"الجديد" في عددها السابع: مغامرة الإبداع المبتكر والفكر الحر

تطوي مجلة “الجديد” الثقافية في عددها السابع، الذي صدر في بداية شهر أغسطس الحالي، نصف عام من عمرها، وتفتتح النصف الثاني منه، كما كتب رئيس تحريرها الشاعر نوري الجراح، “مثابرة على نشر النصوص الإبداعية المبتكرة إلى جانب النصوص الفكرية الجريئة، وعلى إدارة حوار فكري حرّ يوسع من أفق البحث، ويمنح السؤال النقدي مساحة مضاعفة من خلال سجال تلكأت النخب المثقفة، وترددت طويلا في مباشرته، ولا سيما حول ما يتصل بالقضايا الفكرية الشائكة والملفات المهجورة كسلا أو يأسا أو خوفا”.
الأربعاء 2015/08/05
"الجديد" احتفت بالمفكر السوري طيب تيزيني والشاعر العراقي زاهر الجيزاني

اشتمل العدد الأخير الصادر بداية أغسطس من مجلة “الجديد” على مجموعة أبواب، إضافة إلى كلمة رئيس التحرير ورسالة لندن والأخيرة، تضمنت ملفا كرسته المجلة لمحاورة المفكر السوري البارز طيب تيزيني، بعنوان “الإنسان الوحش: العودة إلى ما قبل التاريخ”، عبّر فيه عن أثر الوقائع التراجيدية وانتكاسات الانتفاضة السلمية في سوريا على تفكيره، واستنتج من خلاله خمس نتائج محورية مما حدث في الوضع العربي خلال الأعوام الأربعة التي مرت، خاصة في سوريا، وهي: غياب الكتلة التاريخية التي كانت ملاحقة ومدانة على ضعفها ومحدوديتها، تبعثر الحامل الاجتماعي وعجزه أمام فئة اليافعين والشباب وفلول من الآخر، ضبابية مطلب القطيعة مع الماضي وعدم راهنيته في البدء، ضخامة مواجهة النظام للمنتفضين بعد الإسراع بعقد تحالفات مع دول منها إيران. وأخيرا تعرض التغيير إلى المحاصرة بحالتين: العنف غير المسبوق وتسويق الانتفاضة المشروعة بوصفها مؤامرة كونية، ما أدّى إلى تدخل عسكري من قبل إيران وصنيعتها حزب الله وروسيا وآخرين.

حوار على حوار

في إجابته عن سؤال المجلة حول ما إذا كانت المؤسسات المختلفة قادرة على تشكيل خطاب المواطنة والسيادة والقانون أم أنها ستتفكك في ظل الموروث الفكري (القمعي والديني) للمنطقة من جهة وأمام العولمة من جهة أخرى؟ يرى المفكر السوري طيب تيزيني أن العالم كله يصبح في ظل العولمة مهيّأ لأن يتحول إلى أشياء وسلع ومال، وخصوصا منها ما تراه العولمة عائقا في وجه هيمنتها الكونية مثل مفاهيم المواطنة والقانون والهوية الإنسانية والوطنية، إلخ…

وخطت المجلة في هذا العدد خطوة جديدة تمثلت في فتح سجال معمق حول أفكار طيب تيزيني، بصيغة “حوار على حوار”، شارك فيه سبعة كتّاب قرأوا الحوار قبل نشره هم: عبد الباسط سيدا “كيف تتحول الانتفاضة إلى ثورة؟”، ربوح البشير “المفكر العربي ومأزق الأيديولوجيا”، نزيهة الخليفي “عجز اليسار وأوهام الإسلاميين”، هوشنك أوسي “خطاب الردة”، شادي علاءالدين “التواصل الأيديولوجي بين الإسلام الداعشي والعالم المعولم”، زهير توفيق “في السؤال عن اللحظة المناسبة”، وعبدالرحمن بسيسو “أثورة أم نهضة أم كلاهما معا؟”.

المفكر السوري طيب تيزيني

أقفاص الذكورية

في باب “مقالات” كتب كل من: أحمد برقاوي “بؤس التراثيين العرب”، سلامة كيلة “نقد نزعة الـ"أنتي إمبريالست"، باسم فرات "المثقف الطائفي وخراب الأوطان: العراق نموذجا"، وعمار ديوب "في العمارة والشأن العام". واحتوى باب "سجال" على مادة واحدة بعنوان "في أخلاق الملحدين واللادينيين ومصادرها" بقلم جاد الكريم الجباعي. وفي باب أصوات كتب هيثم حسين “سيمفونية العتمة”، هوازن خداج “لغز الكوميديا الضائع”، وهيفاء بيطار “اخضع ترضع: مثقفو الاستبداد”.

كما تضمّن العدد 16 نصا شعريا للشاعر العراقي زاهر الجيزاني حمل عنوانا رئيسا هو “أنت تتبددين في الإيماءة”، يتمحور كله حول المرأة، بوصفها حبيبة ولغزا ورمزا، والقصيدة تشكّل نقلة نوعية في تجربة الجيزاني الشعرية المتميزة التي تعود بدايتها إلى السبعينات.

وفي باب الشعر أيضا مجموعة قصائد للشاعرة الأمازيغية الجزائرية الراحلة فاطمة أُث منصور عمروش (1882- 1967) بعنوان “أنا نحيلة ووجهي يعلوه الضباب”، ترجمها أزراج عمر، الذي وصف الشاعرة في بورتريه كتبه عنها بأنها شاعرة موهوبة ومغنية متمردة وناثرة من الطراز الرفيع، نشرت أول سيرة ذاتية أدبية متمردة تكتبها أديبة جزائرية في العصر الحديث عنوانها “قصة حياتي”.

وقد شرعت في كتابتها سنة 1946، وسجّلت فيها تفاصيل معاناة فاطمة عمروش الأنثى المجروحة والمقاومة بشكل مباشر، ومعاناة المرأة الأمازيغية، بشكل غير مباشر، داخل أقفاص الثقافة الذكورية في المجتمع الأمازيغي البطريركي في تلك الحقبة الكولونيالية. وفي باب الشعر أيضا نشرت المجلة قصيدة بعنوان “مساء الخير أيتها الحرب” للشاعر والمترجم السوري إبراهيم قعدوني.

احتوى باب "قص" على أربعة قصص قصيرة لكل من: القاص الفلسطيني أحمد سعيد نجم “أول الهزائم”، القاص العراقي الشاب نهار حسب الله “الموت والحياة أحيانا”، القاص المصري حسين عبدالرحيم “ثمرة المانغو”، والقاصة السورية كمالا العتمة “النوم على الأريكة”.

لأول مرة تنشر المجلة نصا مسرحيا للكاتب السوري أحمد إسماعيل إسماعيل بعنوان "قبل أن يأتي الربيع"

لأول مرة تنشر المجلة نصا مسرحيا من فصل واحد وشخصيتين للكاتب السوري أحمد إسماعيل إسماعيل بعنوان “قبل أن يأتي الربيع″ يدور حول الرعب الذي يعيشه زوجان (سلمى ومروان) في بلد يحكمه نظام دكتاتوري طائفي، إثر مكالمة هاتفيه تتلقاها الزوجة من أحد فروع أمن الدولة يبلغها فيها أحدهم بوجوب مراجعة زوجها مقر الفرع. تنتهي المسرحية بخنق الزوج زوجته في لحظات هستيرية وهما يمثّلان مشهد التحقيق المتخيّل.

في باب فنون نشرت المجلة دراسة مهمة حول فن الصورة بعنوان “أبراج الصور المشيدة: لعنة النجاة من الصورة” للناقدة اللبنانية ميموزا العراوي، وقفت فيها على تجارب العديد من المصورين العرب والأجانب التي وثقوا فيها الكوارث والحروب والأحداث المختلفة التي شهدتها المجتمعات الإنسانية.

إلى جانب الحوار الذي أجرته المجلة مع المفكر طيب تيزيني، نشرت حوارين آخرين، الأول مع الكاتبة الصينية شينران، المقيمة في لندن، والتي تُعدّ أول امرأة نقلت قضايا المرأة الصينية إلى العالم من خلال برنامج إذاعي قدمته مدة ثماني سنوات حين كانت تعيش في الصين، وكتبت كتابا بعنوان اشتر لي السماء” تناولت فيه القصة الحقيقية لجيل الطفل الواحد في بلدها وانتهاكه لحرية الفرد، وكتابا ثانيا بعنوان “شاهد الصين: أصوات من جيل صامت” خصصته لاهتمام الصينيين بما يجري في الشرق الأوسط، وكتابا ثالثا عن حقوق الإنسان بعنوان “دفن سماوي” بيّنت فيه كيف تمكّنت الصين من التحكم في إقليم التبت.

أما الحوار الثاني فهو مع المصور اللبناني ميشيل الناشف، تحدث فيه عن مسيرته في التصوير والمصورين العالميين الذين تأثر بهم، وعشقه للصور بالأبيض والأسود، وتركيزه على عوالم الأمازيغ في المغرب.

الشاعر العراقي زاهر الجيزاني

وتضمن العدد السابع أيضا قراءة في كتابين، الأولى للكاتب الجزائري حميد زناز بعنوان “الحداثة والقرآن: مرحبا أيها العقل”، عرض فيها الأفكار الأساسية التي طرحها المفكر المغربي الشاب سعيد ناشيد في كتابه “الحداثة والقرآن” الصادر عن دار التنوير اللبنانية.

والقراءة الثانية للكاتب المصري أيمن بكر بعنوان “على قارعة الوطن” تناول فيها كتابا نقديا ينتمي إلى مجال الدراسات الثقافية بعنوان “واحد مصري: خطاب مفتوح لرئيس مصر” للكاتب وليد علاءالدين، فضلا عن كتب أخرى له.

دولة ماد ماكس

يختم الكاتب هيثم الزبيدي، مؤسس المجلة وناشرها، صفحات هذا العدد بمقالة ذات عنوان ساخر هو "الدولة العربية المعاصرة لصاحبها ماد ماكس"، تشبيها لها بمشاهد من جزأيْ فيلم "ماد ماكس، ماكس المجنون" وقف فيها على مرحلة تأسيس هذه الدولة بين الأربعينات والستينات من القرن الماضي، تلك المرحلة التي كانت حبلى بالآمال الكبيرة لوهلة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى بركة، هي بركة الواقع التي أخذ يرمي فيها حجرا أو حصى كلّ من مرّ على منطقتنا، من أهلها ومن خارجها.

ولم نكن نرى هذا الحجر لأنه كان يغوص في عمق مياه الآمال والتطلعات، وأيضا أموال الريع النفطي.

ويضيء الزبيدي في مقالته الوضع الذي آلت إليه فوضى الربيع العربي بعد مرور مرحلة مفصلية ابتداء من نهاية السبعينات حين وصل الخميني إلى حكم إيران، وتخللتها أحداث كثيرة رمت بدورها المزيد من الحجارة في البركة، فأدّى تراكمها إلى أن جعل البركة غير قادرة على إخفائها.

وختم الزبيدي مقالته بقوله إن “ماكس المجنون صار علامة المنطقة المميزة، ويتربع باستحقاق على كومة الحصى التي غطت معظم أركان بركة الدولة العربية المعاصرة” في إشارة ذكية إلى مشاهد قتل وحرق لميليشيات سنية أو شيعية في أفلام نتناقلها على يوتيوب، شبيهة بمشاهد ذلك الفيلم: سيارات غريبة ومسلحون بأوجه ملتحية وأقنعة، كل ما يريدونه من المقابل هو أن يقتلوه.

15