الجبهة الإسلامية ومصير الثورة

الأربعاء 2014/05/14

خرج مقاتلو حمص وهم يغنون تارة ويصلّون تارة؛ أي إنهم ليسوا أصوليين، ولكنهم مؤمنون ككل شباب سوريا، حيث اجتث النظام الحريات وفتح دور العبادة، وجاءت الثورة فسمع العالم الغناء والصلاة، وتعاظم ذكر الله في كل وقت.

هذا في حمص حيث لا “نصرة” ولا “داعش” ولا تفريعات أخرى للقاعدة. من قاد التفاوض هي الجبهة الإسلامية، قادتها وبتنسيق في ثلاثة مدن: حمص واللاذقية وحلب؛ هذه الجبهة قدمت نفسها كبديل عن الائتلاف الوطني والجيش الحر بهذا التفاوض، ومن هنا جاءت كلمة أحمد الجربا “نحن تيار ثالث بين الجهاديين وبين النظام”. هو لم يقصد الجبهة الإسلامية، بل قصد “داعش” و”النصرة”. الجبهة الإسلامية أكثر خطورة على الثورة وعلى المعارضة معاً، فهي تريد دولة إسلامية، ولا تقتنع بالديمقراطية بل بالشورى وأولياء الأمر، والدولة القادمة مرجعيتها الشريعة والحكم فيها للأكثرية الدينية وبقية الطوائف تدين لها، وإلا فهناك القانون، والقانون سيكون مرجعه الدين.

كتبنا في هذا المكان على أن الجهادية لا أرض لها في سوريا، وهي والثورة لا تلتقيان؛ ولكن الأوضاع تتطور بشكل خطير، أي أن الكتائب تتوحد تحت قيادة الجبهة، والأخيرة لا تعادي النصرة، وتتفقان الآن على داعش، ولكنهما تعملان برؤية إسلامية كاملة، والاختلاف بينهما طفيف. النظام عمل من أجل أن تكون الثورة إسلامية، وفشل في أن تكون كذلك شعبياً، ولكن جناحها العسكري يكاد يصبح كذلك بالكامل.تدعم هذه الجبهة من الخارج في سياق الحرب ضد إيران، وهو ما يؤجج قضية الصراع الشيعي/ السني، ويدخل سوريا وبشكل كبير في أتون الصراعات الإقليمية، بدلاً من دعم الثورة الشعبية لإنهاء النظام الشمولي ونظام النهب.

إذن هناك خطورة كبيرة من هذه النسخة من الجهادية، فهي مخففة عن تفريعات القاعدة، ولكنها ليست بعيدة عنها كثيراً؛ القاعدة (داعش- النصرة- أحرار الشام) تهدف إلى خلافة إسلامية، في حين تهدف الجبهة لدولة إسلامية. نريد القول أن استنقاع الوضع أكثر فأكثر، واستمرار النزوح، قد يحكّم الجبهة الإسلامية بكل الجبهات بالكامل، وهذا يتزامن مع اختلافها مع الائتلاف الوطني، وافتراقها عنه تباعاً وطرح نفسها كبديل.

الجبهة هذه تحقّق للنظام ما سعى إليه منذ البداية، أي أن الثورة إسلامية، وتمثل السنة. هنا الخطورة بالكامل؛ فمع هذه الجبهة تصبح الثورة إسلامية، والنظام حاميا للأقليات وللعلمانية والقيم الحديثة والمدنية. وبالتالي تتعقد مشكلات الثورة، وتصبح ألعوبة بيد الدول الداعمة بالكامل، وهو ما ينقذ النظام في حال طُرح سيناريو حل جديد، فسيكون مضمونه أقل من الهيئة الانتقالية لجنيف، وسيبعد الائتلاف الوطني الذي سيكون طرفاً من أطراف المعارضة، وستتقدم الجبهة أو تحدد هي ممثليها السياسيين الأصوليين، ليفرز كل ذلك تقاسما طائفيا للسلطة.

هنا خطورة الجبهة، أي أنها صحبة النظام يؤسسان لمرحلة جديدة في سوريا، لم تعهدها من قبل أبداً. ثوار حمص بقوا مؤمنين طالما ظلوا بحمص، الآن ربما سيتحولون إما إلى تنويعات القاعدة أو الجبهة الإسلامية. هذه المصائر أصبحت إجبارية كما يبدو؛ وربما سيتم ترحيلهم في مرحلة لاحقة إلى حلب أو إدلب. هذا الكلام ينسجم مع التدخل الإيراني، الذي كما يبدو سيستلم التفاوض باسم النظام في كل شيء، وهو سيتفاوض مع الجبهة ولن يعنيه أبداً الائتلاف الوطني.

الثورة السورية التي أدهشت العالم بسلميتها ووطنيتها وأغانيها الوطنية الشعبية، وكانت تشبه العرس حيث احتفى السوريون برغبة عارمة بالخلاص، تبدو بعد ثلاثة أعوام وكأنها تشهد قيامتها بالكامل، فلا أعلام الثورة ترفرف، ولا متظاهرين يحملونها، والأغاني لم تعد تطلقها الحناجر، فضلا عن عشرة ملايين مهجر ومآتم وقبور لا تنتهي. الثورة قتلتها المعارضة، قتلتها حين لم تمتلك روحها، وحين فشلت كليا في طرح رؤية وبرنامج لها، يحدد مطالب الثورة ويعمقها؛ فكان تطور الثورة نحو الجهادية والأسلمة، كما رغب في ذلك النظام بالضبط.

مصير الثورة كما سبق وقلنا في خطر كبير، بل إن سوريا أصبحت تقترب من أن تكون دولة فاشلة، ومحكومة داخلياً لأمراء الحرب الذين يتبعون لدول صغيرة وكبيرة في الخارج.

في هذا الوضع نقول إن مرحلة الثورة المضادة هي المتحكمة الآن بالثورة، وقد تعيد تأهيل النظام بنسخة جديدة، أي تدخل هي كمكملة له. وفي حال لم يتحقق سيناريو التقاسم الطائفي للسلطة، فإن سوريا مدفوعة، أكثر فأكثر، نحو حروب لا تنتهي ودمار كبير ومتسع وفي كافة المدن، سيما وأن ثلثها مدمر الآن.

ما ينقذ الثورة من هذا المصير الكارثي هو الشعب، وقوى ثورية واعية بمشكلات الثورة وبما تتعرض له داخلياً وخارجياً، ولكن هل هذا الشعب موجود وهذه القوى موجودة؟ هذا سؤال واقعي كي لا يكون الوهم منطق الفكرة؟

الواقع يقول نعم موجود. فثوار حمص كذلك وأهل داريا كذلك وأهل برزة كذلك، وعشرات الكتائب والقوى كذلك، وهناك بشر في أماكن كثيرة في الغوطة ودرعا وحلب والدير وسواها، وكذلك ملايين المهجرين في الداخل والخارج، وبالتالي هناك بشر مهمشون، وقوى ثورية ضائعة ومفقرة، وهي بالتحديد من بإمكانها القيام بمهمة تجديد الثورة.

تجديد الثورة مهمة المهمات إذن، فهي تأتي بعد تعاظم الجهادية والأسلمة والتحكم الإقليمي الواسع. وهذا يتطلب جهدا كبيرا، فالنظام يجتث كل القوى عدا القوى الجهادية، وسجونه مليئة بكوادر الثورة العقلانيين الذين يخرجون شهداء من المعتقلات. لا خيار خارج هذا الخيار، وهو يتطلب رؤية وبرامج وطنية وثورية ونقابية بما يؤدي إلى تنظيم قوى الثورة، وطرد تلك الجهاديات والمتأسلمين المدعومين من الخارج.

مع الجبهة الإسلامية، مصيرُ الثورة قتلُها وتقديم جثتها على طاولة التقاسم الطائفي. أما الذهاب نحو دولة لكل السوريين فهو أمر ممكن في حال تجدد الثورة. هنا كل الرهان.


كاتب سوري

8