الجبهات الوطنية لا يشكلها الملالي وأصحاب المليارات

الخميس 2017/10/26

يُلوّح رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم بنيته في طرح مشروع سياسي جديد يحمل اسم “الجبهة الوطنية لوحدة العراق” داعيا الأحزاب والأطراف السياسية الأخرى، إلى الانخراط فيها باعتبارها تمثّل تحالفا استراتيجيا لمنع تقسيم العراق، دون أن يدرك أن تياره البالغ من العمر ثلاثة شهور، لا يصلح لمثل هذه المهام الكبيرة التي لا تقدم عليها إلا الأحزاب التاريخية العريقة المعروفة بتبنّيها لمنهج وطني حقيقي، يعكس تطلعات الأغلبية الشعبية في الحياة الحرة الكريمة، ويكرّس مبادئ حقوق الإنسان، ويعزز مفاهيم العدل والإنصاف والمساواة في المجتمع، ويكافح المحاصصات الطائفية والعرقية والمناطقية وكل أشكال الاجتثاث السياسي.

ولأن عمار الحكيم جديد على السياسة التي ورثها عن أبيه عبدالعزيز الذي آلت إليه أيضا من أخيه محمد باقر، فإنه يتوهم إذا اعتقد بأنه قادر شخصيا وسياسيا، على إطلاق مثل هذه المشاريع الوطنية.

دون أن ينتبه إلى أنه ما زال أسير أجواء “ملائية” أو حوزوية، وهو المولود أصلا في بيت شيعي متزمت عام 1971، والمترعرع في بيئة إيرانية متشددة، منذ كان عمره تسع سنوات، وهي بيئة تقدس ولي الفقيه وتشوّه الإسلام بالبدع والخرافات، وتعادي العرب والعروبة وتعتبر أصحاب الأفكار والتوجّهات الوطنية والقومية والاشتراكية كفارا وملحدين.

ومشكلة عمار الحكيم بعد انشقاقه من المجلس الأعلى الذي كان يتزعمه وانتهاء رئاسته الدورية للتحالف الوطني الشيعي أنه يبحث عن زعامة لا يهمه إن كانت صورية أو فائضة عن الحاجة، المهم أن يقال عنه إنه زعيم وكفى، بعد أن انشغل طيلة السنوات السابقة في ترتيب أوضاعه الشخصية والعائلية، ورفع معدلات أرصدته المالية.

ثم إن عمار الحكيم ما زال فقيرا في الفكر والثقافة، كما هو واضح في محاضراته الأسبوعية التي تبثّها قناته الفضائية “الفرات” يوميا، ولم يخُض تجربة سياسية بالمعنى الحقيقي، إضافة إلى كونه من دعاة ولاية الفقيه كما كان أباه وعمه، وبالتالي فانه ينظر إلى الليبرالي أو العلماني أو المستقل سياسيا، نظرة استخفاف تصل إلى الخصومة والعداء، بل إنه لا يطيق شيئا اسمه الديمقراطية.

ولم يتحمّل ملاحظات من ساعده وساهم في بروزه السياسي، أمثال همام حمودي وباقر صولاغ وجلال الصغير وعادل عبدالمهـدي ومحمد تقي مولى، والأخير أسهم في إعفائه من الخدمة العسكرية في الجيش الإيراني عندما كان رئيسا لأركان قيادة فيلق بدر، في سنوات الحرب الإيرانية على العراق، كما كشف ذلك الباحث المعروف عادل رؤوف في موسوعته الشيعية.

وصحيح أن الحياة السياسية انحدرت في ظل الاحتلال الأميركي وبرزت أحزاب وتيارات سياسية ودينية وطائفية، بعضها كحزب الدعوة تسيّد الساحة وتسلم السلطة ليس لشعبيته أو كفاءة قادته، وإنما بدعم أميركي وإيراني مشترك، إلا أن الصحيح أيضا أن هذه الأحزاب ومنها المجلس الأعلى وتيار الحكمة وحزب الفضيلة والحزب الإسلامي، لم ترتق إلى مستويات الأحزاب الحقيقية في نهجها واتجاهاتها.

بالعكس فإنها ظلت ضيقة في أفقها الفكري، ومتمسكة بخطابها الطائفي، واستخدمت القوة والإكراه واستغلال الفراغ السياسي السائد في البلاد لتمرير سياساتها وفرض سطوتها وزيادة مكاسبها، حتى صار قادتها من أصحاب الأموال والأطيان والنفوذ، وجرد بسيط لأوضاعهم السابقة يؤكد أن أغلبهم كانوا في أحوال معيشية عسيرة، عاشوا على مساعدات الدول التي لجأوا إليها، أو سكنوا غرفا رطبة في طهران ودمشق يعانون الجوع والحرمان.

إنّ سارقي المال العام ومغتصبي منازل المواطنين البعثيين والمسيحيين والصابئة والمستحوذين على العقود والصفقات والعمولات، أصيبوا بأمراض التخمة في كل شيء حرام وباطل، وهذه الأمراض لا تتيح للمصابين بها، نفسيا وعلميا وعمليا، أن يعيشوا أسوياء مثل البشر الطبيعيين، لأن الجشع هو الذي يحكمهم والأحزاب والكتل التي تضمهم، مجرد عناوين للتغطية على انتهاكاتهم واختلاساتهم.

الجبهات الوطنية في العراق لا يصنعها عمار الحكيم ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري ومحمد اليعقوبي وهمام حمودي وباقر صولاغ وهادي العامري وأبومهدي المهندس وقيس الخزعلي وإياد السامرائي وسليم الجبوري ولطيف هميم وسلمان الجميلي، ومن هم على شاكلتهم ممن تلوثت أياديهم بدماء الأبرياء، ولا حتى علي السيستاني أو حيدر العبادي أو إياد علاوي في دعواتهم اللفظية للإصلاح، وإنما تنطلق في أجواء وطنية يسودها الإيثار والصدق والنزاهة، ويشترك فيها أصحاب السمعة الطيبة والمواقف الكفاحية والسجل الوطني.

كاتب عراقي

8