الجدل الفكري بدأ وسيتواصل

الخميس 2015/12/24
العقل العربي مشغول بالثورات التي سجنت مفاهيم ثقافية كثيرة

على مستوى الوعي الثقافي لا تزال الثقافة العربية تمرّ بمأزق طالما عانت منه منذ سنوات وليس فقط إبان الربيع العربي، متمثلا في سقف الحرية المناط بها من قِبل المؤسسات الثقافية، وبالتالي فإن الثقافة العربية في هذا العام لم تنجز ما كان ينتظره المثقفون منها، ولا بدّ للقائمين على الثقافة في بلادنا العربية من تحرير الحرية كي يأتي الإنجاز، كما قال فيكتور هوغو “حرروا الحرية.. والحرية تقوم بالباقي”.

لم تعد الظواهر الثقافية التي كنا نتلقاها ذات أهمية كبرى إذا ما عرفنا أن قانون ديمقراطية الثقافة يركن خلف سلطة الاستبداد وسلطة الحاكم، وبالتالي فإن ظاهرة الكتابة بحرية، لم تستجب لتحديات العصر وتداعيات الشعب، باعتقادي أننا ندور حول أنفسنا دورة كاملة ولا نلبث أن نعود إلى نفس الدائرة التي انطلقنا منها.

إذا أردنا أن نتعرف على ثقافة المدن فلنتجول في شوارعها، وثقافة الشارع العربي تكاد تكون حاضرة في بعض الدول، وشبه معدومة في دول أخرى، وقد هيمنت السياسة بأحداثها المتتالية على ثقافة الشارع العربي فأصبح الشارع العربي مسيّسا لصراعات بين دولة وأخرى وتيار ضد آخر، وهذا الصراع لم يأت بجديد عدا كونه مادة خصبة لكتابة رواية ما أو قصيدة ما، ويظل نسق الثقافة العربية تقليديا مشبعا بكهولة المؤسسات الثقافية التي لا ترضى بالتجديد والحداثي إلا بعد أن يفسح لها من السلطة العليا.

لا يزال الأدب النسوي يتكئ على قصص الحب والغرام والمشاكل العاطفية بين الرجل والمرأة، فحصته تكاد تكون متشابهة مع ما قبلها في الأعوام الماضية، وإن كانت هناك محاولات جديدة وتجربة على مستوى الرواية ورصدها للواقع العربي المعيش إلا أن ذلك جاء على استحياء ولم يسجل حضورا في المشهد الأدبي العربي.

هذا العام قرأت جزءا من ديوان قاسم حداد “طرفة بن الوردة”، حيث أعاد قاسم صياغة سيرة الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، وقرأت الكثير من الروايات لكنني كنت منجذبا لرواية “مملكة الفراشة” لواسيني الأعرج، ورواية “أنقذني” لغيوم ميسو، وتكمن أهمية الروايتين في تناولهما للجديد ضمن كتابتهما.

والآن أقرأ “الجهل المقدس” لأوليفييه روا لقد وجدته كتابا هاما، ولا أزال بين صفحاته. ومن المؤسف أن علي المقري في روايته “بخور عدني” خيّب أملي، كنت متوقعا أن يقدم الأفضل في هذه الرواية.

المتألق في هذا العام هو شكري المبخوت في روايته الحاصلة على جائزة البوكر “الطلياني” ويكمن تألقه في ثقافته التي كرسها ضمن روايته.

باعتقادي أن رواية الطلياني لشكري المبخوت وروايات تمّ ترشيحها لنيل جائزة البوكر في نسختها العربية ومنها “بعيدا عن الضوضاء.. قريبا من السكات” لمحمد برادة، ورواية “حياة معلقة” لعاطف أبوسيف ورواية “فئران أمي حصة” لسعود السنعوسي ورواية “شوق الدرويش” للكاتب السوداني حمور زيادة، قد تميزت في الساحة الثقافية العربية.

وفي السؤال عن المسرح، لا بدّ للمرء أن يتساءل: ماذا في وسع المسرح أن يفعل أمام ثقافة الحروب ومشاهد القتل والإرهاب؟ وإلى أيّ منظومة نستطيع أن نؤثث لمسرح عربي في دول تعتبر آنذاك خارطة عربية مسرحية كلبنان وسوريا والعراق ومصر؟ إننا نتمنّى أن ينطفئ صوت الحروب لنشعل قناديل المسرح العربي من جديد.

ومن ناحية السينما ليس هناك ما يبهج في ما يخص السينما العربية فلا تزال أفلام التهريج قائمة، بمعنى لا توجد سينما حقيقية كما كانت في السبعينات والثمانينات وأصبح كل ما يتم عرضه وسيلة للضحك والسخافة. وأشيد بما تصدره السينما العربية في الجزائر والمغرب بتقديم ما هو جادّ في بعض الأفلام، لكن تبقى السينما العربية بشكل عام رهن المحلية ومن الصعوبة بمكان أن تنتقل إلى العالمية.

أخيرا أنا أرى أن التنمية الثقافية شرط أساسي لتنمية العقل العربي والذهنية العربية تحتاج إلى أجواء ثقافية تنحاز إلى العدالة والحب وتسعى إلى نمذجة الفعل الثقافي مع إدراكنا بأن المنتج الثقافي طغت عليه لغة السياسة والتحولات السياسية، والتي بدورها أثرت في لغة الإبداع، فأصبح المنتج العربي متشابها إلى حدّ ما بفعل تلك التحوّلات.

لا تزال عوائق الثورات العربية عالقة في أذهان الشعوب والعقلية العربية لا تزال ترصد وتحلل وتتفق وتختلف حول مفهوم ما أو حادثة ما، لقد أصبح العقل العربي مشغولا بتلك الثورات التي سجنت مفاهيم ثقافية كثيرة كنا نأمل أن تبقى في الذاكرة العربية، فثمة جهل ينشغل به العقل العربي بفعل أجندة فرضت أفكارها عليه.

ولا يزال السؤال الفكري مثار جدل كبير بين الشعوب العربية على اختلاف ثقافتها، كما أننا إذا أردنا إنتاج هذا السؤال فلا بد لنا من التخلص من حيثيات الماضي، التي بطبعها تشكل خصومة ثقافية كبيرة بين الثقافات.

لكن بإمكان الثقافة العربية إنتاج مشروع ثقافي حضاري يؤصل الثقافة العربية ويدمجها في الثقافات الأخرى.

كاتب من السعودية

15