"الجبة"موروث تونسي صامد رغم التقاليد الدخيلة

السبت 2014/06/07
النساء يتفنن في حياكة ونقش الجبة الرجالية وجعلها مميزة وجذابة

تونس- مع حلول فصل الصيف وموسم الأفراح والمُناسبات في تونس، تعرف عديد الصناعات التقليدية إقبالا كبيرا عليها، فالجبة مثلا تكاد تكون عنصرا رئيسا في العرس التونسي التقليدي.

جرت العادة أن يرتدي الرجل هذا اللباس إما ليلة زفافه أو يوم عقد قرانه إذ لا تكتمل الأفراح التقليدية دونه. أما النسوة فلهُن جبتهن الخاصة، إذ تتزين المرأة بهذا الزيّ العريق في مختلف المناسبات من أعراس وحفلات ختان وأعياد وترتديه كذلك في الأيام العادية كلباس يومي.

وللجبة التونسية تاريخ عريق يعود إلى زمن الأندلسيين، لكن الحرفي التونسي أضفى عليها صبغة خاصة وجعلها مميزة، كما جعلها تختلف حسب نوع القماش الذي تحاك منه فنجد منها “جبة الحرير” و”القمراية” و”السكروتة” و”الصوف” و”الملف”. كما أنها ليست زينة للرجال والنساء فحسب بل هي عنوان المدينة العتيقة التي تزدان بها أزقتها ودكاكينها القديمة، هناك حيث نشأت وابتُكرت وأبدع تزويقها وحياكتها السكان الأوائل لرباط مدينة تونس.

وتقول الحرفية المتخصصة في صناعة الجبة ليلى الزين، التي التقيناها وهي بصدد وضع اللمسات الأولى على أحد الأزياء التقليدية، “الجبة تمثل أصالتنا وعراقتنا وهي تميزنا عن غيرنا كتونسيين، فلما ترى هذا الزي وتتمّعنُ فيه جيّدا، تعرف أنه يختلف عن أمثاله سواء المغربي منه أو الخليجي، فهي موروثنا وهي حرفة أجدادنا”.

وتتوزع مراحل صناعة الجبة بحسب الحرفية الثانية، وداد السياري، بدءا من مرحلة اختيار صنف القماش إلى الفصالة، فالتطريز والظفرة وصولا إلى مرحلة النقش أو “الحرج” التي تتطلب من صاحبها دقة ومجهودا، فهو إبداع وابتكار تنتج عنه في النهاية قطعة تراثية متقنة ومحبوكة.

وعن مدى إقبال التونسي على هذه المنتوجات التقليدية تضيف ليلى الزين، أن هذه الحرفة عرفت تراجعا في وقت ما بسبب اكتساح الملابس الغربية الأسواق التونسية سيما أنها كانت أقل تكلفة وأزهد ثمنا من الزي التونسي الأصيل، وهو ما جعلها أيضا إما لباسا مناسباتيا أو مقتصرا على الأعيان والأثرياء فقط. ولتلك الأسباب، تضيف ليلى الزين، تم تطوير الجبة وجعلها متأقلمة مع اللباس اليومي مع التقليل من مكوناتها، فبعد أن كانت تتكون من خمس قطع وهي “الصدرية والفرملة والبدعية والمنتان والجبة”، أصبحت تضم قطعتين فقط وذلك لتسهيل ارتدائها والدفع نحو الإقبال عليها.

الجبة التونسية ليست زينة للرجال والنساء فحسب بل هي عنوان المدينة العتيقة التي تزدان بها أزقتها ودكاكينها القديمة

ورغم أن هذه الصناعة تنتعش في هذا الموسم الصيفي، إلا أنها تشكو تقهقرا وتراجعا كبيرا على مدار أشهر السنة، فهي صناعة موسمية يعاني حرفيوها مشاكل وعراقيل مادية كبيرة خلال باقي الأشهر.

وفي السياق ذاته تحدثت، ليلى الزين، عن بعض المشاكل التي تواجهها حرفة حياكة الجبة ومنها تعرضها لاختراق كبير من قبل من أسمتهم بالدخلاء على المهنة الذين لا علاقة لهم بالصناعات التقليدية أساسا وهم من أخرجوا الجبة من طابعها الأصلي وجردوها من روحها واعتمدوا في صناعتها على أقمشة لا تتلاءم معها. ويشكو حرفيو الجبة وصناعها أيضا من مشاكل أخرى لعل أبرزها التكاليف الباهظة لهذه الصناعة والتي تتطلب استثمارات كبيرة وتمويلات طائلة على اعتبار غلاء المواد الأولية من قماش وحرير وخيوط خاصة بالتطريز والنقوش، إضافة إلى عدم وجود تسهيلات ودعم من الدولة لهم، فهم يرون أن إجراءات منح القروض صعبة ومجحفة، ويدعون في المقابل إلى مزيد الاهتمام بالمنتوج التقليدي ككل وجعله أولوية لأنه يعبر عن عراقة تونس وتاريخها وثقافتها.

ولعل أبرز ما يلفت انتباه الزائر عند توجهه إلى الأسواق التقليدية أين تحاك الجبّة، هو أن هذه الصناعة ليست حكرا فقط على الرجال بل حتى أن النساء تتفنن في حياكة ونقش الجبة الرجالية وجعلها مميزة.

وتحدثت هادية البرهومي مسؤولة غرفة الصناعات التقليدية في الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، المنظمة التي تحتضن بالدرجة الأولى مثل هذه الصناعات التقليدية وتدعمها قائلة:“نحن يسرُنا الاهتمام الإعلامي بالمنتوجات التقليديّة التونسية، كما نقوم بكل ما في وسعنا لإحياء التراث لذلك لا بد من تشجيع الحرفيين بمختلف أصنافهم لنجابه اندثار هذه الصناعة”.

21