الجدل حول إجازة الطمث يكسر تابوهات الدورة الشهرية

عدم إدراك المجتمع لطبيعة معاناة السيدات يكشف المفاهيم العربية الخاطئة، ومخاوف من تحول امتيازات النساء لوسيلة قمع في المستقبل.
الأحد 2019/05/12
لا بد من كسر جدار الصمت حول الحيض

كشفت محاولة بعض الشركات العربية توفير إجازة للمرأة من أجل تخفيف معاناة الدورة الشهرية، حجم المعاناة التي تتكبّدها النساء ثمنا لتغيراتهن الفسيولوجية، كما ألقى سخط البعض بدعوة عدم المساواة بين الرجل والمرأة، الضوء على صعوبة فهم الذكور لتلك الفترات الصعبة، والتي لطالما قدمت على أنها محرمات لا يجب طرحها أو ذكرها في العلن.

"ازدواجية النسوية” مصطلح انتشر مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعي بعدما قررت إحدى الشركات العربية إعطاء العاملات يوما في الشهر، إجازة مدفوعة الراتب بسبب ما أطلقت عليه “الفترة المرهقة” إشارة إلى فترة الطمث وما تحمله من مضاعفات نفسية وعصبية قد تؤثر على جودة عمل المرأة.

قرأ البعض القرار بأنه تطبيق للنّوع الاجتماعي داخل بيئة العمل، وتحيُّز وتمييز واضح للمرأة. وتم وصف المسألة بـ”الازدواجية والانتهازية”؛ فعندما تكون للنساء مصلحة يرفعن شعار المساواة بالذكور، أما إذا كنّ سيحصلن على المزيد من الامتيازات يتحججن بطبيعتهن البيولوجية.

ويقول رجال معارضون لتلك الصيغة إذا كانت للمرأة “دورة شهرية”، فالرجل لديه أيضا “التزامات يومية” ومن حقه أن يتمتع بـ”إجازة” مدفوعة الأجر موازية تأكيدا على مبدأ المساواة.

واستقبل محمد أحمد فتوح، صاحب شركة سياحة، القرار بسخرية، واصفا “إجازة الطمث” بعدم الواقعية، فهو لن يقبل عاملات وموظفات يطلبن منه إجازات بشكل متكرر، لاسيما وأن لديهن بالفعل إجازات زواج، وحمل وإنجاب ورعاية طفل. وإذا كانت هناك قرارات ملزمة بذلك ستلجأ الشركات والمصانع إلى رفع شعار “للرجال فقط”.

فكرة “إجازة الطمث” ليست جديدة، فهناك دول قامت بتشريع قانون يمنح بموجبه المرأة إجازة بأجر بعد إدراك حجم معاناتها، منها اليابان، التي ينص قانون معايير العمل أنه “عندما تطلب المرأة التي يصعب عليها العمل أثناء فترات الحيض إجازة، لا يجوز إجبارها على العمل”. وفي إندونيسيا، يحق للمرأة بموجب القانون أن تحصل على إجازة طمث بصورة شهرية لمدة يومين، وبالمثل الموظفات في كوريا الجنوبية يأخذن تلك الإجازة، وفقا للمادة 71 من قانون معايير العمل.

في أغلب المجتمعات انتشرت أفكار خاطئة عن الحيض صورت تلك الفترة بأنها 'لعنة شهرية'، وفي بعض المناطق توصف المرأة في وقت الطمث بأنها 'نجسة' 

وأعلنت بعض الشركات الهندية، مؤخرا، عن تغيير سياساتها الداخلية لإعطاء المرأة إجازة حيض بأجر، وقامت إيطاليا بمراجعة قانون يمنح الفتاة إجازة رسمية بسبب آلام الدورة الشهرية.

لكن أحمد فتوح يرى أن هذا القرار إن تم تطبيقه في الدول العربية بشكل عام، سيضر المرأة على المدى البعيد، شارحا لـ”العرب” أن التغيّب المستمر عن العمل يشوّه صورة المرأة العربية وينتقص من قيمتها كموظفة، وحصولها على المزيد من الإجازات سيرسم صورة سلبية عنها، وإن لم يقلل فرصها في العمل سيؤخر ترقياتها ويضعف أجرها مقارنة بالرجل ويقلل فرصها في تولّي مناصب قيادية. ويرسخ كذلك صورة نمطية متداولة بأنها كائن “ناقص” و”ضعيف”.

وتشير ربح محمد، فتاة ليبية (29 عاما) وتعمل بأحد المصانع بالقاهرة، بأن هناك قناعة ذكوريّة بأن التعب والإحباط والقلق والحزن؛ الأعراض المرافقة لفترة الطمث، ليست إلا مزاجية أنثوية وهي عذر للتغيب.

وتروي محمد لـ”العرب” أن بلوغ الفتاة بداية جحيم حقيقي، فالدورة الشهرية بالنسبة لها كابوس خاصة أول يوم، حيث تكسير العظام والشّعور بالألم الحاد في البطن، والتقلّصات طيلة الوقت والغثيان المستمر وأوجاع الظهر والرجلين والرأس.

وتابعت “لا أملك رصيد إجازات سنوية ولا أريد أن يخصم من راتبي، لذلك أقطع مسافات طويلة لعملي وأنا أنزف دما والمدير المسؤول عني رجل لا يتفهم أمري”.

أما مها المهدي، مدرسة بإحدى المصالح الحكومية، تؤكد لـ”العرب” أنها تكون مسلوبة الطاقة أثناء الدورة الشهرية، إلى جانب الشعور بإعياء شديد بسبب انخفاض ضغطها وانعدام توازنها، وكل ما تتمناه وقتها الخلود للراحة والنوم بدلا عن الذهاب للعمل.

وما يزيد الأمر سوءا، عدم وجود دورات مياه مخصصة “للنساء فقط” في الطرق العامة لكي تطمئن أن ملابسها نظيفة، فضلا عن أن بعض الجهات لا تهتم بتوفير حمامات نظيفة للعاملين بها، والمفترض أن تلك الفترة تحتاج الدخول المتكرر للمرحاض بهدف الإجراءات الصحية والنظافة.

ومن وجهة نظر المهدي، فإن ما ذكرته أسباب كافية تدعو إلى التفكير بجدية في قضية إجازة الحيض بالدول العربية.

جدار الصمت

الحيض حالة بيولوجية طبيعية
الحيض حالة بيولوجية طبيعية

تكشف دراسات حول “فترة الحيض” أن هناك تغييرات هرمونيَّة تحدث أثناء الإباضة وقبل الطمث وترافقها تقلبات مزاجيَّة تختلف شدّتها من أنثى لأخرى وتستمر لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام حيث تنقبض عضلات جدار الرحم، فيضغط على الأوعية الدموية وهذا يقطع إمدادات الدم مؤقتا، مما يؤدي بأنسجة الرحم لإطلاق مواد كيميائية تسبب الألم.

ووفقا لجون غوليبود البروفيسور في الصحة الإنجابية بكلية لندن الجامعية، فإن حدة آلام وتشنجات الحيض تساوي آلام النوبة القلبية، بسبب الانقباضات التي تحدث لعضلات الرحم حين يحاول التخلص من الدماء.

واللافت في الجدل المثار لم يكن حجم المشاركات التي ملأت الفضاء الافتراضي وامتدت لوسائل الإعلام والفضائيات رفضا وتبريرا، لكن الأمر المهم هو خروج أمر أنثوي شديد الخصوصية إلى العلن كاسرا لتابو آخر بقيت النساء حبيسة داخله منذ قرون طويلة.

فليس هناك ما يشير إلى تعامل المجتمعات العربية من قبل مع فترة الطمث لدى النساء إلا عبر تلميحات قليلة منها “أن القبائل الرئيسية في الشرق الأوسط استخدمت بلوغ الفتيات فرصةً لختانهن أو خياطة فروجهن، لخفض متعتهن الجنسية وحصر حاجتهن في رجل واحد”.

أو ما قاله الروائي عمار عبدالحميد في رواية “الحيض” بأنه صعق عندما علم أنه لأكثر من 1400 عام نُظِر إلى الحيض على أنه شيء نجس وقذر، بينما كان من المفترض أن يُنظَر إليه على أنه علامة حياة.

وحتى في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة، منعت الرابطة الأميركية للتلفزيون عام 2010 حملة إعلانية بسبب حديثها عن فترة الحيض.

بعض الفتيات تخطين الحواجز المجتمعية وفتحن نقاشات نسوية بهدف كسر المحظور بشأن فترة الطمث، ومكافحة التمييز الجنسي الذي يتعرض له أثناء دورتهن الشهرية

وعندما وضعت الشاعرة الكندية روبي كور صورة لها عام 2015 تُظهِر بقعة دم على سروالها نتيجة دورتها الشهرية حذف موقع إنستغرام الصورة مرتين، بذريعة خدش نظر المستخدِم.

وتقول مي بدر، فتاة جامعية، لـ”العرب” إن الحديث عن أمر ذاتي يخصّ جسد المرأة الذي ينظر إليه كـ”عورة” ما يزال أمر جديد كُلِّيَّا على الرأي العام العربي، ويعتبر هذا الحديث كسرا بطيئا لأحد التابوهات المحظورات الاجتماعية والدينية بل يدخل في نطاق المحرمات.

وتوضح بدر أن فترة الطمث ظلت لقرون طويلة عارا يجب مداراته تحت مسمى “العيب المجتمعي”، ودائما ما يكون الإشارة إليها غامضة وعلى شاكلة ألغاز وغالبا محرمة حتى وسط العائلة، حيث يتم استخدام أسماء غريبة كـ”إنفلونزا النساء” و”period”، أو “الفترة المرهقة” وغيرها من التلميحات لتجنّب الحرج.

وينطبق الحظر أيضا على كل ما يخص تلك الفترة فمثلا الإعلان عن الفوط الصحية الخاصة بها، دائماً ما يختفي فيها لون الدماء الأحمر ليحل مكانه سائل أزرق فاتح ينهمر على قماش أبيض يمتصه، ليظهر بعد ذلك صور لفتاة ترتدي سروالا أبيض تحتضن وسادة إسفنجية لتدس وجهها بين ثناياها وكأنها تختبئ من “عار” يلاحقها.

ويظهر التضليل في عدم الإشارة إلى معاناة الفتيات من آلام جسدية ونفسية، بل وتصوير تلك الفترة بأنها وردية ومريحة. وتفسّر ناشطات في حقوق المرأة التضليل والمحظورات التي تفرضها المجتمعات على “فترة الحيض” كونها تخص جسد المرأة وفِي حال بات الأمر ذكوريا لاختلف الموضوع. وذلك الرأي عبّرت عنه بوضوح الناشطة النسوية الأميركية غلوريا ستنيم، في مقال لها عام 1978 تحت عنوان “ماذا لو باتت الدورة الشهرية تصيب الرجال؟”، وقتها سيصبح الحيض فعلًا بيولوجيًّا يُحسَدون عليه!

وانتشرت أفكار خاطئة عن الحيض في أغلب المجتمعات التي صورت تلك الفترة بأنها “لعنة شهرية” يجب الفرار منها، وبعض المناطق في العالم تصف المرأة في وقت الطمث بأنها “نجسة” وفرضت قيودا على تنقلها وسلوكها وعاداتها.

عزلة إجبارية

معاناة الفتيات من آلام جسدية ونفسية
معاناة الفتيات من آلام جسدية ونفسية

هناك من يعتقد أن الرجال يمرضون إذا لمستهم امرأة حائض، كما لا ينبغي للفتيات في المناطق الريفية التحدث إلى ذكور العائلة خلال فترة الحيض.

وتربط سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، الاتجاه لاختراق السياج الذي يحيط فترة الطمث والمعتقدات الخاطئة التي تحطّ من قدر المرأة، وتصوّرها على أنها رمز للقذارة يستحق العزل.

وتوضح خضر لـ”العرب” أن الطمث تحول من حالة بيولوجية طبيعية إلى أساطير وخرافات، فالكثير من الثقافات توحشت في راديكاليتها عندما ربطت الحيض بالقذارة والعار، وأفرزت مجموعة من الاتجاهات الغريبة من المحظورات في ما يتعلق بفترة الحيض.

فقد اعتقد قدماء الإغريق أن تأخر مجيء الحيض للفتاة سيسبّب تراكم الدم حول قلبها، وسينتج عنه سلوكيات شاذة، وعنف ربما ينتهي بالانتحار.

أما اعتقادات الرومان فقد لخصها المؤرخ والفيلسوف الروماني الشهير بلينيوس الأكبر، المولود عام 23 ميلادية، في كتابه “التاريخ الطبيعي”، بأن النساء الحائضات لديهن قوى خارقة، مؤكدا مثلا أنهن يستطعن قتل أسراب النحل.

وتوالت الأساطير عندما قالت إنه إذا وافقت بداية حمل الطفل عند امرأة ما وقت الحيض عند امرأة أخرى تسكن في نفس البيت، فإن هذا الطفل سيولد مشوّهًا.

وكانت المرأة التي تنزف أثناء الحيض عليها أن تقوم بحرق ضفدع وتضع رماده في جراب حول وسطها لكي توقف النزيف. وفِي اليابان لا تستطيع المرأة الحائض تحضير وجبة “السوشي” لأن الحيض يتسبب في “خلل في الذوق”.

الأساطير والمحاذير اللتان غلفتا تلك الفترة كانتا محفّزتين لبعض النساء لاختراق “حرمة” هذا الحدث الشهري.

وبالفعل ظهر بين الحين والآخر تمرد أنثوي لاختراق السياج الحديدي الذي يحاصر تلك الفترة وانطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤخرا، حملة تدعو إلى إعادة النظر في حقوق السجينات لتوفير احتياجاتهن خلال فترة الحيض بما فيها الفوط الصحية، وأطلقت إحدى الشركات البريطانية مبادرة على وسائل التواصل الاجتماعي تمكّن الفتيات من التعبير عما يشعرن به من ألم خلال تلك الفترة.

ورفعت جمعية نادي نساء المستقبل في بلدة تزارين، بالجنوب الشرقي للمغرب شعار “لنكْسرْ جدارَ الصمت حول الحيض”.

حدة آلام وتشنجات الحيض تساوي آلام النوبة القلبية
حدة آلام وتشنجات الحيض تساوي آلام النوبة القلبية

وتقول ناشطات مغربيات قد يبدو رفع هذا الشعار عاديا في المدن الكبرى في ظل الانفتاح الذي يعرفه المجتمع المغربي، خاصة خلال العقديْن الأخيرين، لكنَّ إثارة موضوع من هذا القبيل في وسَط اجتماعي محافظ، في المغرب العميق، قد لا يكون أمرا سهلا ولا زال النقاش حوله “ممنوعا”، فالقوانين الاجتماعية تحكم أيضًا حياة النساء في تلك الفترة.

وتشير سلمى محمد، فتاة مغربية، أنها تتحسس من مجرد التلميح لفترة الدورة، فضلا عن محاولتها لإخفاء الفوطة الصحية بين طيات ملابسها خلال الذهاب إلى الحمام، وتحرص على وضعها في أكياس سوداء عند الشراء، بجانب سلسلة من الأكاذيب لشرح أسباب الإرهاق الذي يبدو على محياها أثناء العمل، وتكتمل المأساة عند اتساخ ملابسها ببقع الدماء.

وتؤكد الفتاة المغربية على ضرورة كسْر جدار الصمت حول هذا “الضيف المؤلم”، متمنية أن تكون البداية بتغيير مسمى اليوم الذي أعلنته منظمة الأمم المتحدة في 28 مايو ليكون يوما عالميا لـ”التوعية بحق المرأة في استعمال الفوط الصحية والنظافة من دماء الحيض” إلى “اليوم العالمي للدورة الشهرية” لأن كلمة “نظافة” تشير إلى أنها فترة “نجسة”، وهذه التسمية تتناسب مع القرون الماضية.

وكسرت بعض الفتيات الحواجز المجتمعية، حيث شاركت الموسيقية الأميركية الهندية كيران غاندي، في ماراثون لندن خلال دورتها الشهرية، ودون ارتداء فوطة صحية، وركضت طيلة السباق والدماء واضحة على ملابسها، ولم تتردد السبَّاحة الصينية فو يوانهوي في القول إن أداءها السيء في أولمبياد ريو دي جانيرو عام 2016 لأنها كانت تسبح في فترة دورتها الشهرية، ما أصاب الكثيرين بالصدمة.

هذه المحاولات امتدت إلى نقاشات نسوية بهدف كسر المحظور بشأن فترة الطمث، ومكافحة التمييز الجنسي الذي تتعرض له النساء أثناء دورتهن الشهرية، وانطلقت حملات في الفضاء الافتراضي مثل #happy to bleed (سعيدة أنني أحيض).

ويفسر مراقبون محاولات كسر المحظور حول فترة الحيض للتأكيد على ضرورة تحرر جسد المرأة من الوصاية الاجتماعية والدينية، دون اعتباره تمييزا ضدها أو انتقاصاً منها كإنسان، بل هو تَفهم لطبيعتها البيولوجية ومساعدة لأن تعيش حياة صحية أفضل وأكثر راحة، والأهم هو دحض الأكاذيب والمعتقدات التي تلازم تلك الفترة.

لكن يتوقع هؤلاء ألا يمر كسر المحظور البيولوجي بسهولة، وبالفعل هاجم البعض من يتحدثون عن تلك الفترة زاعمين أنهم ينشرون أفكار غريبة عن المجتمع العربي ووصفوا ذلك بـ”قلة الأدب” و”كشف الستر” و”إخلال بالحياء العام”.

20