"الجديد" اللندنية تحتفي بكتابة اليوميات وأدب السجن

دأبت مجلة "الجديد" بلندن، منذ صدور عددها الأول مطلع هذه السنة 2015، على نشر ملفات أدبية وفكرية ساخنة بأقلام نخبة من المبدعين والمفكرين العرب متوجهة نحو القارئ العربي على اختلاف انتماءاته الجغرافية والأيديولوجية والفنية والفكرية، ففتحت الباب أمام الكتّاب العرب من مختلف الفئات أكانوا من المعروفين والمشهورين او ممن لم يسبق لاقلامهم الظهور. متخذة لها شعار الجدّة والجودة لا غير، وفي عددها الثامن الصادر أول سبتمبر الحالي، سلطت المجلة الضوء على زوايا مهملة رغم عمق تأثيرها على المثقف والثقافة العربية، فتنوعت موادها بين الاعتناء بالكتّاب الذين مزقت الدكتاتوريات سنوات طويلة من أعمارهم، كما اعتنت بالقضية السورية والعروبة والراهن الفكري اليوم، ونشرت نصوصا فنية وشعرية ويوميات تنشر للمرة الأولى، لكتاب نلتقي بأقلامهم مكتشفين عوالمهم لأول مرة.
الأربعاء 2015/09/30
"الجديد" سلطت الضوء على زوايا مهملة رغم عمق تأثيرها على المثقف والثقافة العربية

يتصدر العدد الثامن من مجلة “الجديد” الثقافية، الصادر في الأول من سبتمبر الحالي، ملف خاص عن أدب السجن يشكّل “إشارة أولى إلى حال الأمة”، كما يقول رئيس تحريرها الشاعر نوري الجرّاح، وعتبة لبحث فكري مفتوح في محطة مقبلة معه تحت عنوان “إلى أين يمضي العرب”.

يتضمن الملف نصوصا هي بمثابة يوميات وشهادات تشكل وثائق تاريخية وأدبية دوّنها 11 أديبا وشاعرا ومثقفا سوريا وفلسطينيا استضافتهم سجون ومعتقلات “دولة الأسد” على مدار ثلاثة عقود ونيف من الزمن، بسبب انتماءاتهم الفكرية وتطلعاتهم الثقافية والاجتماعية، وهم: مفيد نجم، راتب شعبو، جورج صبرة، جابر بكر، خالد سميسم، حسيبة عبدالرحمن، عبدالرحمن مطر، حسام ملحم، سحر حويجة، بسام سفر، وصادق أبوحامد.

مثقفون عانوا السجن

لقد كان هؤلاء الأدباء والمثقفون، وما زالوا، يشكلون بنتاجاتهم الفكرية والأدبية ونشاطاتهم العامة جزءا من ثقافة الحراك الديمقراطي السوري، لأجل مجتمع مدني ودولة تعددية. ودفع بعضهم سنوات طويلة من حياته خلف قضبان ما سمي لعقود بـ“مملكة الصمت” و“مملكة الرعب”، و“دولة الأبد”…، وبينهم من سجن مرارا بسبب أفكاره. وهم مثقفون ينتمون إلى أجيال مختلفة، وطوائف متعددة، ترسم نصوصهم مجتمعة لوحة واسعة تفتح زمن الصمت على زمن الصراخ، والسجن الصغير على السجن الكبير، واللون الرمادي للسجن على ألوان الحرية، على مشهد انتفاضة عارمة حطمت قيود نصف قرن من المواجهة الصامتة بين الحرية والاستبداد، وبين الرعب والكلمات.

مناقشة الأفكار

في باب حوارات نقرأ حوارين: الأول مع الشاعرة والناقدة والمترجمة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي، تحت عنوان “أمة عربية يتيمة”، تجيب فيه عن أسئلة محاورها نوري الجرّاح بنبرة رسالية، ميزت صوتها لنصف قرن، وتقرع فيها جرس الخطر حول تدهور أحوال العرب منذ عودة الحكم العربي إلى التشرذم، وعدم تعلمهم شيئا من النكبات التي حلّت بهم في العصر الحديث، وهو عصر التنوير والعلم في العالم، وخضوعهم لفساد كبير في الذوق والمعرفة وكرامة الذات وموقفهم من الحداثة. وتتساءل الجيوسي، بصوت ينزف أسى، عن سر تلاشي النخب إزاء انفراط عقد العرب، وتقهقرهم في حاضر مشتعل، وكأنهم في لحظة غروب وجودي.

الحوار الثاني أجراه عمّار المأمون، مع المفكّر والكاتب الأميركي بروس لورانس، المهتم بتاريخ الأديان في الشرق، وصاحب العديد من المؤلفات المرتبطة بالديانات الشرقية وحركات العنف المرتبطة بها لدراسة العلاقة بين العنف والنص المقدس، حول جملة من القضايا المتصلة بـ“الربيع العربي” والتيارات الإسلامية الصاعدة والاستشراق.

تواصل المجلة في عددها هذا مناقشة الأفكار التي طرحها المفكر العربي السوري البارز طيب تيزيني في الحوار الذي أجرته معه في عددها السابق، وقراءات عدد من الكتاب لتلك الأفكار، وذلك في مقال كتبه خالد حسين بعنوان “ماذا في وسع الفيلسوف في لحظة الدم – طيب تيزيني: حوار الحيرة والاحتمال”، يرى فيه أن الحوار مع تيزيني يمتاز بالغنى المعرفي والاستبصارات الفلسفية عبر توظيف المنهج التاريخي، وأحيانا بتوظيف تقليدي، في مقاربة الموضوع بمحاوره الجديدة، القديمة والمتنوعة التي تكشف عن طاقة تيزيني على التحرك بين الأنساق المعرفية التي من شأنها تفسير معضلة الحدث السوري، وإعادة النظر في كثير من المفاهيم والأدوات المعرفية التي قرأ بها الواقع العربي سابقا على ضوء ما جرى ويجرى في العالم العربي.

خطار أبو دياب يعتبر صورة العروبة قد تشوّهت في خضم الفرز السياسي

شعر ومقالات

في باب الشعر يحتفي العدد بشاعرة سودانية، مقيمة في ستوكهولم، هي نجلاء حسين، من خلال نشر عشرين قصيدة نثر لها من مجموعة جديدة لها تصدر عن دار نشر “توتيل” في استانبول بعنوان “أشجار ماكبث وقصائد أخر”.

من مقالات العدد “اختيار الطوفان” للمفكر السوري صادق جلال العظم، “العروبة المنفتحة: المشروع الحضاري البديل” لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس خطار أبودياب، “السلطة ضالّةُ المؤمن والكافر” للكاتب والشاعر السوري المقيم في ألمانيا إبراهيم الجبين، “خليل حاوي بقلمه وصوته” للناقدة اللبنانية ريتا عوض، و”نيتشه المناهض للمنظومة” للكاتب التونسي المقيم في باريس أبوبكر العيادي.

يعترف صادق جلال العظم في مقاله، الذي ترجمه عن الفرنسية حسام الدين محمد، بأن انتفاضة الشعب السوري ضد النظام العسكري والدولة الأمنية لعائلة الأسد في سوريا قد فاجأته، ويخلص في تحليله لهذه الانتفاضة إلى أن نجاحها في النهاية يعني نهاية الحكم الوراثي ونهاية السيطرة العلوية، ونهاية حكم الأقلية، وإعادة ولادة الجمهورية. ويرى أن الغرب لديه دور يقوم به، بدلا من ترك سوريا تنزف، وسيضطر إلى التدخل لأن القوى العظمى لن تسمح بوقوع سوريا في أيدي الإسلام الجهادي (الإرهابي).

ويذهب خطار أبودياب إلى أن صورة العروبة تشوّهت في خضم الفرز السياسي الذي شهدته البلاد العربية إبان التحولات الدائرة منذ 2011، نتيجة الاختزان في العقل الجمعي لسلبيات التجربة الناصرية والتجارب البعثية، وغيرها من التجارب العسكرية والأحزاب المعتنقة لفكر قومي مغلق أو شوفيني. ويرى أبودياب أنه لا يمكن اختصار العروبة باللغة أو الثقافة أو الدين، فهي الجذر الحضاري أو “الهوية” في المشرق، والامتداد الحضاري نحو المغرب العربي وأفريقيا وأحيانا إلى عوالم الإسلام الذي أنزله الله عربيَّ اللسان.

سرد اليوميات

في باب يوميات يكتب القاص الفلسطيني محمود شقير بعضا من يومياته في مدينة القدس، التي يقيم فيها، بأسلوبه السردي الممتع، كما هو أسلوبه في أعماله القصصية، يركز فيها على انتفاضة الأقصى وما رافقها من أفق سياسي مسدود، وقراءاته وتجاربه في الكتابة، وزيارته لمحمود درويش في مكتبه برام الله، وتأملاته في القضية الفلسطينية، وغير ذلك.

ويتضمن هذا الباب أيضا يوميات للكاتب السوداني حسام هلالي، المعنونة بـ“جوني المشاء يتسكع في الخرطوم” اعترافات جريئة حول تمرّده المتجذر في نفسيته، وهو تمرّد لعبت فيه العوامل الوراثية دورا بارزا. وتدوّن الروائية العراقية لطفية الدليمي جزءا من يوميات الحرب والجنــون بعنــوان “انحطـــاط الــوضـــع البشري: تريّث قليلا أيها الفناء”، يشتمل على مجريات يوم كامل من حياتها، في الأعوام الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق، تبوح فيه عن معاناتها خلال جحيم بغداد، الذي عاشت في أتونه وحيدة.

صادق جلال العظم يعترف بأن انتفاضة الشعب السوري ضد النظام العسكري والدولة الأمنية قد فاجأته

كتب ونصوص

وفي باب كُتب يقدم كمال البستاني ملخصات لمجموعة كتب منها “الأدب والالتزام” لبونوا دوني أستاذ الأدب الفرنسي والفرانكفوني في جامعة لييج ببلجيكا، “تجاوز الوطن الأصلي” للروائي الصيني مو يان، الفائز بجائزة نوبل عام 2012، “حضارة الفرجة” للروائي البيروفي ماريو برغاس يوسا، “ما بعد البطريركية” للكاتب الأميركي إريك ماسي، “الرأسمالية المفارقة: نظام يدفع إلى الجنون” لعالمي الاجتماع الفرنسيين فنسان دو غولجاك وفابيان هانيك، “إمكانية الكوسموبوليتانية: البرقع، حقوق الإنسان والتعايش” للباحث الفرنسي قسطنطين لانغي. كما يكتب الناقد العراقي جميل الشبيبي قراءة في رواية “جدار الصمت” للروائية الفلسطينية المقيمة في أستراليا دينا سليم، فيصنفها ضمن الروايات التي تمتثل إلى السيرة الذاتية.

الكاتبة المصرية نهلة راحيل تكتب في العدد دراسة عن سمات النص السيرذاتي في كتاب “أثقل من رضوى”، للروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور، قسمتها إلى مجموعة محاور هي: العناصر المنتمية لداخل النص، العناصر المنتمية لخارج النص، التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة، الميثاق السيرذاتي، والعناصر المحيطة بالنص، النص الملحق، والنص السيرذاتي.

تنشر المجلة لأول مرة نصا قصصيا سينمائيا، في باب فنون، للمخرج السينمائي السوري المعروف نبيل المالح بعنوان “الشلال”، بطلاه طفلان: الأولى ندى في السابعة من العمر، ذات خيال فائق يخلق الكثير من المشاكل، حيث تخترع مفردات عالمها من محيطها بالطريقة التي تناسب اتجاه خيالها، والطفل الثاني سامي، الذي يحضر إلى محطة التلفزيون للمشاركة في برنامج أسبوع للأطفال. وهو نص جميل نكتشف من خلاله الفرق بين عالم الكبار، من النفعيين والانتهازيين الذين لا يشعرون بالجمال، وينفرون من التغيير، وعالم الأطفال المفعم بالحيوية وروح المغامرة والخيال الجامح الذي ينشد البهجة والتجديد، كما هو الفرق تماما في عالم السلطة وأنظمة الحكم بين ما يسمى بـ“الحرس القديم” أو المحافظين وأولئك المتطلعين إلى التغيير.

في الصفحة الأخيرة يكتب مؤسس المجلة وناشرها د.هيثم الزبيدي مقالا بعنوان “ثقافة الرخيص، ثقافة القط بسبعة أرواح” ركّز فيها على مسألة ذات أهمية كبيرة هي فقدان الإحساس بحيوات الناس في عصرنا الراهن، حيث بات تقليد ألعاب القتل الإلكترونية أمرا شائعا من خلال استخدام الطائرات المسيرة في قتل الناس هنا وهناك من العالم النامي، خاصة في الشرق وعالمنا العربي، دون مراعاة ما إذا كان القتيل عروسا في زفاف أم إرهابيا، وصارت وكالات الأنباء تورد الأخبار في سياق مبسط، وما عادت المؤسسات الإعلامية، بأشكالها الورقية والتلفزيونية والإلكترونية، تهتمّ بنشر الخبر. إذن أصبح كل شيء رخيصا وعديم القيمة في عالم اليوم، على غرار الأجهزة الإلكترونية وغيرها من المنتجات الصناعية، التي صارت تفقد قيمتها بمرور الوقت، في حين كانت في ما مضى من العقود ذات قيمة، ويحافظ عليها الناس، ويصلحونها إذا ما أصيبت بالعطب. لقد أصبح هذا الرخص سمة ثقافية حياتية نعيشها.

15