الجدل الأوروبي يحتدم حول إمكانية تسلل إرهابيين مع المهاجرين غير الشرعيين

الثلاثاء 2015/09/01
الهجرة غير الشرعية كابوس يؤرق أوروبا

مع تعاظم أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا في الآونة الأخيرة، وكثرة المآسي الإنسانية المنجرة عن رحلات الموت من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي أرهقتها الحروب، أصبحت مخاوف الأجهزة الأمنية وأجهزة الغوث ومصالح اللجوء في حالة من العمل المستمر حول العديد من المحاور التي تتعلق باللجوء والهجرة. لكن الملفت للانتباه في الآونة الأخيرة، هو التصريحات المستمرة للقادة الأمنيين والعسكريين الذين يحذرون من تسلل إرهابيين إلى التراب الأوروبي رفقة جحافل اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين. وتبعا لذلك، تؤكد العديد من التقارير الميدانية أن الحركة السياسية في أوروبا تأثرت بطبيعتها بالتصريحات الأمنية والإستخبارية التي تحذر من دخول عناصر متشددة مع المهاجرين، خاصة في صفوف الأحزاب والجماعات اليمينية والمتطرفين الذين يعلنون رفضهم للهجرة إلى بلادهم وطلب اللجوء فيها.

فقد أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو ينس شتولتنبرغ أن خطر تمدد التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط خاصة تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية يمكن أن يؤدي إلى تسلل عناصره إلى أوروبا عبر مسالك العبور غير الشرعية وعبر التخفي داخل مجموعات اللاجئين القادمة بالمئات كل يوم من هناك. لكن الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية بالمعهد الملكي بلندن شيراز ماهر يؤكد أن التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للناتو ليست في محلها، فالتنظيمات الإرهابية في الشرق العربي تسعى إلى الاستقطاب من أوروبا وليس تصدير عناصرها إليها.

الإرهابيون يتسللون مع اللاجئين في الرحلات غير الشرعية

ينس شتولتنبرغ: سياسي نرويجي وعضو سابق في حزب العمال النرويجي ووزير الدولة سنة 2000، انتخب سنة 2014 أمينا عاما لحلف شمال الأطلسي خلفا لأندرس فوغ راسموسن

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس شتولتنبرغ في تصريحات صحفية له عند سؤاله عن مآلات تدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا بالحجم الكبير في الآونة الأخيرة “إن خطر دفع تنظيمات مثل الدولة الإسلامية ببعض المتشددين للتسلل إلى أوروبا بين صفوف موجة المهاجرين الهائلة يعد خطرا مقدرا بحجم الإشارات السياسية التي تنبه إليه، فالأمر أشبه بهجرة عكسية الآن من الشرق الأوسط إلى أوروبا للقيام بهجمات أكثر تركيزا وكثافة من ذي قبل، وهذا الأمر يتطلب يقظة استثنائية من كل الأجهزة الأمنية والإستخبارية وحتى العسكرية”.

وتوضح الوكالة المسؤولة عن إدارة الحدود في الاتحاد الأوروبي (فرونتكس) أن أكثر من ثلث مليون مهاجر ولاجئ دخلوا الاتحاد الأوروبي هذا العام أغلبهم عن طريق إيطاليا واليونان والمجر بنهاية شهر يوليو الماضى.
وقال شتولتنبرغ في هذا السياق “ما إن يدخل الوافدون الجدد إلى منطقة شنغن حتى يصبح من حقهم السفر عبر 26 دولة دون قيد أو شرط، والكثير من هؤلاء الوافدين من دول مثل سوريا والعراق حيث يتمتع تنظيم الدولة الإسلامية بالنفوذ في مناطق شاسعة”.
وأضاف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أن الدخول مع اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي أمر خطير للغاية، إذ لا يمكن للسلطات التي تستقبل هؤلاء التثبت من انتماء الأشخاص الوافدين إلى تنظيمات إرهابية، فالأمر يتطلب قدرات إستخبارية عالية جدا، أو مستحيلة”، مؤكدا أن قاعدة البيانات التي لدى الأجهزة الأمنية عادة ما تحتوي أسماء وصورا لأشخاص، لا يمكن التثبت منها مع أناس دخلوا التراب الأوروبي وليست لهم أوراق ثبوتية أو هويات شخصية.
إن خطر دفع تنظيمات مثل الدولة الإسلامية ببعض المتشددين للتسلل إلى أوروبا بين صفوف موجة المهاجرين يعد خطرا شديدا

وأضاف شتولتنبرغ معرجا على الانعكاسات السياسية في الداخل الأوروبي من قضية اللاجئين، قائلا إنه “من الطبيعي وجود ردود أفعال على التدفق غير المسبوق بطالبي اللجوء، لن ندخل في التقييم فهذا شأن آخر، ولكن علينا أن ندرك أن القضية ليست بسيطة، بل هي قضية شائكة ومركبة، ومن الطبيعي الالتقاء مع مواقف متباينة”.

وأضاف قائلا “دفعت موجات الهجرة أحزابا مناهضة لها مثل رابطة الشمال في إيطاليا وحزب الاستقلال في بريطانيا لإصدار تحذيرات شديدة من خطر تسلل متشددين بين المهاجرين”.

“بالطبع ربما يكون هناك مقاتلون أجانب. ربما يحاول إرهابيون الاختباء للاندماج بين المهاجرين”، بهذه الطريقة أجاب ينس شتولتنبرغ على سؤال كيفية التسلل إلى التراب الأوروبي عبر اليونان أو إيطاليا أو صربيا، وقال شتولتنبرغ “إن الدخول إلى الأراضي الأوروبية أمر محفوف بالمخاطر، إذ يعبر هؤلاء مسافة طويلة في البحر عبر معدات بسيطة، أغلبها مخصص للصيد أو النزهات القريبة، لكنهم يقطعون بها أميالا بحرية عديدة، وهذا الأمر يتطلب قوة وإرادة، فإذا كان القادمون إلى أوروبا هاربين من توحش الحروب هناك، فإن الأكيد أن هناك آخرين لهم أهداف أخرى في القدوم”.

وأشار إلى أن حلف شمال الأطلسي له إمكانيات تمكن كل الخيارات من التنفيذ، وقال إنه على الأوروبيين أن يقرروا أي خطة أو منهج سوف يسلكون، مضيفا “هذا يشير إلى أهمية معالجة هذه الاضطرابات وهذا التهديد، بطرق مختلفة” مؤكدا أن “الحلف الأطلسي يسعى ‏إلى معالجة جذور مشكلة الهجرة غير الشرعية من خلال العمل مع شركاء سواء في الشرق الأوسط أو في شمال أفريقيا ‏لمساعدتهم على زيادة قدراتهم وإحلال الاستقرار”. وقد أشار شتولتنبرغ إلى أن المساعي الأمنية للحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية تمر عبر مراقبة اللاجئين.

لا حاجة للإرهابيين بالتسلل إلى أوروبا بطرق غير شرعية

شيراز ماهر: باحث بالمركز الدولي لدراسة التطرف في الكلية الملكية بلندن متخصص في المجموعات الإرهابية الدينية، أستاذ زائر سابق في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى

“مثل هذه التحذيرات تقابل بالريبة من جانب الخبراء الأمنيين الذين يشيرون إلى أن تدفق المقاتلين ظل في الأساس في الاتجاه المعاكس أي من أوروبا صوب الشرق الأوسط وليس من الشرق الأوسط إلى أوروبا”.

بهذا التصريح، أكد شيراز ماهر خبير التطرف في الكلية الملكية بلندن في لندن أن ما ذهبت إليه الأجهزة الأمنية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي في التخوف من تسرب إرهابيين مع موجات المهاجرين واللاجئين “أمر مستبعد ولا خوف منه بهذه الطريقة” قائلا إن التحسبات الأمنية أمر طبيعي ولكن لا يجب الذهاب بعيدا في ذلك. وقال شيراز ماهر “لا حاجة للدولة الإسلامية لتصدير مقاتلين إلى أوروبا لأنها تستورد المقاتلين من أوروبا”. وأضاف “يوجد من خمسة إلى ستة آلاف أوروبي إما كانوا موجودين في سوريا أو زاروها وغيرهم يرحلون إليها طوال الوقت. لذلك فمن الصعب تبين الميزة التي تجعل الدولة الإسلامية تصدر السوريين أو العراقيين الذين يتكلمون العربية ويعرفون العراق وسوريا والذين تحتاج إليهم هناك، وليس في أوروبا”.

أما بالنسبة إلى المتطوعين الأوروبيين الذي تدربوا وقاتلوا في العراق أو في سوريا ويريدون العودة إلى بلادهم خلسة دون أن يكتشف أحد أمرهم ففكرة الاختباء بين مجموعات كبيرة من المهاجرين قد تبدو مغرية بعض الشيء، لكن مخاطرها كبيرة، وهو ما أكده الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية شيراز ماهر، وأضاف قائلا “هلك ما يقرب من 3600 شخص وهم يحاولون الوصول إلى إيطاليا واليونان وأسبانيا عن طريق البحر خلال الاثني عشر شهرا الأخيرة حسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة حتى قبل أنباء غرق سفينة أخرى قبالة الساحل الليبي يوم الخميس الماضي واكتشاف جثث 71 لاجئا في شاحنة بالنمسا، وحتى من يكملون الرحلة إلى أوروبا فهم يواجهون ظروفا مروعة في الطريق وكذلك احتمال اعتقالهم والتثبت من بياناتهم عند الوصول”.

وأضاف شيراز ماهر “هذه الطريقة، أي طريقة الدخول إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية والاختفاء وسط اللاجئين، أمر مستبعد ومعقدة للغاية لكي يصل بها الإرهابيون إلى الاتحاد الأوروبي، وهناك طرق أسهل بكثير للتسلل إليه”. وقال ماهر إن الشرطة الإيطالية تمكنت من القبض على شخص واحد فقط يشتبه في أنه تورط في الهجوم الإرهابي على باردو التونسية مؤخرا، وهو حالة فقط من مئات الآلاف الذين دخلوا أوروبا لاجئين، “الأمر الذي يرجح عدم انتهاج الإرهابيين لخطة التسلل ضمن اللاجئين”.

ثمة سبب آخر حسب قول شيراز ماهر يجعل الدولة الإسلامية في غنى عن التفكير كثيرا في تهريب بعض الناس إلى أوروبا وهو أنه لا يوجد نقص في الذئاب المنفردة من المتشددين في أوروبا، فمن بروكسل وباريس إلى كوبنهاغن وقعت اعتداءات قاتلة ارتكبها أشخاص يعيشون في أوروبا ويمكنهم السفر بحرية عبر القارة الأوروبية.

لا حاجة للدولة الإسلامية لتصدير مقاتلين إلى أوروبا لأنها تستوردهم منها ويوجد من خمسة إلى ستة آلاف أوروبي في سوريا والعراق الآن

وقال ماهر “كمّ الناس الذين على اتصال بالدولة الإسلامية، لا الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق بل المتعاطفين الذين قرروا التحرك في أوروبا، وليس الذين قدموا من وراء البحر، هو ما يبقي الأجهزة الأمنية على يقظتها في أوروبا. الأمر لا يحتاج أن نفكر في المتشددين مع أناس جزء كبير منهم هارب من التطرف والعنف باسم الدين”. ويقول شيراز ماهر “إن فكرة استغلال تنظيم الدولة الإسلامية لأزمة الهجرة لتهريب عملاء إلى أوروبا ليست مستحيلة لكنها أمر مستبعد وفق السياق الذي نحن عليه اليوم، وما نلاحظه هذه الأيام في الخطاب الإعلامي، أن اليمين في أوروبا هو الذي يتصدر هذه الحملة لحسابات تخصه”، وأضاف “لا توجد حاجة ملحة لإرسال أشخاص الآن. وربما يتغير ذلك بمرور الوقت”.

وأضاف شيراز ماهر قائلا إن وضعية الاجئين في حد ذاتها تعتبر تحديا لهم بشكل خاص، فإجراءات توزيعهم على المخيمات وكيفية اعطائهم رخص التنقل والحركة داخل الأطر الأوروبية التي هم عليها "لا تترك هامشا مناسبا لحركة مرينة من الناحية الأمنية".

ويؤكد ماهر أن التدقيق الأمني في اللاجئين يعد نقطة مهمة أيضا في ما تقوم به الأجهزة الأمنية مع اللاجئين، "فهناك قاعدة بيانات لأسماء وصور بعض الأشخاص المطلوبين أو اللذين وضعت عليهم نقاط استفهام، يمكن أن يتم التحفظ عليهم فورا إذا مروا على سلك من أسلاك الأمن في أي معبر من المعابر التي نعرفها، سواء في اليونان أو إيطاليا أو صربيا".

ويعتر شيراز ماهر أن "الدعاية" التي يقوم بها بعض المسؤولون في الأجهزة الأمنية الداخلية والاتحادية والدولية مثل حلف الناتو تعود إلى خيارات سياسية تخص تلك الأجهزة، "ولا أعتقد أنها صحيحة".

الإرهاب الحقيقي يكمن في التجارة بحياة اللاجئين غير الشرعيين

فيينا- أعلنت الشرطة النمساوية أنها اعترضت شاحنة جديدة تقل مهاجرين متجنبة مأساة أخرى مرتبطة بأزمة الهجرة غير الشرعية. وقالت الشرطة في بيان إنه تم اعتراض الشاحنة في غرب النمسا وعلى متنها 26 مهاجرا غير شرعي بينهم ثلاثة أطفال يعانون جفافا، ووصفت حالتهم بأنها “سيئة جدا”. وأضافت “تم نقل الأطفال الثلاثة إلى المستشفى بسبب وضعهم الصحي البالغ السوء، وأفاد الأطباء أنه تمت معالجتهم من جفاف حاد”.

وقال متحدث باسم الشرطة في مقاطعة النمسا العليا في تصريح صحفي “لو تمت متابعة الرحلة لكان الوضع على الأرجح حرجا”. والشاحنة التي أوقفتها الشرطة بعد مطاردتها كانت تقل “26 أجنبيا في وضع غير قانوني” أتوا من سوريا وبنغلادش وأفغانستان قالوا أنهم يريدون التوجه إلى ألمانيا. ويأتي ذلك غداة العثور على جثث 71 شخصا في شاحنة متروكة على أحدا الطرق النمساوية السريعة قرب الحدود المجرية.

ومثل أربعة مشتبه بهم في هذه القضية أوقفوا في المجر أمام محكمة مجرية قضت بتمديد توقيفهم حتى 29 سبتمبر. ومثل الموقوفون وهم أفغاني وثلاثة بلغاريين أمام المحكمة في مدينة كيسكيميت الواقعة بين بودابست والحدود الصربية.

طريق البلقان الذي سلكه المهاجرون الذين ماتوا في النمسا يسلكه اللاجئون السوريون أو العراقيون الهاربون من الحرب

وقالت الشرطة النمساوية إنها تشتبه في أنهم “منفذون يعملون لحساب عصابة بلغارية مجرية لتهريب البشر”. وتقول تقارير صحفية إن النيابة المجرية طلبت أن يبقى الرجال الأربعة ويعتقد أن بينهم مالك الشاحنة وسوافها، قيد الاعتقال بسبب “الطبيعة الاستثنائية للجريمة” و”الموت الناجم عن الاتجار بالبشر” ولقيامهم “بنشاط إجرامي من خلال الاتجار بالبشر كما ولو أنه متاجرة بالبضائع. وتم تمديد توقيف المشتبه بهم حتى 29 سبتمبر على الأقل. وتشير المعطيات الأولية للتحقيق أن الـ71 قتيلا قضوا اختناقا في الشاحنة.

والعثور على الشاحنة في النمسا حلقة في سلسلة المآسي التي تسببت في الأشهر الأخيرة، خصوصا في البحر الأبيض المتوسط، في وفاة آلاف المهاجرين، وأحيانا عائلات بكاملها كانت هاربة من الحرب أو البؤس والتي سلمت مصيرها لشبكات المهربين عديمي الضمير.

وقتل مهاجر يبلغ من العمر 17 عاما نهاية الأسبوع الماضي بالرصاص أثناء مطاردة شرطة الموانئ اليونانية في بحر “إيجه” لمركب تهريب مهاجرين، بحسب ما أفاد بيان لوزارة البحرية التجارية. وبحسب المعلومات الأولية فإن مواجهات وإطلاق نار وقعا على متن المركب بين شرطيين وثلاثة مهربين أتراك قبل توقيفهم.

وتعقيبا على المأساة في النمسا وغرق مركب جديد قبالة السواحل الليبية، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن “صدمته” إزاء “هذه المأساة الإنسانية” التي لقي فيها 59 رجلا و8 نساء و4 أطفال حتفهم. مشيرا إلى أنها “أزمة تضامن وليست أزمة أرقام”.

وطريق البلقان الذي سلكه على الأرجح المهاجرون الذين عثر عليهم أمواتا في النمسا، يسلكه خصوصا اللاجئون السوريون أو العراقيون الهاربون من الحرب، وأيضا الألبان والكوسوفيون الساعون إلى حياة أفضل.

12