الجدران المغلقة لا تصنع مبدعا متألقا بل كائنا متجهما

الحجر الصحي يحرم الرسام من الاشتياق إلى لوحته التشكيلية، والعازف إلى آلته الموسيقية، والكاتب إلى شخصياته الدرامية.
الأربعاء 2020/05/20
الملل لا يصنع الأمل (لوحة للفنانة التونسية شهلة سومر)

هل صحيح أنّ الكثير من الإبداعات الفنية تصنعه الرغبة في “قتل الوقت” التي يتسبّب فيها ذاك الإحساس الموحش الرهيب بالعجز والفراغ والملل؟ تساؤل زاد من مشروعية طرحه، تلك الاستبيانات والتحقيقات الصحافية التي تتوجه للكتاب والفنانين بسؤال موحد: ماذا تقرأ أو تسمع أو تكتب أو ترسم أو تشاهد، فترة حجرك الصحي؟

يبدو راسخا في أذهان بعض أصحاب الإعلام الفضولي، أنّ الحجر الصحي هو الظرف الأنسب للنشاط الإبداعي، والتثقيف الفكري، بوصفه حالة ملء للفراغ، ومقاومة للسأم التي تنتجها أيام العزلة.

هؤلاء على قناعة تامة، مفادها أن الملل هو “أفضل شياطين الإلهام”، فما أن يستفرد هذا الأخير بصاحبه، حتى يكون الإنتاج الإبداعي “ثالث الاثنين”، فكأنما فايروس كورونا قد أوجد “وادي عبقر” من نوع خاص، وفق ما تحدّث عنه ابن الشهيد الأندلسي في “رسالة التوابع والزوابع”.

حبس كوروني

يُخيّل لمستنطقي الفنانين في حجرهم أنهم سيظفرون بصيد إبداعي هائل، فور انسحاب الوباء من مدننا وأسواقنا لتحلّ محلّه حياة ثقافية سليمة ومتميزة، باعتبار أن المحبوسين في ديارهم قد استمتعوا بالوقت الكافي للتأمل والصفاء، ومن ثم يطلون على جمهورهم بكل ما هو جديد وخارق.

الحقيقة أن هذا الحجر الصحي المقيت، يشبه الإقامة الجبرية التي عادة ما تلزم بها المحاكم عتاة المعارضين من السياسيين في العالم الثالث بل يزيد عليها قهرا وحسرة، ذلك أن المرء يشعر بنفسه داخل سجن مفتوح الباب، لطيف السجان، وبرفقة أطفال ملولين وشريك زوجية يمزّقه الضيق مثله فيتحوّل إلى كائن نكدي لا يطاق.

فرانتس كافكا  خضع لحجر طوعي لا قسري، فجاءت أعماله تشبهه ودون تكلّف
فرانتس كافكا  خضع لحجر طوعي لا قسري، فجاءت أعماله تشبهه ودون تكلّف

الحبس الجنائي يمنحك إحساسا بالأمل الذي تستدرجه وتنمّيه بقراءات عشوائية وكتابات وجدانية، وكذلك تعلم مهارات يدوية، وربط صداقات إنسانية جديدة، توطّدها قناعتك أن مدة العقوبة ستنتهي يوما، وسوف يأتي يوم تقلب فيه صفحة جديدة من دفتر حياتك.

أما “الحبس الكوروني” فقد يعلمك الطبخ والشطف والغسل، لكن الفعل الإبداعي يصبح بلا روح ولا مزاج، وأشبه بتلك العقوبة المدرسية التي كانت تلزمنا صغارا بنسخ الدرس عدة مرات أو تلخيص كتاب لا نرغب في قراءته.. هذا، بالإضافة إلى أننا لا نعلم متى يُطلق سراحنا.

الحجر الصحي يحرم الرسام من الاشتياق إلى لوحته التشكيلية، والعازف إلى آلته الموسيقية، والكاتب إلى جلساته وجولاته وشخصياته الدرامية.. كما أنه يُغذّي لديك الإحساس بأنك تدفع ثمن غلطة لم ترتكبها فيولّد نوعا من الشعور بمظلومية تأخذ بعدا عبثيا.

متى يعلم الفضوليون والمتطفلون على الكتاب والفنانين في حجرهم أثناء هذه المحنة الوبائية، أن لا وجود لـ”إبداع إلزامي” وأن الفراغ لا يفضي إلاّ إلى الفراغ. حياة “مونوتونية” تسير على إيقاع ثقيل ولا تتجدّد فيها غير الأنفاس داخل جدران البيت.. البيت الذي لو كان مصدر إلهام لما اخترعت المقاهي والمطاعم والحانات، وحتى الفنادق وصالات العرض، ولما طربنا لصرخات الباعة وأحببنا الأرصفة وأهلها وعشاقها.

قديما لزم أبوالعلاء المعري بيته قصدا، وأجبر رهين المحبسين، نفسه في موقف يجنح نحو الزهد، وازدراء الحياة كما فعل فلاسفة البراهمة والكهان والمتعبّدون، وكذلك فعل كافكا وشوبنهاور، وباخ، لكن هؤلاء خضعوا لحجر طوعي لا قسري، فجاءت أعمالهم تشبههم ودون تكلّف.

أما من كتبوا في المنافي والسجون فكانوا متسلحين بالإصرار على إيصال الرسالة التي ناضلوا من أجلها، فأي رسالة يدفعنا كورونا إلى إيصالها غير الخوف من الموت.. مجرّد الخوف من الموت؟

تسلية أم تعزية

كتب

لا شك أن الحياة رسالة نبيلة، لكن “صناديق البريد” مختلفة، متنوعة ومتعدّدة الوجهات والغايات والنوايا.. إنها رسالة تُكتب بطريقة غريزية، لا أكثر ولا أقل. أما الذين يسعون للإفادة والاستفادة في حجرهم، فهم جماعة يستثمرون في الوقت الذي لا يريدون سفحه في عد الأحجار ومراقبة الغيوم.

ولعل ألمع مثال على ذلك في تاريخ الأدب العربي، هو ما فعله الشاعر أبوتمام، في “ديوان الحماسة”، إذ جمع بين دفتي هذا الكتاب الذي ألّفه حين انقطعت به سبل العودة إلى البيت، من أشعار العرب ما يقرب من أربعةِ آلاف بيت، اختارها لعشراتٍ من الشعراءِ في أغراض مختلفة تجمع بين التسلية والطرافة، وبوّبها إلى عشرة أبواب في دقة وتأن.

التاريخ يروي أن أبا تمام، وفي طريقه بهمَذَان، هَطلَ ثلجٌ غزير، فنزل عند صديق له ميسور الحال، ومَكنَهُ الأخير منْ خزانة كتبه الغنيةً العامرة، فأخذ أبوتمام يقرأ ويُصنِّف، طيلة الأيام التي كان ينتظر فيها ذوبان الثلج.

الجدير بالاهتمام هو أن أبا تمام، لم يكتب في حجره القسري هذا، إبداعا شعريا خالصا بل بذل جهدا أرشيفيا فرضه استغلال الوقت والهروب من الملل، ثم أنه لم يكن خائفا متوجسا من مرض ما، بالإضافة ـ وهذا الأهم من ذلك كله ـ أنه كان في بيت مترف الثراء، وليس مع زوجته التي ربما كانت ستنكّد عليه عيشه بطلباتها وتذمّرها وخصوماتها.

متى يعلم الفضوليون والمتطفلون على الكتاب والفنانين في حجرهم أثناء هذه المحنة الوبائية، أن لا وجود لـ”إبداع إلزامي” وأن الفراغ لا يفضي إلاّ إلى الفراغ

متى نعلم أن الملل لا يصنع الأمل الذي منه يزهر الإبداع بل قد يُحبط العزائم ويُضعف الهمم، ذلك أن الإنتاج الفني يحتاج إلى حرية التنقل بين الأمكنة (وليس التنقل بين المطبخ والصالون)، بالإضافة إلى التعرّف إلى الناس الآخرين (وليس الاكتفاء بشريك الزوجية).

وسائل الاتصال الحديثة وما تزخر به من كتابات وتعليقات وعروض شبه فنية، ليست بديلا ولا حلا لمواجهة ما يفرضه هذا الفايروس الظالم وهو يحاصرنا، وإنما هي شكل من أشكال التسلية التي تأخذ شكل التعزية.. وأغلب الظن أن غالبية من الناس سوف تهجر السوشيال ميديا، لفترة طويلة، وتضعف علاقتهم بها بعد انقضاء الحصار.

حصار الاحتلال الإسرائيلي للمخيمات الفلسطينية أثمر فنا وإبداعا وتشبثا بالحقوق الوطنية، لكن حصار كورونا صنع نفسيات متجهمة، ونظرات نزقة تختفي تحت الأقنعة والكمامات، لكنه حتما، سوف يُفرز بعد زواله، ابتهاجا واحتفاء بالحياة على المدى المتوسط والبعيد، وذلك أسوة بما حدث بين الحربين الأولى والثانية.

نعم، سوف “تُعربد” البشرية مثل بحّارة عادوا إلى اليابسة وقد نجوا من الغرق بعد عاصفة.الفن إبداع

15