الجبهة الثورية السودانية.. فضاء التصعيد الأوروبي

الأربعاء 2013/11/20

تركزت الأنظار مؤخراً على زيارة قيادات الجبهة الثورية السودانية المتمردة إلى أوروبا لحشد الدعم الأوروبي ضد النظام السوداني، وإسقاط نظام الرئيس عمر البشير. هذا التطور يعكس عمق الأزمة السودانية التي انتقلت بثقلها من تلك المواقع التي يتأجج فيها النزاع بين الحكومة والحركات المتمردة المسلحة، واتجهت صوب الخارج الذي لم يكتف بالحضور إلى مواقع الحرب في شكل منظمات إنسانية دولية وإعلام دولي، ولكن هذه المرة ذهبت الجبهة إليه لتؤكد استعدادها لوقف الحرب من أجل التوصل إلى سلام دائم.

تضم الجبهة الثورية عدة حركات مسلحة منها الحركة الشعبية (قطاع الشمال) بزعامة مالك عقّار، كما تضم كبرى الحركات المسلحة في دارفور مثل حركة العدل والمساواة وحركتي تحرير السودان بدارفور بزعامة كل من عبدالواحد محمد نور، ومني أركو مناوي.

حاولت الحكومة بادئ الأمر التقليل من هذه الجولة التي ابتدأت منذ 7 نوفمبر الحالي، بأولى جولاتها من فرنسا لتشمل بعض الدول الأوروبية منها ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا والنرويج. واعتبرت الحكومة هذه الجولة مجرد استجداء وتسول، ولكن عندما رأت أنّها وصلت إلى مواقع اتخاذ القرار هناك قامت الحكومة بالتنديد بها. ووصل التنديد إلى الدرجة التي لام فيها حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الدول الأوروبية على استقبالها وفد قيادات الجبهة الثورية المتمردة واعتبره تعبيرا عن دعم صريح لعدم الاستقرار في السودان وتشجيعا على مواصلة الحرب.

وتأتي اشتباكات الحكومة مع قوات الجبهة الثورية نتيجة حتمية للفراغ السياسي والأمني الناجم عن عجزهما في الوصول إلى اتفاق. فكلما ابتدرت لائحة منه يرجع الطرفان إلى مربع الحرب الأول. يعكس طول هذا الصراع الممتد بنسخته الجديدة إلى ما بعد انفصال الجنوب عام 2011 وتحويل مسرح الحرب من جنوب السودان الذي ذهب إلى دولة مستقلة، إلى مسرح آخر هو الجنوب الجديد الذي أبت تصاريف السياسة إلا أن تجعله وريثاً شرعياً للحرب بأوزارها. وتمتد ساحة القتال غرباً لتشمل إقليم دارفور الذي فشلت الجهود الدولية في إحلال السلام فيه .

تبدو هذه الأحداث متسلسلة بشكل لا تقطعه سوى بعض المفاجآت من هنا وهناك. هذا التسلسل خدمته تصريحات الرئيس عمر البشير في عدة لقاءات جماهيرية بأنّ نهاية العام ستكون نهاية للتمرد والحركات المسلحة.

ومنذ بداية تصريحات الرئيس ووعيده بالقضاء على الحركات المتمردة والذي كان جرس إنذار للجبهة الثورية، فقد تم عقد عدة اتفاقات دولية أمنية في ظاهرها وعسكرية في حقيقتها. الاتفاق الأول كان مع دولة الجنوب، فمنذ انفصال الجنوب كان بند فك الارتباط بين حكومة الجنوب والحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) العقبة التي تقف عندها الحكومة السودانية مع بقية البنود للنكوص عن أي سبيل لتنفيذ الاتفاقيات بين البلدين وأخيراً تم الاتفاق على ألا يتم الدعم للحركة بأي شكل من الأشكال.

غير أنّ الأهم استراتيجياً في هذه الفترة هو تطوّر وقع الأزمة على دولة جنوب السودان التي قامت بخطوة مفاجئة وهي حلّ الحركة الشعبية في الجنوب. وهذه الخطوة هي نتيجة لاتفاق تم بين الرئيسين السوداني عمر البشير ورئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت ومطالبة الحكومة السودانية بضرورة فك الارتباط بقطاع الشمال حتى يتم الاتفاق بين الطرفين. هذه الضربة موجعة بالنسبة لقطاع الشمال وستجعل الجبهة تواجه تحديات مقبلة صعبة، إذ ستحاط بين مركزي ثقل العمليات العسكرية من دولتي السودان وجنوب السودان.

أما الاتفاق الآخر فكان مع دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى وذلك بتكوين قوات مشتركة لمواجهة المتمردين، حيث تمت إحاطة الحركات المسلحة ومحاصرتها من جهة الغرب في دارفور. أما من جهة الشرق فقد قامت الحكومتان السودانية والأثيوبية بعقد اتفاق للمساعدة على القضاء على متمردي البلدين، بقطع الطريق على الحركة الشعبية التي عملت على توسيع سيطرتها على المنطقة الحدودية المتاخمة لأثيوبيا، ومحاربة متمردي الأرومو الأثيوبية على الحدود السودانية من جهة العمق السوداني في نفس الوقت. وبهذا الوضع فسوف يؤدّي أي تصعيد للقتال إلى زيادة التدفّق عبر الحدود لمقاتلي المعارضة المسلحة في اتجاه، واللاجئين في اتجاه معاكس مما يشكّل تحديا فوريا بالنسبة إلى الحكومتين معا لن يزول إلا بالقضاء على الحركتين. يخلص بعض المراقبين إلى أنّ الجبهة الثورية هي الخاسر بكل المعايير، ولكن بالنظر في تعقيدات السياسة السودانية، فإنه لا تزال هناك فرصة للمفاجأة. قد تكون مفاجأة أعنف من تأزم العلاقة بين الحكومة والحركات المتمردة المسلحة، وأعمق غوراً من علاقات السودان المضطربة مع جيرانه.


كاتبة سودانية

9