الجحيم السوري

السبت 2016/02/06

استخدم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مفردة الجحيم للتعبير عن فداحة الوضع الذي آلت إليه سوريا بعد قرابة خمس سنوات من الصراع الدامي الذي يزداد اشتعالا يوما بعد يوم، دون أن تمتلك المنظمة الأممية التي يرأسها أي تصور لحل يفضي إلى إحلال السلام ووقف نزيف الدماء.

ويأتي تعليق بان كي مون في أعقاب انتهاء الجولة الأولى من محادثات جنيف 3 التي لم تفض إلى شيء يذكر، وبدا واضحا أن المبعوث الأممي ستافان دي مستورا كان يخفي خيبة أمله من عدم قدرته على جمع المتناحرين في جلسة واحدة، بل اكتفى على مدى أربعة أيام بالتنقل بين مكاني إقامتيهما، ومحاولة تقريب وجهات النظر، لكنه كان يدرك منذ البداية أن مهمته تلك شبه مستحيلة لأن وفد النظام أتى إلى جنيف بإعلان حرب واضح وهو لم يعلن رغبته ولو مرة واحدة في الوصول إلى حل سلمي.

بالمقابل فإن وفد المعارضة كان قد وضع شرطا أساسيا تطبيق القرار 2254 والمتعلق تحديدا بوقف الأعمال العسكرية ورفع الحصار عن المناطق والسماح بدخول المساعدات، وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق في القريب العاجل كما تشير إلى ذلك التطورات الميدانية التي تؤكد أن الحرب ربما تكون في بدايتها وأن كل ما مضى كان مجرد تمهيد لا أكثر.

فقد رفعت الطائرات الروسية من وتيرة القصف الذي كانت تنفذه، على الرغم من إعلان موسكو أنها جادة في الوصول إلى السلام، لكنها لن تتوقف عن قتال من تصفهم بالإرهابيين فيما يشكل المدنيون ما نسبته سبعين بالمئة من ضحاياها، وهي تؤمن غطاء جويا كثيفا لقوات النظام المدعومة بميليشيات إيرانية للتقدم والاستيلاء على المزيد من المناطق، وسط الضعف الملموس في تسليح كتائب الثوار.

ولعل انتهاج سياسة القضم البطيء على الأرض بدأت تأتي أكلها في الآونة الأخيرة خاصة مع تهاوي مناطق كانت خاضعة لسيطرة الثوار منذ سنوات ثلاث على الأقل، وقد تسبب القصف الروسي المتواصل في موجة نزوح جديدة باتجاه الأراضي التركية، والتي لم يعد خافيا رغبتها بالانقضاض هي الأخرى على الكيان المفتت واقتناص ما يمكنها اقتناصه قبل أن تصل متأخرة، لذلك فإن التحرك العسكري التركي بدأ يأخذ شكلا منظما أكثر في المناطق الحدودية، وإن كانت أنقرة مازالت تعلن أنها غير مهتمة أصلا بالتدخل عسكريا وإن هاجسها الوحيد هو حماية حدودها من المتسللين، الذين تقول إنهم باتوا يؤرقون أمنها الداخلي، وهو ما لم تعلنه خلال السنوات الماضية.

لا تستطيع روسيا على الضفة الأخرى أن تدعي أنها تمكنت من الحد من قدرة تنظيم داعش أو سيطرته، فمن الواضح أن التنظيم مازال يتمتع بقدرته كاملة وهو يضيق بالمقابل على كتائب الثوار ويشكل ضغطا إضافيا عليها، دون أن تشكل ضربات التحالف الدولي بقيادة واشنطن أي فارق في المعادلة، رغم ادعاءات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، المتكررة أن داعش فقد الكثير من قدراته، ليعود بعد ذلك ويقول إن داعش مازال يشكل الخطر الأكبر.

وقد فجر المستشار في مكتب وزير الدفاع السعودي العميد الركن أحمد عسيري قنبلة من العيار الثقيل حين قال إن العمليات الجوية لا تستطيع هزيمة التنظيم، مقترحا إرسال قوات برية إلى سوريا لأجل محاربة داعش.

عسيري ألقى الكرة في الملعب الأميركي حين أكد أن بلاده مستعدة لإرسال قوات برية للمشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش. وسوف تنتظر الرياض ردا أميركيا للتحرك، ما يعني أن مساحة الحرب في سوريا مرشحة للتوسع أكثر فأكثر، وأن موعد الخامس والعشرين من فبراير الذي حدده دي مستورا للعودة إلى جنيف من أجل مواصلة التفاوض لن يكون مختلفاً عن الاجتماع المنصرم والذي لم يحقق أي شيء.

وسط كل هذا يبدو نظام دمشق مطمئنا وهو ينتظر بفارغ الصبر أن تنجز القوات الروسية مهمتها في رسم حدود دويلته “العلوية” التي تحدث عنها وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، دون أن يكون مكترثا بهذا الجحيم الذي يعيشه الملايين من السوريين سواء داخل أسوار دويلته أو خارجها.

كاتب سوري

9