الجحيم ينمو ويترعرع قاتما في لوحات بيترام شلش

بصيص من الأمل يعبر كلمات ولوحات الفنان بيترام شلش  ولكنه لا يلبث أن يتبخر في جفاف الجوّ المُسيطر، جفاف ترابي المزاج يكاد زائر معرضه أن يتنشّق رائحته.
الثلاثاء 2019/04/23
الطبيعة موطن الجحيم ومركز تجلياته

افتتحت صالة “آرت لاب” بالعاصمة اللبنانية بيروت، مؤخرا،  معرضا للفنان اللبناني بيترام شلش تحت عنوان “في الصباح التالي”، شمل المعرض مجموعة من أعماله الجديدة جاءت بمختلف الأحجام وغابت عنها هذه المرة منحوتاته المُبتكرة، غيابا ليس كليّا، إذ أرسل الفنان منحوتاته إلى قماش لوحاته لتكون خلفيات المشاهد وموضوعها في آن واحد.

بيروت- يقدم الفنان اللبناني بيترام شلش معرضه الجديد “في الصباح التالي” والمقام حاليا بصالة “آرت لاب” اللبنانية، بهذه الكلمات “في أحلامي، أعبر وحيدا مكانا موحشا، غير أن الأضواء المنسابة من المدن المدمرة، والحقول المحروقة، والأشجار المشتعلة، والقلوب الممزقة تهمس لي، ربما، بأن ما أراه هو ليس إلاّ بداية ليوم جديد.. لصباح أفضل”.

بصيص من الأمل يعبر كلمات ولوحات الفنان، ولكنه لا يلبث أن يتبخر في جفاف الجوّ المُسيطر، جفاف ترابي المزاج يكاد زائر المعرض أن يتنشّق رائحته.

مباشرة وإفصاح

حافظ بيترام شلش في معرضه هذا على نزعته المقوّضة للعالم الخارجي، ولكن هذه المرة بشكل مباشر وليس من خلال استقدامه لأشهر اللوحات الكلاسيكية وإعادة تشكيلها بشكل غير معهود ومُحمل بالرموز والرؤى الأبوكاليبتيكية.

وفي معرضه الجديد توقف الفنان عن طرح أسئلته الملحة التي قدمها سابقا والتي تتوجه إلى ذاته وإلى مُتلقي فنه، وأهمها مرتبطة بماهية الإختلاف ما بين الكذب والتأويل وما بين الكابوسي والفردوسي وما بين الفن والواقع.

بدا شلش الذي ينتمي إلى جيل ما بعد الحرب اللبنانية أنه قد عقد العزم على الإفصاح عن رأيه بما يراه من حوله وما استشعره واستنتجه من قراءاته واضطلاعاته عن زمن الحرب اللبنانية، التي ارتقت في لاوعيه إلى معنى شامل تخطى حدود البلد الذي ينتمي إليه.

وتميزت المشاهد التي صورها الفنان بأنها منبسطة في وسط حيز من قماش مخصّص لبياض يحيط بها ولا تشوبه شائبة، هكذا بدت لوحاته أشبه بمسرودات من ضمن مخطوطات معاصرة تحكي سيرة عالم غارق دون تخبّط في لحظات أفوله.

لوحات كابوسية تدعو إلى مواجهة العالم دون زيف
لوحات كابوسية تدعو إلى مواجهة العالم دون زيف

ثمة مفارقة واضحة في لوحاته، ففي حين ينحى معظم الفنانين إلى رسم الطبيعة على أنها الملاذ الوحيد في زمن الباطون والنفوس الملوثة يجعل الفنان بيترام شلش من الطبيعة موطن الجحيم ومركز تجلياته، ففي رحلته الفنية المبنية على تقويض المظاهر المباشرة توصل الفنان إلى جعل العالم المصوّر كثير الصدق مع حقيقته الباطنية، ففي كل مشاهد الفنان المعروضة في الصالة دعوة صريحة للمُتلقي بأن يواجه الواقع اللبناني بشكل خاص وواقع العالم بشكل عام دون أي زيف أو محاولة تجميل واهية.

في لوحاته يعثر زائر المعرض على كل ما يمكن اعتباره عناصر مؤلفة لمشهد طبيعي، هناك السماء المشحونة بطاقة ضاغطة وأغصان الأشجار التي تشبه بعضها هامات بشرية، وهناك التراب ذو حمرة بنفسجية حينا ومائلة إلى لون التراب المحروق حينا آخر، كما تحضر الحشائش البرية بكثرة ومعظمها خيالات، وتحضر أيضا الحجارة والصخور المُتسلقة على بعضها البعض والأشواك المتناثرة والمُلتفة على ذاتها، وهناك أيضا الفيء والضوء دون حضور الشمس أو غيابها في مشاهد ذات مزاج ليلي وليست ليلية البتة.

ما وضعه شلش أمامنا هو صيغة جديدة وكابوسية للعيش ساهمنا في صناعتها كلبنانيين بشكل خاص وكبشر بشكل عام، صيغة جحيمية مستوحاة من أجواء البراكين التي همدت للتوّ ولحين قصير، وتأخذنا في ذلك إلى عمل فني/شعري آخر حققه المخرج الياباني أكيرا كوروساوا سنة 1990 في فيلمه المعنون بـ”الأحلام” في المشهد الأخير الذي يجسد فيه المخرج رؤياه الدرامية لآثار القنبلة النووية، ومن ضمنها التلوث البيئي الذي أوحى له في تفصيل من الفيلم أن يجعل الأزهار أكبر من حجم الإنسان.

حزن غامض

تشبه لوحات بيترام شلش العديد من اللوحات التي تنتمي إلى الفن الرومنطيقي من حيث مسحة الحزن والغموض المُستشري في أرجائها وأبعادها مع اختلاف واحد، ما يرسمه الفنان اللبناني ليست فراديس منسية أو واحات حنين من ذكريات تلفت مع مرور الزمن ويود لو يعود إليها أو يستعيدها إلى حاضره، ما رسمه هو مشاهد جحيمية راسخة ولا لبس فيها، تنتفي عنها صفة الغنائية ويسودها رهاب ملوث بحمرة تذكر بلون الدماء المتخثرة.

إنها الطبيعة التي نشرب ونأكل منها ونعيش فيها حاضرنا الذي اعتدنا عليه، ومن هنا، ربما، هذا السكون الذي يلفح بجميع أجوائها دون استثناء، سكون لا يخلو من الغرائبية لأنه يدمج الموت بالحياة، فالنباتات التي زرعها الفنان في لوحاته هي لأغصان تبدو أنها يابسة ويغلب عليها أحيانا اللون الأسود، ولكنها أغصان حية تتحرك وتتمدد وتلتف وتنتصب صعودا في فراغ لوحات ليس بفراغ لشدة ما أشبعه شلش بألوان داكنة قابضة على النفس.

لوحات بيترام شلش بدت أشبه بمسرودات من ضمن مخطوطات معاصرة تحكي سيرة عالم غارق دون تخبط في لحظات أفوله

حالة الجمود أو المراوحة التي استطاع الفنان تشكيلها نفت بشكل قاطع عنصر الزمن ومروره، ممّا حرم هذه المشاهد المرسومة من أي إمكانية لأي تبدلات إيجابية قد تطرأ عليها.

وأمام لوحات بيترام شلش تحضرنا قصيدة للشاعر الفرنسي شارل بودلير، قصيدة تحمل عنوان “كآبة”، ترجم مقتطفاتها لسلمان عزام، وتقول: حين تنيخ السماء الواطئة والثقيلة كغطاء/ فوق روح تئن فريسة القلق الطويل/ ومن الأفق الذي يعانق الكون/ تمطرنا بنهار أسود أشد حزنا من الليل/ حين تتحول الأرض إلى زنزانة رطبة/ حيث يطير الأمل مثل وطواط/ فيصدم الجدران بجناحه الجافل/ ويضرب رأسه بالسقوف المعفنة (…)/ و”الأمل”، المهزوم يبكي، و”القلق” المبرّح الظالم/ ينحني فوق جمجمتي الراضخة ويزرع رايته السوداء؟”.

أجواء موصدة وحتمية، لا يهم إن حاول الفنان اللبناني بيترام شلش أن يحجز للأمل بالخلاص من هذه الأجواء مكانا بين سطور تقديمه للمعرض، ما يهم زائر معرضه هو أن يلتفت إلى اللحظة التي اشتغل عليها الفنان وتمظهرت في لوحات معلقة على جدران الصالة، اللحظة هي الكابوسية، والصرح، هو ليس إلاّ صرح الخراب المُنتشي بانتصاره.

16