الجبهة الثورية السودانية توحد مكوناتها استكمالا لمسار السلام

الجبهة تريد تقاسم السلطة على قواعد وطنية وليست انفصالية.
الخميس 2019/09/05
قطار التغيير في السودان يقطع مسافة جيدة

لم يكن مفاجئا أن تعلن الجبهة الثورية السودانية، الثلاثاء، عن وحدة اندماجية كاملة، من جوبا عاصمة جنوب السودان، بين مكوّناتها السياسية والعسكرية. فالتحركات السابقة لفتت الانتباه إلى رغبة كبيرة لدى قادة الفصائل المسلحة في التفاوض مع قوى الحرية والتغيير من منطلق جماعي قوي، وتحاشي أخطاء مرحلة ماضية كان التسابق فيها يتم فرديا من الخرطوم.

عندما أخفقت الحوارات الأخيرة مع قوى الحرية والتغيير ومع المجلس العسكري، في التوصّل إلى قواسم مشتركة قابلة للتنفيذ الفوري بدأت قيادات الجبهة تستعد للخطوة التالية من التفاوض مع السلطة الانتقالية المسؤولة عن التوصّل إلى صيغة واقعية للسلام الشامل في ربوع السودان خلال الستة أشهر المقبلة.

ويستلزم ذلك جاهزية كبيرة من الحركات، ورؤية واضحة لقادتها، وضمانات إقليمية وربما دولية، لأن مخرجات هذه المرحلة من المفترض أن تنهي إشكالية قديمة متجذّرة وعلاقة ملتبسة بين المركز والأطراف، وتؤسس لأخرى متينة تكون سندا للسودان وتمنع عنه شبح تفكيك الأقاليم الذي طارده سنوات طويلة.

يصرّ سيلفا كير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان على جمع الفصائل المسلحة في السودان تحت إشرافه، ودعاها أكثر من مرة إلى الاجتماع في جوبا للحوار والتفاهم في ما بينها ومع غيرها من القوى السياسية في السودان.

بدت قضية تجسير الهوة بين السودانيين مسألة حيوية تتجاوز قدرة سيلفا كير على خفض التوتر مع معارضي نظامه. ما يعني أن الهدوء والأمن والاستقرار في الجارة الشمالية (السودان) مقدم على حل أزمة تعثر السلام في جنوب السودان لأنه غير منفصل عنه.

تنطوي الخطوة المتقدمة التي خطتها الجبهة الثورية من جوبا لتوحيد جناحيها السياسي والعسكري على كثير من الرسائل الحالية والمعاني المستقبلية، لأنها شملت القيام بإجراء تعديلات في ما يعرف بدستورها وتطوير نظامها الأساسي لاستيعاب متطلبات السلام والتعامل مع استحقاقاته، والحرص على التفاوض برؤية موحدة وموقف مشترك.

وقع الاختيار ولمدة عامين على، الهادي إدريس يحيى رئيس حركة تحرير السودان- المجلس الانتقالي ليكون رئيساً للجبهة، ومالك عقار رئيس الحركة الشعبية- قطاع الشمال نائباً له، وجبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة أميناً عاماً.

تؤكد عملية توزيع المناصب أنها وسيلة وليست غاية، لأن مني أركو ميناوي رئيس حركة تحرير السودان تنازل طواعية عن رئاسته للجبهة قبل انتهاء مدته، كي يفسح المجال للهادي إدريس ليتبوأ مقعده في مرحلة الوحدة الاندماجية وما تتطلبه من مسوغات قانونية عرف بجدارته فيها، وحنكته في إدارة حوار مصيري منتظر مع السلطة الانتقالية.

سبق هذه الخطوة بوقت قليل إعلان 4 حركات مسلحة في بيان مشترك استعدادها التفاوض مع مؤسسات السلطة الانتقالية بوفد مشترك والالتزام بتحقيق السلام. ووقّع على البيان الطاهر حجر رئيس تجمع قوى تحرير السودان، وجبريل إبراهيم، والهادي إدريس، ومني أركو ميناوي. وجميعهم يقيمون في دولة جنوب السودان.

تمتين جبهة دارفور

في اليوم الذي كشفت فيه الجبهة الثورية عن خطوتها الاندماجية، أعلنت ما يسمّى بـ”هيئة محامي دارفور”، وهي هيئة مستقلة تأسست عام 1995 في غرب السودان، عن ترتيبات لعقد ملتقى تشاوري في جوبا يجمع الحركات المسلحة والقوى المدنية في إقليم دارفور، بغرض الوصول إلى رؤية مشتركة بين القوى المدنية والمسلحة تساهم في تحقيق السلام الشامل، من خلال إيجاد حلول عملية للقضايا المطروحة. وأجرت مشاورات مع الفصائل الرئيسية في الإقليم، ووصلت للهيئة ردود جيدة تعكس أهمية عقد الملتقى التشاوري.

يعني ذلك أن أزمة دارفور لا تزال القضية الأمّ التي جذبت أنظار العالم وانتفض لها منذ حوالي عقد من الزمان، وجُرّ بسببها الرئيس المعزول عمر البشير ونحو 40 من رفاقه العسكريين والسياسيين إلى المحكمة الجنائية الدولة، وتعتبر المدخل الرئيسي للسلام.

ولا يعني تسليط الأضواء عليها أنه سيتم وضعها على الطاولة فقط. فمشكلات جنوب كردفان والنيل الأزرق لا تقلّ أهمية عن دارفور. من هنا يمكن فهم جانب آخر من اهتمام سيلفا كير بتوحيد الجبهة الثورية، فالرجل لا يريد أن يجد نفسه أمام مأزق بسبب إهمال ما يجري على حدوده الشمالية أو تبقى المنطقة الملاصقة لبلاده بعيدة عن السلام.

تشير التحركات الأخيرة إلى أن عناصر الجبهة الثورية تريد توسيع قواعدها الجماهيرية في الأقاليم التي كانت حافلة بالصراعات والتوترات، لتقول إن أجنحتها المسلحة لها أذرع شعبية مؤثرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وما يقوله القادة يعبّر عن رغبة الجميع في تحقيق السلام العادل. لذلك فالتفاوض مع قوى الحرية والتغيير ومجلس السيادة والحكومة الجديدة له جذور عميقة ومحمية بإرادة شعبية من الصعوبة التشكيك فيها.

تعمل قوى الحرية والتغيير على الحدّ من الفواصل بينها والجبهة الثورية، لأن الأولى تتراجع أسهمها بحكم تشكيل الحكومة وتراجع الفوران الثوري وقلة خبرة بعض المكوّنات السياسية، فضلا عن صعود دور الجبهة الثورية كمشارك أساسي في صناعة السلام الشامل، بالتالي فالحفاظ على التعاون والتنسيق معها يمثّل عنصرا مركزيّا، ويحمل أيضا حفاظا على كيان قوى الحرية والتغيير وعدم تلاشي دورها في الشارع السوداني.

وأجرى عمر الدقير زعيم حزب المؤتمر السوداني، القيادي بقوى الحرية والتغيير، حوارات مع قيادات الجبهة الثورية الأيام الماضية في جوبا حول تعقيدات المشهد السياسي والتحضير لجولة تفاوضية بعد سلسلة من الجولات في الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة وجوبا.

استثناء من الاندماج

Thumbnail

لم يشمل الاندماج الموحد حركتين مهتمين. الأولى الحركة الشعبية- قطاع الشمال، جناح عبدالعزيز الحلو، وتقاتل في منطقة جبال النوبة بجنوب السودان، والثانية حركة تحرير السودان، جناح عبدالواحد محمد نور، وتقاتل في دارفور. وهناك محادثات مع الأولى لتسهيل عملية انخراطها في الجبهة الثورية، وتقريب المسافات بين اللدودين الحلو وعقار.

ومن الممكن أن تؤدي التحركات على هذا المستوى إلى نتيجة عملية قريبا، لأن الحلو قريب من جوبا وغير بعيد عن الخرطوم، فلم يغلق أبوابه أمام المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، لكنه يريد مركزا حيويّا في الجبهة الثورية والمشهد السوداني الجديد.

بينما لم تتبلور رؤية سياسية محددة بشأن عبدالواحد نور، وهو الأكثر علوّا للصوت وتحريضا على مجلس السيادة الذي يرأسه الفريق أول عبدالفتاح البرهان، والحكومة التي يرأسها عبدالله حمدوك. ما يوحي أن نور بعيد عن الاقتراب من الجبهة الثورية التي تتعامل بواقعية سياسية، ويبدو حريصا على أن يغرّد خارج السرب، ليس من منطلق قوة، بل من ضعف بنيوي تعاني منه حركته وشبهات تدور حول علاقاته مع بعض الجهات الخارجية.

مرجّح أن تغيّر العلاقة الاندماجية داخل الجبهة الثورية من مصفوفة التوازنات السودانية، وتضفي على فصائلها المسلحة لمعانا سياسيا، لأنها تتجاوب مع الخيوط الممدودة بالسلام، ولم تظهر تخلّفا عنه حتى وهي تعترض على عدم إدراج التفاهمات التي توصّلت إليها مع قوى الحرية والتغيير في أديس أبابا في الوثيقة الدستورية. وفي خضم غضبها حافظت على إعلانها المبكر عن وقف العدائيات مع القوات الحكومية بمجرد سقوط نظام عمر البشير.

يقود هذا التوجه إلى القول إن الحركات المسلحة تريد التأكيد للجميع، في الداخل والخارج، أنها ناضجة سياسيا بشكل كاف، ومعاركها مع النظام السابق دفاعية وإنسانية وهدفت إلى استعادة حقوق الأقاليم التي حاربت فيها، وعندما تغيّرت الظروف تبدي استعدادا طيبا للتعامل معها لتقاسم السلطة والثروة على قواعد وطنية وليست انفصالية.

تسعى أيضا إلى توظيف الربط الظاهر من جانب قوى دولية بين تقديم دعم سخي للسلطة الانتقالية ووقف الصراعات في الأقاليم المختلفة. وهي الورقة التي تمنح الجبهة الثورية ميزة إضافية كبيرة، تمكّنها من الحصول على مكاسب نوعية إذا حافظت على تماسكها، وأثبتت أنها مدعومة فعلا من المواطنين الذين تدافع عن حقوقهم المهضومة.

تريد الجبهة التأصيل لقيم جديدة ومتماسكة وقوية للسلام، تتجاوز أخطاء مراحل سابقة سادت فيها الانتهازية السياسية والعسكرية على غيرها من المفردات الوطنية، حيث دخلت على خطوط الحرب والسلام جهات محلية وإقليمية ودولية، ساهمت في إطالة عمر الأزمة بدلا من السعي لتقصيرها.

حان الأوان لتخطي هذه العقبات واستثمار الأجواء الإيجابية لتأسيس سلام يحفظ لجميع الأطياف حقوقها. سلام قالت الجبهة عنه “يخاطب جذور المشكلة ويعالج آثار الحرب وبواعث التهميش، وبذل الجهود لإحلاله متى ما توفرت الإرادة لدى السلطات الانتقالية”. لذلك فالتحصّن بالوحدة الاندماجية يشير إلى تغيّر نوعي في الشكل والمضمون الذي تتعامل به الحركات المسلحة، بما يحصّنها سياسيا ويمنحها قدرة أعلى لتعظيم المكاسب.

6