الجدل العربي باعتباره طريقا إلى التسامح

الثلاثاء 2014/05/27

يحفل المسرح العربي، خاصة بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي، بجدل حاد وصاخب حيال الكثير من ثوابت المسائل وفروعها. والسعودية، من ضمن مشاهد هذا المسرح، تشهد بدورها جدلا مستمرا حامي الوطيس تجاه الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المسكوت عنها، والتي أطلقت عقالها وسائل الإعلام الجديد لاسيما تويتر، الذي يعتبره السعوديون الآن برلمانهم الافتراضي الذي تعلو فيه أصواتهم بكل التقاءاتها وتناقضاتها ومفارقاتها. تلك الأصوات التي بقيت لعقود طويلة داخل رؤوسهم وداخل جدران بيوتهم ومجالسهم الخاصة.

وهذا يصدق تقريبا على كل شعوب الدول الخليجية والعربية التي اكتشفت فجأة، بفضل وسائل الاتصال الجديدة، أنها قادرة على التعبير الحر وعلى الجدل بعيدا عن غلواء مصادرة الأنظمة أو جماعات معينة لحقها في التفكير والتعبير عما تراه أصوب لحياتها وآخرتها. لقد سقط، بحق، ذلك الخوف من التعبير الحر الذي عرفه الإنسان العربي في عصره الحديث نتيجة للمارسات القمعية والتسلط الفئوي أو الحزبي.

وكان من الطبيعي أن تنشأ، تبعا لذلك، هذه الحالة من الجدل الحاد وغير المسبوق على المستوى العربي والمحلي، لكن ما يشغل الكثيرين الآن هو البحث، في خضم هذا الجدل، عن طرق للتسامح أو البحث في ضرورات هذا التسامح وفرائضه الغائبه، خاصة وأننا نشهد شبه غياب، إن لم أقل غيابا تاما، لهذه الضرورات وهذه الفرائض.

وقبل أن أتحدث عن هذا التسامح، بل قبل أن أخوض في الأسباب التفصيلية عن فورة هذا الجدل العربي أريد أن ألفت الانتباه إلى أن الجدل، في حد ذاته، ليس آفة أو مثلمة أو بدعة، بل هو مطلوب ومحترم، كطريقة تعبير في تراثنا. على سبيل التمثيل وليس الحصر فقد وردت مادة (جدل) في سياقات محمودة لا ذم فيها ولا غضاضة ولا تثريب.. وذلك في قوله تعالى: “فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب”. “وجادلهم بالتي هي أحسن” “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.

وفي التراث العربي نصوص لا حصر لها تفسر الجدل، بل وتحتفي به. على سبيل المثال من كتاب شرح الكوكب المنير يقول الشارح: “إنما المراسم الجدلية تفصل بين الحق والباطل وتبين المستقيم من السقيم فمن لم يُحط بها علما كان في مناظراته كحاطب ليل”. وقال أيضا: “أول ما تجب البداءة به: حسن القصد في إظهار الحق طلبا لما عند الله تعالى فإن آنس من نفسه الحيد عن الغرض الصحيح فليكفها بجهده، فإن ملكها، وإلا فليترك المناظرة في ذلك المجلس، وليتق السباب والمنافرة فإنهما يضعان القدر ويكسبان الوزر، وإن زل خصمه فليوقفه على زلته غير مخجل له بالتشنيع عليه فإن أصر أمسك، إلا أن يكون ذلك الزلل مما يحاذر استقراره عند السامعين، فينبههم على الصواب فيه بألطف الوجوه جمعا بين المصلحتين”.

وبنتيجة هذه الشواهد المختزلة نجد أن الجدل مشروع، بل ومحمود متى خضع للضوابط وسعى إلى تحقيق المصلحة وتجنب المجادل التربّص والنكاية. وهو، في الوقت ذاته، مذموم متى قُصد به الانتصار على الآخر والفجور في الخصومة بغض النظر عن الحقائق والبراهين التي يطرحها هذا الآخر المختلف عقيدة أو مذهبا أو عرقا أو ثقافة.

هذا عن الجدل باعتباره مادة لفظية ملتبسة بين الناس. أما التسامح فيكتسب مفاهيم ومعاني طرحها كثير من علماء الاجتماع والفلاسفة، قديما وحديثا، وهي لا تكاد تختلف بين دارس أو مفكر وآخر، مما يدل على أن النظرة الإنسانية إلى قيمة التسامح واحدة.. ولا يحدث الاختلاف حولها إلا تعسفا أو مكابرة أو تعمدا للخداع والمراوغة من أجل تبرير الاعتداء على حقوق الآخرين لتحقيق مكاسب للمعتدي على هذه الحقوق.

وعلى سبيل المثال فقد وضع جورج صليبا في معجمه الفلسفي الشهير ثلاثة معان (أبعاد) للتسامح هي: احتمال المرء، بلا اعتراض، كل اعتداء على حقوقه الدقيقة بالرغم من قدرته على دفعه، أو هو تغاضي السلطة (بمفهومها الفلسفي) بموجب العرف عن مخالفة القوانين التي عهد إليها تطبيقها. والمعنى الثاني هو أن تترك لكل إنسان حرية التعبير عن آرائه وإن كانت مضادة لآرائك. وقريب من هذا المعنى قول (غوبلو) إن التسامح لا يوجب على المرء التخلي عن معتقداته أو الامتناع عن إظهارها أو الدفاع عنها، أو التعصب لها بل يوجب عليه الامتناع عن نشر آرائه بالقوة والقدح والخداع.

والمعنى الثالث للتسامح في المعجم الفلسفي هو أن يلتزم المرء آراء غيره لاعتقاده أنها تمثل محاولة للتعبير عن جانب من جوانب الحقيقة، وهذا يعني أن الحقيقة أغنى من أن تنحل في عنصر واحد، وإن الوصول لمعرفة عناصرها المختلفة يوجب الاعتراف لكل إنسان بحقه في إبداء رأيه سعيا وراء معرفة الحقيقة الكلية. أي أننا حين نترك الناس وما هم عليه من اعتقاداتهم وعاداتهم وآرائهم، فليس ذلك منةُ نجودُ بها عليهم، إنما هو واجب أخلاقي ناشئ عن احترام الشخصية الإنسانية.

وإذا اتفقنا على هذه المعاني للجدل والتسامح فإن من الضروري، لكي نحقق سلامتنا الوطنية والاجتماعية في كل أرجاء الوطن العربي، أن نصوب منطلقاتنا وخطانا إلى نقاط الالتقاء التي تقربنا كفئات وطوائف وتيارات وتبلور المشترك في ما بيننا بدلا مما هو حاصل الآن، مع فورة الجدل السائدة، من ظواهر وممارسات تعمل على تهديم هذا المشترك.

هناك، بطبيعة الحال، أسباب خارجية وأسباب داخلية لنشوء الجدل وتصاعد حدته في حاضرنا العربي. ومن هذه الأسباب على سبيل المثال:

- الرغبة القوية لدى الشعوب العربية في الإصلاح والتغيير.

- الصراعات السياسية المتحولة إلى صراعات دينية وطائفية ومذهبية، وهي صراعات قديمة متجددة ومن أكثر الصراعات إثارة للتعصب.

- المستجدات التي فرضتها ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي” التي أذكت نار الجدل حول الكثير من القضايا الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على أسس حزبية وفئوية ضيقة.

- المصالح الفئوية والفردية.

- التسلط بالأفكار والسلوكيات ذات اللون الواحد الذي لا يقبل الاندماج مع باقي ألوان الطيف الاجتماعي.

- وهناك سبب موضوعي وفني في الوقت ذاته وهو ظهور وسائط التواصل الاجتماعي الإلكترونية وسهولة التعبير المفتوح أو الحر من خلالها.

هذه الأسباب الستة التي أحدثت فورة الجدل في حاضرنا وعالمنا من المفترض أن يجري تفكيكها فكريا داخل دائرة واسعة من محاولة الفهم من جانب، ومحاولة التسامح من جانب آخر، إذ ليست هناك فائدة من معرفة الشيء إذا لم تؤدّ هذه المعرفة إلى تحقيق مكاسب فردية ومجتمعية إيجابية تنقل الشعوب العربية إلى حال أفضل من تلك التي هي عليها في حال اختلفت أو تفرقت سبل مدارسها الفكرية.

ونحن نرى الآن، عدا ما تعرفه كل الساحات العربية من حوارات الطرشان، ما تموج به الساحة الليبية والساحة المصرية بشكل أقل نتيجة للقصور المزمن في فهم قيمة الجدل باعتبارها قيمة إنسانية وفلسفية تفتح الطريق إلى المشترك الديني والوطني والاجتماعي. ذلك المشترك الذي طوته غياهب العنف والصراعات المجانية منذ عقود، نتيجة لغياب قيمة سامية أخرى هي قيمة التسامح التي سأعود إلى الحديث عنها في المقال القادم إن شاء الله.


كاتب سعودي

9