"الجديد" تحتفي بالشعر في "زمن الرواية"

شعراء ونقاد يجيبون عن سؤال: هل مازال الشعر ديوان العرب؟
الخميس 2020/11/05
هل انتهى الشعر والشعراء حقا؟ (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

تواصل مجلة “الجديد” الثقافية طرح أهم القضايا الثقافية الراهنة، وقد خصصت عددها الـ70 (شهر نوفمبر الجاري) لقضية الشعر الذي يعرف جدلا واسعا بين عموم المثقفين والقراء والمبدعين والكتاب وحتى الشعراء أنفسهم، جدلا أدخل بعضُهم إثره الشعرَ إلى نهايته، فيما قاده بعضهم إلى ألقه وانبعاثه.

حملت مجلة “الجديد” الثقافية الشهرية، التي تصدر في لندن، في عددها الـ70 (نوفمبر 2020) سؤالا إلى عدد من حملة الأقلام العرب مفاده “هل مازال الشعر ديوان العرب؟”، مشيرة في الوقت نفسه إلى دعوة الناقد جابر عصفور في التسعينات، التي اعتبرت أن الزمن الإبداعي العربي بات زمن الرواية، ولم يعد، من ثم، زمن الشعر، مغلّبة جنسا أدبيا على جنس أدبي، عابرة على حقيقة أدبية تمثلت في انهدام الجدران بين أشكال الكتابة الإبداعية، وانفتاح النثر على الشعر والشعر على النثر.

وبينت المجلة أن إعادة طرح هذا السؤال تصدر عن الحاجة المستمرة إلى إعادة قراءة الظواهر والأفكار والصيغ التي حكمت التفكير الثقافي العربي، انطلاقا من وعي نقدي يرى ضرورة في طرح الأسئلة، واستكشاف ما طرأ على التفكير العام في القضايا الثقافية والإبداعية الكبرى. وشارك في الإجابة عن السؤال، ضمن ملف واسع، 21 شاعرا وروائيا وناقدا.

الرواية والشعر

خصص رئيس تحرير المجلة الشاعر نوري الجراح افتتاحية العدد للموضوع ذاته، حيث جاءت بعنوان “هل مازال الشعر ديوان العرب؟ المسافة المشوشة بين شاعر الأمس وشاعر اليوم”، يرى فيها أن ثمة أصواتا تخرج علينا من حين لآخر تقيم على الشعر صلاة الغائب وتنصب له سرادق العزاء، متحسرة على الغائبين من أساطينه.

ويصف الجراح هذه الأصوات بأنها نظرة عين غاربة، تنتمي إلى ثقافة “الشاعر الفحل” نظير “الزعيم الفحل”، الدكتاتور بوجهيه وقد ملأ، بحضوره الملهم، كل ثغرات الحياة في المجتمع، وتكون لصوته في القصيدة، كما لصوته في الخطاب السياسي، رنة ورجة وتهدج سلطة مطلقة تغزو الأذن وتأسر الوجدان.

ويشير الجراح إلى أن “جل البكّائين على الشعر، وبعضهم ينتمي، نظريا على الأقل، إلى ما يسمى بـ’حركة الحداثة’، لا علم لهم بتطورات الشعر في جغرافياته العربية، ولو امتحنت حجم معرفتهم بالأصوات والتجارب الشعرية الجديدة المنتشرة على خارطة الشعر العربي، خلال ربع القرن الأخير، لكانت النتيجة مؤسفة. ومع ذلك فإن لهؤلاء آراء في مستقبل الشعر!”. ويخلص الجراح، بالعودة إلى المبتدأ، إلى التساؤل “هل يمكن لمن أسروا أنفسهم في زنازين الماضي أن يصفوا شعر المستقبل؟”.

21 شاعرا وروائيا وناقدا عربيا قاربوا قضايا الشعر ورهاناته
21 شاعرا وروائيا وناقدا عربيا قاربوا قضايا الشعر ورهاناته

وكتب الناقد وائل فاروق، في مقاله ضمن الملف “الشعر.. لا زمن له ولا حدود”، أن الشعر عملية ابتكار دائمة للوجود، مبينا أن الشعر هوية العالم لأنه ديمومة الانفكاك من سديم الزمان والمكان، ليس للشعر دين أو صيغة أو منهج أو طريقة، ليس له حدود لأنه ديمومة التمرد على كل حد، وليس بزائل أو عابر أو مؤقت.

وذهب الناقد والشاعر محمد صابر عبيد، في مقاله “ضوء الشعر وظل الرواية”، إلى أن العربيّ يسترشد بضوء الشعر منذ زمن سحيق لا نعلم بدايته، وقد لا نعلم نهايته على الأرجح، ضوء ضاجّ بالنور البهيّ الساطع المغرور الطالع نحو الأعالي دائما وأبدا. لكن الرواية ستبقى إلى حين هي المهيمن الأدبيّ على سوق التداول في المنطقة العربيّة على حساب الشعر، وقد لا نرى أفقا ظاهرا يدفعنا إلى الأمل بشأن مستقبل قريب يعيد فيه الشعر العربيّ ألقه وتسيّده للمشهد الثقافيّ والأدبيّ العربيّ، وستظلّ القصيدة العربيّة صديقة حميمة لشعراء معدودين يرون فيها نافذة حرّة أصيلة للحياة.

 ويعتقد الناقد حاتم الصكر، في مقاله ”من يملك الزمن؟ عن خطـأ الاحتكام إلى السياقات التداولية”، أن المتصدين لمقولة زمن الرواية ورافضيها يحتكمون أحيانا، في حمأة المناكفات النظرية، لنوع من الحِجاج لا يختلف كثيرا عما ساقه جابر عصفور لإثبات صحة حكمه بسيادة الرواية على الزمن الأدبي، إنهم يسوقون الحجج السياقية في مطالعاتهم، كالاستشهاد بالفائزين بنوبل من الشعراء في السنوات الأخيرة، وتزايد أو تناقص الجوائز الشعرية العربية والدواوين المنشورة. ويرى، كخلاصة، أن التعايش بين الأجناس والأنواع ممكن كما هو بين النصوص والأجيال، وأن الزمن ليس حكرا لفن ما.

وتقر الناقدة نادية هناوي، في مقالها “الجديد والأجد”، ببطلان دعوى ملاءمة الشعر لزمن دون زمن أو دعوى القول بموت الشعر وحلول الرواية محله، أو ما شاع طرحه منسوبا إلى جابر عصفور بأنه قال إن الرواية ديوان العرب، وسبقه بعقود العلامة جواد علي الذي فسَّر كون الشعر ديوان العرب بأنه تسجيل من لا تسجيل له ولذلك لجأت إليه الشعوب القديمة حين لم تعرف الكتابة.

ويرى الكاتب والروائي والمترجم أبوبكر العيادي، في مقاله “الرواية تتقدم على الشعر”، أن الشعر وصل إلى مأزق حقيقي، رغم تزايد الشعراء، لأن ما يُكتب اليوم في عمومه تغلب عليه النمطية، ورغبة إحداث الدهشة على منوال النكت التي تراوغ انتظار المستمع، وشيوع قصيدة النثر بشكل أطمع كثيرا من ضعاف الموهبة، وخلق فوضى عارمة.

وينفي الشاعر والتشكيلي محمد العامري، في مقاله “الشعر يسري في الدم”، أن يكون الشعر قد تخلى عن بهائه يوما من الأيام، فهو قلب الأرض الذي يؤشر على ديمومة الحساسية الجمالية للإنسان. ويعتقد أن المنظومة النقدية العربية هي منظومة تلهث خلف المناسبة السائدة في حقبة ما، لتنقاد إلى مواقع واهمة منسلخة عن ضمير العالم، لذلك سادت مقولة ساذجة تقول “الرواية ديوان العرب”.

ويؤكد الناقد هيثم حسين، في مقاله “لعبة الأزمنة والجوائز”، أن للشعر زمنه الخاصّ الذي يستحيل أن يزاحمه عليه أيّ فن آخر، وهذا الأمر ينطبق على الرواية، وعلى الفنون والأجناس الأدبية الأخرى، ذلك أنّ القول بموت هذا الفنّ، أو انحساره، أو تبدّل زمنه، وتقهقره وكأنّه في صِدام مع الفنون الأخرى، أو في حالة بحث عن الهيمنة معها، يبتعد عن جوهر الفنّ نفسه، وينساق وراء مقولات فضفاضة بعيدة عن حقيقته وواقعه وتاريخه.

ويطرح الشاعر والناقد عبدالرحمن بسيسو، في مقاله “أَزمن الرواية أَم أَزمنةُ الإبداع؟”، مجموعة أسئلة من قبيل: هل ثمة ما يسوّغ، فكريا وجماليا، القول إننا لا نعيش زمن الشعر، والقصة، والمسرح؟ متى كف “القص” عن توزيع نفسه، بتنوع وثراء، على كل أجناس الأدب؟ ومتى تخلى الشعر عن كونه قصا جميلا يتخطى كل نَظم قسري وقاصر؟ ومتى تخلى القص عن جمالياته النابعة من شعريته؟

وتعزيزا لهذا الملف، نشرت “الجديد” في هذا العدد، ملفين آخرين عن الشعر، أحدهما بعنوان “لويز غليك بيرسفوني الأميركية: شاعرة الأسطوري والميتافيزيقي والأوتوبيوغرافي”، ترجمه وقدّم له الشاعر والمترجم سامر أبوهواش، تضمن أكثر من ثلاثين قصيدة. والثاني بعنوان “بوب ديلان: قصديدة إلى جواني”، ترجمه وقدّم له الناقد خلدون الشمعة. كما احتوى العدد على قصائد للشعراء زاهر الغافري وفاروق يوسف وبهاء إيمالي.

مقالات وقصص وحوارات

انهدام الجدران بين أشكال الكتابة الإبداعية (لوحة نهاد كولي)
انهدام الجدران بين أشكال الكتابة الإبداعية (لوحة نهاد كولي)

 تضمن العدد، أيضا، ثلاث مقالات لأحمد برقاوي وعبدالرحمن بسيسو ومحمد صابر عبيد. وفي باب القص نشرت المجلة قصتين لحجاج أدول “صِمامة محمود وأغنيته الخالدة”، ونهى الصراف “الخوّاف”، وفصلا من رواية لياسمين كنعان بعنوان “المربع الأول في رقعة الشطرنج”.

وفي باب حوارات نقرأ حوارين، الأول مع المستشرقة والباحثة والمترجمة الإيطالية فرانشيسكا ماريا كورّاو، أستاذة اللغة والثقافة العربية في جامعة لويس بروما، أجراه رئيس التحرير، تجيب فيه عن عدد من الأسئلة الشاغلة بالنسبة إلى القارئ العربي، في فضاء العلاقة بين الثقافتين العربية والإيطالية، وفي مجالات اهتمامها، لاسيما ترجمة الشعر والحوار الثقافي بين العرب والأوروبيين. أما الحوار الثاني فهو مع الفيلسوف الفرنسي دوريان أستور، المتخصص في اللّغة والأدب والحضارة الألمانيّة، أجراه وترجمه أيمن حسن.

وثمة في العدد مجموعة من القراءات في الكتب ومختصراتها لعبدالرحمن بسيسو، ويسرى الجنابي، ونهلة راحيل، ومفيد نجم وكمال البستاني، ورسالة باريس لأبوبكر العيادي.

وختم العدد ناشر المجلة الكاتب هيثم الزبيدي بمقال عنوانه “الغرب الذي لا يهتم بما نكتب”، يقول فيه إن “الغرب نهم لترجمة الأعمال من لغات أخرى. نهم متبادل بين اللغات الأوروبية، ونهم حاضر للترجمة من اللغات الأخرى خصوصا من شرق آسيا وشبه القارة… إلا العربية. لا تنتهي شكاوى الأدباء والشعراء العرب من إهمال العالم لهم وعدم ترجمة أعمالهم، باستثناء نجيب محفوظ. وتزدحم التفسيرات، من تراجع المستوى لإنتاج الأدباء والشعراء، إلى المؤامرة لمنع وصول ‘الإبداع‘ إلى اللغات الأخرى، وصولا إلى تراجع استثنائي في عدد المترجمين من العربية إلى لغات أخرى”.

ومن جملة تفسيرات ذلك يتمسك الزبيدي بفكرة السوق؛ إذ يعتبر أنه لو وُجدت السوق للإنتاج العربي الأدبي والشعري المترجم لكان هناك من يهتم ويترجم. ولانعدام السوق ثمة أسباب نفسية وثقافية وما يتعلق بمستوى الإبداع، حسب رأيه.

لكن رأي الزبيدي قابل للنقاش، إذ ربما يتفق معه بعض الكتّاب، ويضيف إلى تفسيراته تفسيرات أخرى، وربما يختلف معه كتّاب آخرون لا يرون الأمر كذلك، بل يرون أن الأدب العربي يجد مكانًا له يتسع كل يوم في العالم، وأن الأسماء الجيدة تأخذ مكانها، ولم يعد الأمر متوقفًا على المشاهير فقط، وذلك استنادا إلى وجود أدباء عرب، إلى جانب نجيب محفوظ، حققت أعمالهم نجاحا كبيرا مهما اختلف الكثيرون معها، فتجاوزت العشرين لغة في الترجمة.

15