الجدل يتسع حول عملية ترميم آثار تدمر

تطرح عملية إعادة ما دمّر من آثار تدمر إشكاليات عديدة، منها عملية طباعة الآثار بتقنيات تكنولوجية حديثة، مازالت غير قادرة على تقديم النماذج المطبوعة في شكلها الحقيقي كما يرى الخبراء، كما تزداد الشكوك في استثمار النظام السوري لعملية الترميم لصالحه، رغم أن العملية ستتم بإشراف وتمويل منظمة التربية والعلم والثقافة التابعة للأمم المتحدة.
الاثنين 2016/07/18
عملية معقدة

إسطنبول - تعرض البعض من الآثار في سوريا للتدمير على يد تنظيم الدولة الإسلامية بسبب ربطها بشكل وثيق بالشرك بالله، بينما ترك البعض الآخر منها على حاله، غير أن هذا البعض تحول إلى خلفية يتم استخدامها في تصوير عمليات الإعدام الوحشية والدموية، بينما صارت مجموعة ثالثة مجرد ضحية للحرب الأهلية الدائرة في سوريا.

والآن يحاول مسؤولون بمنظمة التربية والعلم والثقافة التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) وضع خطّة لما يمكن إنقاذه من مدينة تدمر السورية، بعد كل ما تعرضت له من دمار خلال عشرة أشهر من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتتمثل المهمة الأولى في التعرف على حجم الآثار التي نجت من التدمير، بينما تتمثل المهمة الثانية في تحديد ما إذا كان من الأمانة والإجراءات السليمة إعادة تشكيل القطع الأثرية من جديد بعد أن تعرضت للدمار.

ويعود تاريخ الأطلال الأثرية لمدينة تدمر إلى القرون الثلاثة الأولى قبل الميلاد، عندما كانت المدينة مركزا قويا على طرق التجارة عبر الصحراء السورية، وكانت المدينة تربط بلاد فارس والهند والصين بالإمبراطورية الرومانية.

تقول منظمة اليونسكو إنه “من القرن الأول حتى الثاني زاوج الفن والمعمار بتدمر بين الأساليب والأنساق اليونانية والرومانية وبين الفنون التراثية والتأثيرات الفارسية”.

ومن بين الكثير من المباني التاريخية والآثار والقطع الفنية التي تعرضت لدمار شديد على يد قوات داعش، معبد بعل ومعبد بعلشمين ونصب قوس النصر التذكاري.

قال جيوفاني بوكاردي رئيس وحدة الاستجابة الطارئة التابعة لليونسكو في مارس الماضي إن اليونسكو قدمت تمويلا يبلغ 2.7 مليون يورو (ثلاثة ملايين دولار) لإعادة ترميم الآثار في سوريا. وهذه المهمة تتطلب أن يفكر الخبراء في حلول من خارج الصندوق.

ويمكن أن يبعث استخدام نسخ مقلدة طبق الأصل من القطع الأثرية التي تعرضت للتدمير رسالة إلى الميليشيا الإرهابية لتنظيم الدولة مفادها أنه لا يمكن محو التاريخ من خلال الإرهاب، وبالفعل تم عرض نسخة مقلدة من قوس النصر الأثري بلندن في أبريل الماضي.

وتشكيل مثل هذه النسخ المقلدة يتطلب استخدام تقنيات حديثة مثل طابعات ناسخة ثلاثية الأبعاد لإعادة الموقع الأثري إلى ما كان عليه، وقد شيّدت واحدة من هذه الطابعات قوس النصر باستخدام الرخام القادم من مصر، غير أن حجم القوس في النسخة المقلدة يبلغ ثلث حجم النصب التذكاري الأصلي الذي تعرض للتدمير.

واعتبر خبراء الآثار النسخة المقلدة التي عرضت في ميدان الطرف الأغر فتحا في أساليب التشييد الحديثة، ولكنهم اعتبروها في ذات الوقت بمثابة لعنة، وينظر البعض من الخبراء إلى هذه النسخ الحديثة الرومانسية على أنها تمثل كابوسا حيث شبهوها بالنماذج المقلدة التي تعرضها ملاهي ديزني لاند.

اليونسكو: زاوج الفن والمعمار بتدمر بين الأساليب والأنساق اليونانية والرومانية وبين الفنون التراثية والتأثيرات الفارسية

يقول ماركوس هيلغرت مدير متحف الشرق الأدنى القديم ببرلين إن عملية إعادة تشكيل الآثار المفقودة أظهرت الإمكانات التي تتيحها الطابعات ثلاثية الأبعاد وكذلك محدودية قدراتها.

وأعرب هيلغرت عن قلقه إزاء استخدام “نسخ مقلدة منخفضة التكلفة لا تتناسب مع الموقع الأثري الأصلي”.

ويضيف إن هذه النماذج “مناسبة للرغبة في إظهار التضامن ومقاومة تدمير الثقافة، ولكنها غير مناسبة كبديل للآثار التي دمّرت”.

وهناك أنباء طيبة تفيد بأن حجم الدمار ليس شديدا كما كان يعتقد من قبل، فقد تبين من الفحص الأولي الذي أجراه الخبراء السوريون أن الدمار لحق ما نسبته 20 بالمئة فقط من موقع تدمر الأثري.

وأعربت السيدة ميتشثيلد روزلر مديرة قسم التراث ومركز التراث العالمي باليونسكو عن ارتياحها إزاء حقيقة أن التدمير ليس واسع النطاق كما كان متوقعا، وقالت إنه يمكن ترميم البعض من المعالم الأثرية “بسهولة نسبيا”، بما فيها قوس النصر حيث ظلت أجزاء منه كاملة على حالها، وأضافت أن المعبدين تعرضا لدمار شديد للأسف.

وعملت روزلر في إطار وفد من الخبراء زار موقع تدمر في أبريل الماضي، وذلك بهدف تقييم مدى الدمار الذي لحق بالآثار، وقالت إن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا جعلت مهمتها في تدمر من أصعب المهام التي قامت بها في حياتها.

وتعذر النظر إلى الكثير من المعالم الأثرية عن قرب لأن تنظيم الدولة زرع ألغاما عبر طرقات المدينة قبل أن يهرب منها، وأزال الجيش الروسي أربعة آلاف لغم على الأقل من المنطقة وفقا لما قالته روزلر.

ولا تزال تدمر غير آمنة بما فيه الكفاية لكي يتمكن الخبراء من العمل فيها، وبالنسبة إلى الأطراف المعنية بتقرير مصير تدمر، ثمة شيء واحد مؤكد وهو الحاجة إلى تقييم مفصّل وشامل لحجم الدمار الذي وقع.

الحسابات الضيقة تهدد عملية الترميم

وترى روزلر أنه كقاعدة “لا يسمح بإعادة بناء المعالم الأثرية في إطار معاهدة التراث العالمي”.

ويمكن أن تشمل الجهود الممكنة الأخرى لإعادة الآثار المفقودة إلى الوجود دون استخدام النسخ المقلدة من خلال وضع نماذج تحاكي الآثار على مواقع إلكترونية على الهواتف الذكية، أو عرضها من خلال الأفلام أو إقامة مركز لتوثيقها.

وبخلاف المسائل اللوجستية الخاصة بإعادة بناء الموقع الأثري، يصبح الجدل أكثر تعقيدا بسبب العوامل السياسية، فمثلا لدى الرئيس السوري بشار الأسد مصلحة شخصية قوية في ترميم وإعادة بناء موقع تدمر الأثري بأسرع ما يمكن، لأن تحقيق هذا الهدف يرمز إلى ما لديه من قوة ونفوذ على بلاده التي مزقتها الحرب. وهذه الرغبة من جانب الرئيس السوري أدت إلى إثارة شكوك عند أعضاء لجنة التراث.

يقول لوران ستيفانيني مندوب فرنسا لدى اليونسكو “إننا لا يجب أن ننسى أيضا مسؤولية النظام السوري في تدمير تراث بلده”. ويريد ستيفانيني ألّا يصبح العمل الذي تنفذه اليونسكو لترميم المعالم الأثرية في تدمر “وسيلة يستخدمها النظام السوري في دمشق لصالحه”.

ويتابع إن ذلك مهم خاصة عندما نتذكر أن مدينة حلب العريقة، وهي مدرجة أيضا في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، كانت هدفا منتظما للضربات الجوية السورية.

ويختم ستيفانيني “لو نظرت إلى عمليات القصف التي أمرت بها الحكومة السورية، تدرك أننا نحتاج إلى البعض من التوضيح”.

20