياة، ويدعو إلى التخلص منها لأنها أمور شكلية مكلفة ومرهقة لميزانية أهل العريس.

محمد موسى الوحش: الجاهة تعزز العلاقات والمحبة بين أهل الحي أو البلد
محمد موسى الوحش: الجاهة تعزز العلاقات والمحبة بين أهل الحي أو البلد

ويقول الكاتب أحمد حسن الزعبي، للتدليل على هذا الانفصام المجتمعي “خذوا مثلاً (الخطبة)، جاهة العريس تكون على معرفة ودراية تامة أن ‘الكتاب مكتوب’ منذ أسبوعين أو أكثر وأن عدد زيارات العريس لبيت عروسته فاقت زيارات المسؤول العربي للبيت الأبيض، وقد شرب معها برميل ‘كوكتيل’ في مقاهي ومطاعم البلد، ولم يتركا نوع معسّل إلا وجرّباه معاً، ومع ذلك يرتدون البدلات والعباءات ويتأنقون ويتقاطرون على أبواب ديوان أهل العروس ليقوموا بتمثيلية الخطبة، بالمقابل عشيرة الفتاة على معرفة ودراية تامة أن ‘الكتاب مكتوب’ منذ نفس المدة، وسلّموا على نسيبهم الجديد عشرات المرات أثناء توجهه ليلاً إلى بيت الخطيبة ومع ذلك يرتدون البدلات والعباءات ويتأنقون ويصطفون على باب ديوانهم بانتظار الضيوف، ثم تجري برتوكولات ‘صبّ القهوة’ و’وضع الفنجان’ و’رفع الفنجان’ والحديث عن فضائل النسب وعن تاريخ العائلتين الضارب في الوطنية والصيت الاجتماعي وعن مزايا العريس وصفاته الطيبة وأخلاقه الحميدة والتزامه وعصاميته حتى يخيّل إليك أن الشاب من السلف الصالح وعندما تنظر إلى قصة شعره تعرف إلى أين وصل منسوب الانفصام لدينا، المهم يرد أحد الوجهاء نيابة عن عائلة العروس بخطبة لا تقل حماسة وقوة عن التي سبقتها يتطرّق فيها إلى الوضع العربي الراهن وعن السلام في المنطقة وعن حل الدولتين ثم يأمر الجاهة الكريمة أن تشرب قهوتها و’تبشر باللي أجت فيه'”.

لكن للجاهة في المجتمع الأردني والفلسطيني ومجتمع بلاد الشام عامة أصولا وتقاليد، درجت عليها هذه المجتمعات فهي تسعى بالخير، في مناسبات اجتماعية خاصّة كالزواج أو إصلاح ذات البين، ويشرح المهندس راتب دبابنة “تبدأ الجاهة حسب الغاية منها بانتقاء المشاركين فيها، فإذا كان الهدف منها التدخل في قضايا تحتاج من المشاركين فيها الفطنة والذكاء، مثل جاهات الفصل في قضايا الجنايات والحوادث وغيرها، فإنّها في هذه الحالة تتألف من أصحاب الخبرة المتمرّسين في مقارعة الحجة بالحجة، وهو ما لا يتوفر إلا لدى من اعتاد الوقوف في مثل هذه المناسبات ويفقه الأعراف الاجتماعية التي أصبحت بمرتبة القوانين”.

ويلاحظ أن المجتمع الأردني بدأ مؤخرّا يستعين في الجاهات بالسياسيين وكبار المتقاعدين، إذ يأخذون مكانهم في مقدّمة الجاهات على اختلاف غاياتها، ويتصدّرون الحديث وتكون لهم الكلمة الفصل أحيانا، مشيراً إلى جاهات الأعراس لا تشترط فيها الانتقائية في الحضور فهي تعتمد على كثرة المدعوين من الطرفين للتباهي بهم وكميات الطعام والحلويات المقدمة للضيوف، فيما كانوا في الماضي يكتفون بفنجان القهوة.

أحمد حسن الزعبي: الكتاب مكتوب لكن جاهة العريس تتقاطر على أهل العروس
أحمد حسن الزعبي: الكتاب مكتوب لكن جاهة العريس تتقاطر على أهل العروس

ومن طرائف الجاهات، التي تدلل على التلاحم والتماسك الوطني في الأردن أن الأب مروان طعامنه راعي كنيسة الروم الارثوذكس بالسلط رأس جاهة لطلب يد كريمة الدبلوماسي إبراهيم النابلسي لابن أحمد عبدالكريم الكلوب، وهما مسلمان، في جو من التآخي والمحبة والتعايش الصادق بين الأردنيين بغض النظر عن ديانتهم.

ويروي الصحافي الأردني عمر أبوزيد لـ”العرب”، قصة “جاهة” ترأسها في ديسمبر 2014 الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزواج شابة من عشيرة الصفدي، مقابل “جاهة” أهل العريس التي ترأسها رئيس وزراء الأردن الأسبق عون الخصاونة، بحضور جموع غفيرة من السياسيين والوزراء والنواب السابقين، إذ تقدّم رئيس الوزراء الأردني الأسبق عون الخصاونة من الرئيس الفلسطيني عباس طالباً يد كريمة من عائلة الصفدي هي الآنسة سوزان الصفدي.

ونشرت الصحف الأردنية خبر حضور بيتر ميليت السفير البريطاني في الأردن في جاهة لعروس أردنية وعريس بريطاني الجنسية، موضحا لقرائه من غير الأردنيين، في مدونة نشرها موقع السفارة البريطانية في عمان، ما تعني “الجاهة”، ووصفها بأنها “جزء من العادات
العشائرية”. وذكر في المدوّنة التي حملت عنوان “حضور جاهة”، أنه كان سعيداً لمشاركته، راوياً كيف توجّه هو وأصدقاء العريس والعاملون معه كـ”عشيرة العريس”، إلى المكان الذي تمت فيه الجاهة، وكيف أنهم جلسوا مقابل الرجال، الذين يمثلون جانب العروس، وطريقة تقديم القهوة إليهم، والتي تؤشر إلى “أنهم من المفترض أن لا يشربوها حتى تتم الموافقة”.

20