الجبهة الشعبية في تونس بين المرونة والراديكالية

تعاني الجبهة الشعبية في تونس من أزمة متعددة الأوجه والأبعاد، ويوجد بها تياران، الأول يدعو إلى مرونة أكثر في التعامل مع الوضع السياسي القائم، والثاني، وهو المسيطر، متمسك بمواقفه السابقة القائمة على مقولات أيديولوجية “عفا عنها الزمن”، على حد تعبير البعض.
الأحد 2016/09/11
هل يفقد حمة الهمامي موقعه في الجبهة

تونس - أحدثت تصريحات القيادي في الجبهة الشعبية التونسية منجي الرحوي رجة نفسية قوية داخل الجبهة اليسارية، دفعت بالبعض إلى مهاجمته والبعض الآخر إلى الإشادة به.

وللمرة الأولى يخرج أحد قيادات الجبهة (تحالف لقوى يسارية وقومية) منذ تشكلها في العام 2012، معلنا “التمرد” على طريقة تعاطيها وتفاعلها مع الواقع التونسي.

وقال القيادي الجبهوي منجي الرحوي “الجبهة الشعبية في عزلة سياسية ومصرّة على مواصلة موقفها مما سيعمق هذه العزلة وعلى مناضليها التحرّك قبل فوات الأوان”.

وأشار الرحوي إلى أنّ تونس في وضع حالك وسيء جدا يتطلب العمل والجهد ولا يجب أن تكون الجبهة في وضع المواجهة الدائمة، مضيفا “نحن لن نستفيد من فشل حكومة يوسف الشاهد لأن ذلك سيعود بالمضرّة على تونس وعلى كلّ الأحزاب السياسيّة” حسب تعبيره.

وأعلنت الجبهة الشعبية عن تحفظها على حكومة يوسف الشاهد الوليدة، وكان موقفا متوقعا منها، باعتبار أنها ترى أن هذا تغيّر شكلي في الحياة السياسية التونسية لا يرقي إلى المضمون، وأن مجرد استبدال حكومة بأخرى بنفس الروح والبرامج لن يزيد الوضع إلا تعقيدا، خاصة من الناحية الاقتصادية.

وسبق وأن تبنت الجبهة نفس الموقف مع الحكومات السابقة، رغم تسجيل بعض الاعتراضات داخلها (خاصة مع حكومة مهدي جمعة) تطالب بضرورة التعامل بمرونة وبراغماتية أكثر مع الوضع السياسي القائم.

وجدير بالذكر أن يوسف الشاهد سبق وأن طرح مشاركة الجبهة في حكومته، ولكنه قوبل بالصد، بالمقابل خيرت بعض الشخصيات اليسارية ومنهم منجي الرحوي التفاعل مع العرض (بصفة شخصية) حيث أجرى لقاءات مع رئيس الحكومة، قبل أن يعلن التزامه المبدئي بموقف الجبهة.

وقد لاقت اجتماعات الرحوي مع الشاهد انتقادات كثيرة خاصة من طرف حزب العمال الذي يتولى أمينه العام حمة الهمامي مهمة الناطق الرسمي باسم الجبهة.

واستنكر الرحوي في معرض تصريحاته المثيرة رفض مجلس أمناء الجبهة الاجتماع برئيس الحكومة ومناقشته حول حكومة الوحدة الوطنية.

وقال الرحوي، وهو أيضا عضو المكتب السياسي في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد “كان يتعيّن على الجبهة أن تشارك لإحراج الشاهد من ناحية وحتى تكون مشاركتها ايجابية من ناحية أخرى وأن تصارح الشعب بما تمّ التوصل إليه فيما بعد”.

واستغرب منجي الرحوي من البيانات التي تطلقها القيادة المركزية لحزبه حول رفضها المشاركة في اجتماعات حكومة الوحدة الوطنية، واصفا إيّاها بالغريبة “التي لا يقبلها عاقل”.

تصريحات الرحوي تعكس في واقع الأمر وجود هوة بين أقطاب الجبهة، وهي ليست وليدة الفترة الأخيرة، بل منذ تشكلها. فهناك داخل الجبهة المكونة من 10 أحزاب يسارية وقومية خلافات حول طريقة التعاطي مع الوضع الداخلي التونسي، كما أن هناك أزمة قيادة.

الجبهة الشعبية تعيش على وقع أزمة تنظيم وقيادة، ولا يخفى على المتابعين أن هناك تنافسا بين حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد على زعامتها

ويرى متابعون للشأن التونسي أن منطق حزب العمال التونسي (الشيوعي سابقا) المسيطر حاليا على الجبهة، لطالما اتسم بالتشدد خاصة لناحية المشاركة في الحكم بحضور الإسلاميين وظل حبيس مقولات أيديولوجية أنهكت الجبهة.

وقد فسح هذا المنطق “السلبي” وفق وصف البعض، الطريق أمام الإسلاميين وتحديدا حركة النهضة إلى المسك بزمام الأمور والحصول على حصة الأسد من السلطة والتغلغل داخل الإدارات والهياكل خاصة خلال حكم الترويكا.

ولطالما حصلت داخل التحالف اليساري تجاذبات بين مكوناته فشق يطالب بإبداء مرونة أكبر في التعامل مع المشهد القائم، فيما ينحو الشق الآخر بقيادة حزب العمال نحو الراديكالية.

والإشكال داخل الجبهة لا يقتصر فقط على هذه النقطة فهناك أزمة تنظيم وقيادة، ولا يخفى على المتابعين للمشهد السياسي في تونس أن هناك تنافسا بين حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين على زعامة الجبهة.

وهذا التنافس بين الطرفين ليس جديدا، ولطالما كلف اليسار بشكل عام الكثير، وفق رأي البعض.

ويرى البعض أن تصريحات الرحوي، وضعت الإصبع على الداء، إلا أنه كان من الأفضل معالجة الأمور داخل الجبهة وليس في العلن، لأنها قد تستثمر لضربها.

وقال هيثم التباسي عضو المكتب السياسي المكلف بالإعلام في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد لـ”العرب” إن تصريحات الرحوي تحمل الكثير من الوجاهة، ولكن كان الأجدر مناقشتها داخل هياكل الجبهة، وليس في العلن.

وأوضح التباسي أن الحزب ينأى بنفسه عن هذه التصريحات خاصة تلك المتعلقة بالناطق الرسمي للجبهة حمة الهمامي، مشددا على أن ما قاله الرحوي يعبّر عن رأيه الخاص.

ولفت عضو المكتب السياسي في حزب الوطنيين الديمقراطيين إلى إن المطالبات بإبداء مرونة سياسية أكبر ليست جديدة وقد تم طرحها في أكثر من مناسبة، وآخرها في الندوة الوطنية التي عقدت بالحمامات (شمال) أخيرا.

وشدد التباسي على أن ما أثاره الرحوي، وإن كانت لديهم بعض التحفظات عليه، ربما قد يدفع باتجاه تجاوز الهنات داخل الجبهة وخاصة على المستوى التنظيمي.

وأعلن الجيلاني الهمامي، النائب بالبرلمان والقيادي بالجبهة الشعبية، مؤخرا أن المجلس المركزي للجبهة، سينظر خلال الأسبوع القادم في مسألة استئناف تطبيق الخطة التنظيمية التي كانت الجبهة قد انطلقت فيها بالجهات خلال شهر جوان 2016، وذلك لاستكمال الخطوات الضرورية للجانب التنظيمي.

2