الجديد في عددها الـ16: انفجار الهويات والصراع على أرض العرب

جاء العدد السادس عشر لشهر مايو 2016 من مجلة "الجديد" بمثابة عتبة لمباشرة حوار فكري مختلف حول مسألة الهوية، في وقت تثار فيه هذه المسألة انطلاقا من أولويات بعيدة عن الفكر، في ضوء صراع سياسي حاد، وسجال بصوت واحد يلبي حاجات سياسية تؤثر لغة الحرب والإخضاع وثقافة الغلبة لا الحوار. كما تضمن العدد مقاربات أدبية وفنية ونصوصا إبداعية على اختلاف أجناسها.
الاثنين 2016/05/16
العدد ضم ملفا فكريا عربيا وحوارين في الأدب والفكر وكتابات إبداعية ونقدية

خصصت مجلة "الجديد" الثقافية الشهرية ملف عددها الـ16، الصادر في الأول من مايو/ أيار الجاري، لموضوع الهويات بعنوان "انفجار الهويات: الصراع السياسي والثقافي على أرض العرب"، يضم مقالات لكتاب من سوريا، العراق، فلسطين، تونس، والجزائر.

حملت المقالات العناوين الآتية: "تأملات في مسألة العرب والهوية" لأحمد برقاوي، "اختبار الهوية وعرب النكبة الكبرى: من "عروبة" كعب بن لؤي إلى "جُمَع" الثورات" لإبراهيم الجبين، "صراع الهويات وتجلياته في الفكر والثقافة والاجتماع" لجاد الكريم الجباعي، "المعقولية العربية والانغلاق" لفتحي التريكي، "من التحرير إلى الصراع" لإبراهيم سعدي، "العرب ومسألة الهوية" لسلامة كيلة، "بيت الخائب" لأحمد دلباني، "الصراع الهوياتي" لأزراج عمر، القومية والإثنية والعرق" لباسم فرات، و"الهوية الطفولية والنزعة الارتكاسية" للبشير ربوح.

في افتتاحية العدد، كتب رئيس تحرير المجلة نوري الجراح عن الهوية، متسائلا عما إذا كانت هي حقا صراع سرديات أم عبثا بالهويات يغذّي صراعا شرسا على السلطة والمال والنفوذ في شرق لم يتوقف الغرب طوال القرن العشرين عن التفكر في خرائطه وشعوبه ومآلاته، حتى بعد أن حسم صراعه مع الإمبراطورية العثمانية بهزيمتها، وآلت إليه "تركة" الرجل المريض. دون أن نهمل نهوض كيان سياسي جديد لأمّة تطلب من العرب ثأرا هي الأمّة الفارسية.

وانتهى الجراح إلى أنه لا خلاص للعرب من حلقة الضباع التي أحاطت بهم وراحت أنيابها تعمل النهش بجسدهم، ولا خروج لهم من الجحيم الذي رماهم التاريخ في أتونه، إلا بعروة عربية جديدة بعيدة عن أيديولوجيا الأوهام، يُمكِّنهم منها مشروع جديد يتيح للعقل العربي تحرير نفسه من أوهام الماضي وآلام الحاضر، ويجعلهم أقرب من أنفسهم في سجيتها الطبيعية، وأكثر استعدادا، بالتالي، للخوض في شراكات عقلانية تقوم على المصالح المشتركة.

إشكاليات الهوية

يتأمل أحمد برقاوي في مسألة العرب والهوية، قائلا إنه يندر أن تجد قوما أو شعبا أو أمة انشغلت نخبتها المفكرة بمسألة الهويّة كما انشغلت العرب ونخبتها، وآية ذلك أن أهداف النهضة التي طرحها مفكرو عصر النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مازالت حاضرة بوصفها أهدافنا الراهنة، ولم يتحقق منها أمر من الأمور.

ويخلص برقاوي إلى أن غياب الجوهر الحقيقي للدولة المعاصرة، التي تقوم على أساس المواطنة والمساواة، والاكتفاء بسلطة تؤكد التمايز "الهوياتي"، وتحول الهوية إلى عصبيات متعصبة هو الذي يفسر لنا عدم انتصار الهوية الجامعة "هوية الدولة".

ويؤكد إبراهيم الجبين أن بحث الهوية اليوم عليه أن ينتقل من حقل التأصيل النظري إلى ميادين الحياة. ويتطلب الأمر إعمال البحث العلمي في المناطق المستقرة من العالم العربي، بالتوازي مع إنقاذ الهوية الإنسانية والثقافية للعرب في البلاد التي تدور فيها رحى الحرب والتي عرّضت العرب لنكبتهم الكبرى، لا نكبة التدمير والقصف والتهجير وحسب، بل نكبة تآكل الشخصية وصعود الشراذم وهجمة الأعداء القدامى (الإيرانيون الذين يغذون الخراب ويمولونه). لكن هذا كلّه هو بالتحديد ما يشعل أوار الهوية من جديد.

لا خلاص للعرب ولا خروج لهم من الجحيم إلا بالابتعاد عن أيديولوجيا الأوهام وعقل عربي متحرر من أوهام الماضي وآلام الحاضر

يخلص فتحي التريكي إلى أن انفجار الهويات، بمخاطره الكبرى، سيكون حتما عماد الفكر السياسي المقبل في المعقولية العربية، لأنّ ما سيبرز مستقبلا يتمثل في تكوينات من ذوات مشتّتة تربط بينها روابط مختلفة غير مركزة، وكثيرا ما تكون خيالية عن طريق الإنترنت مثلا، قد تأخذ هذه الرّوابط أشكالا متعدّدة: كنشر الأفكار والآراء والتحاليل والنتائج العمليّة والمعلومات الاقتصاديّة، عن طريق الإنترنت وغيرها. فمع تحوّل الذّات من الهويّة السردية إلى الهويّة السيبرنيّة يتحوّل الارتباط والانتماء من المجتمع العادي إلى المجتمع السيبرني. لكل ذلك لا بد من مقاومة الهويات السردية القاتلة وتحرير المعقولية العربية من قيود نظرتها الماضوية واقتراح هوية بديلة متحركة تأخذ بعين الاعتبار تحولات العالم اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا بجانب تجذّرها في معطيات حضارتها الغنية والمتنوعة.

يدعو باسم فرات إلى تجنب الخلط بين ثلاثة مصطلحات هي: العرق والإثنية والقومية، فالعرق هو المرحلة الأولية لحياة شعب ما، لم يجرّب الـمَدَنية، ومن هنا فهو نادر الاختلاط بأعراق وإثنيات وقوميات أخرى، وحين يتم الاختلاط، يرتقي إلى مصاف الإثنية، وقد تتأخر المرحلتان في حياة شعب ما، أو إحداهما، ولا يمكن أن تصل الإثنية إلى مرحلة القومية إلا بعد أن تحقق لغتها التدوينية حضورا عميقا وقديما في الذاكرة الجمعية لأبنائها.

الكتابة في الحريق

في باب "مقالات" نشرت المجلة أربع مقالات هي: "بعيدا عن نزوة الطاووس: الفيلسوف الحق والعنف الإسلاموي"، لرسول محمد رسول، "مسارات الثقافة العربية ومآلاتها في عصر الربيع العربي" لمازن أكثم سليمان، "عالم الرواية" للطفية الدليمي، و"الكتابة الجديدة وفكرة الانتهاك" لعمار المأمون.

تناول رسول في مقاله علاقة الفيلسوف بالمعرفة، مؤكدا أنها تبقى غير بالغة إنْ لم يجعلها طريقا مثمرة لغاية سامية بحيث يراها ونراها معه تترجّل لتمشي بين الناس حتى تلامِس واقعهم في نمائه وصيرورته اليومية. ورأى مازن أكثم أن العلاقة الجدلية بين المستوى الوقائعي القائم، والمستويات الثقافية والمعرفية أدّت إلى ظهور ديناميات جديدة شديدة الحساسية والتسارع في المشهد الثقافي العربي، لينعكس المخاض الاجتماعي- السياسي المتشظي على هذا المشهد بعمق وضراوة.

وذهبت لطفية الدليمي إلى أن الرواية في عالم اليوم تؤدي الوظيفة التي نهضت بها الأسطورة من قبل، فقد غدت على الصعيد الفردي، بمثابة "الفضاء الميتافيزيقي" الذي يلجأ إليه الأفراد للحصول على فسحة من "فك الارتباط" مع الواقع الصلب واشتراطاته القاسية.

إبراهيم الجبين وشوقي بغدادي ولطفية الدليمي وأحمد البرقاوي يكتبون عن زمن الانفجار

في باب "حوار" نشرت المجلة حوارين: الأول مع الشاعر السوري شوقي بغدادي أجرته الشاعرة بسمة شيخو، والثاني مع المستعرب الهولندي يان ياب دي راوتر، الأستاذ في قسم الدراسات الإسلامية والشرقية بجامعة تولبرغ أجرته الكاتبة التونسية لمياء المقدم.

يتحدث بغدادي عن شعره الذي صنع حياته، وعن حياته التي كتبت شعره، صور منجّمة ما بين بداياته وشبابه وبين أيام الشيخوخة التي يقضيها في الحرب متربعا وسط هذه الكلمة، محاولا تحطيم حروفها بقصائده. لا شيء يخيفه، وقد قال في ديوانه الجديد "جمهورية الخوف"، الذي سيصدر قريباً، تتمحور قصائده حول الوطن وما يحدث فيه، متحديا جميع الذين تسببوا في دماره.

ويعبّر دي راوتر، المعروف بعشقه للعربية، عن اعتقاده بأن مستقبل الإسلام في أوروبا وليس في العالم العربي والإسلامي، ويبرر ادعاءه بأن العالم أصبح غير قادر على استيعاب الإسلام التقليدي، وإنما نسخة ملطفة، متحضرة وديمقراطية منه، هي تلك التي ظهرت وترعرعت في الغرب وتشبعت بمبادئ الديمقراطية والحرية والتعدد.

في باب "سجال" يقدم الناقد مفيد نجم قراءة في ملف "الحرائق تكتب والروائيون يتساءلون" المنشور في العدد السابق من "الجديد"، مبيّنا أن إجابات العدد الوافر من الكاتبات/ الكتّاب يغلب عليها الشعور بالصدمة المروعة بسبب حجم الكارثة، التي كان يصعب عليهم تخيلها نتيجة حجم الإجرام الذي ترتكبه سلطات القتل والإجرام من أجل بقائها ولو على حساب دمار أوطانها وتشظيها، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن الكتابة في هذه اللحظة.

شارك في باب "أصوات" ثلاثة كتّاب هم: حميد زنار "العقلانية طريقة حياة"، محمد ناصر المولهي "المثقف جاهلا، المثقف قاتلا"، ونصيرة تختوخ "أزرق الفنان وقيثارة الشاعر". وفي الأبواب الإبداعية نشرت المجلة قصائد لزهير أبو شايب "جسد أبدي من الضوء"، وليد تليلي "المحرقة"، حسام الدين محمد "أندلس القاطرات"، وخلود الفلاح "ثرثارة الوحيدات". ونصوصا سردية لأحمد سعيد نجم "بقية الحكاية"، مصطفى تاج الدين الموسى "حكاية الروح التائهة في أوروبا"، فيصل عبد الحسن "سيارة جدي الملقب بشريف روما" (وهو فصل من رواية).

الهويات السائدة اليوم تواجه خطرا يتمثل في أنها لا تعرف كيف تنفتح على الآخر وكيف تندمج في العالم الواسع

في باب "كتب" نشرت المجلة مقدمة كتاب "الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها" للباحث العراقي رشيد الخيون، وهو موسوعة في ثلاثة أجزاء ستصدر هذا الشهر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، كشف فيها أن الكتاب يحوي مادة تراثية غزيرة تعكس الحياة بين الجماعات العراقية، فقد غطّت فترة الخلافة الإسلامية أكثر من سبعة قرون، عاشت فيها الأديان والمذاهب الفرج والشدة. وفي الباب نفسه نقرأ عرضاً لكتاب "الربيع العربي- وجهة نظر أوروبية" لكويريت ديبوف، المترجم حديثا إلى العربية، والمنشور في القاهرة، بقلم إبراهيم قعدوني.

الكاتبة والشاعرة المغربية إكرام عبدي تسلط الضوء في باب "فنون" على تجربة المصورة الفوتوغرافية المغربية/ الفرنسية ليلى العلوي، التي أطفأت رصاصة إرهاب طائشة فلاش كاميرتها ببوركينا فاسو وهي في مهمة رسمية لمنظمة أممية. ترى عبدي أن لهذه المصورة الراحلة أسلوبها وخطها الفني المتفرد، فقد استعانت بثقافتها الغربيّة وأصولها الدّاخليّة للبلد الأصل، لتؤكد أن النساء العربيات لسْن سجينات الحياة الخاصة، وأن التصوير الفوتوغرافي ليس حكرا على الرجال.

في باب "الملخص" يقدم الكاتب والمترجم الأردني تحسين الخطيب عرضا مكثفا لمجموعة كتب صادرة حديثا، منها: "في المقهى الوجودي: الكينونة والحريّة وكوكتيلات الدرّاق"، للأميركية سارة بيكويل، "والإسلام والديمقراطية والربيع العربي" لكل من جون إسبوسيتو وتمارا صنّ وجون فول، و"الآرغونيّون" للشاعرة الأميركية ماغي نيلسن، وروايتا "حرث قديم" و"جامُ غضب" للروائي البرازيلي ذي الأصول اللبنانيّة رضوان نصار، المترجمتان حديثا إلى الإنكليزية، ورواية "سماحة الأعداء" للروائية السودانية ليلى أبو العلا التي تعيش في اسكتلندا وتكتب بالإنكليزية.

أبو بكر العيادي يخصص رسالة باريس في هذا العدد لموضوع "التطرف من منظور العلوم الإنسانية"، قارئا مقاربات المحللين، على اختلاف تخصصهم، لظاهرة التطرف الجهادي وفهم دوافعها، منذ العمليات الإرهابية التي ضربت باريس مرتين وبروكسل مؤخرا.

الرواية في عالم اليوم تؤدي الوظيفة التي نهضت بها الأسطورة من قبل، فقد غدت بمثابة "الفضاء الميتافيزيقي"

هذه المقاربات تنطلق من مجموعة أسئلة: كيف يغدو الفرد متطرفا ثم يتحول إلى إرهابيّ يقتل باسم أيديولوجيا تقوم لديه مقام التقديس؟ وما هي الظروف التي تدفعه إلى ذلك؟ هل يتأتى العنف من يقينية دينية وحدها أم من عوامل أخرى ترفدها؟

الهوية المستبدلة

يختم مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي العدد بمقال عنوانه "الهوية المستبدلة: تعريف الغرائز"، مؤكدا فيه أن الهوية العثمانية للعراقيين وسكان الشرق الأوسط كانت قد استبدلت بالكامل ما إن انتهت الدولة العثمانية، وتأسست الدولة الوطنية العربية. وصار الرعايا العثمانيون، القريبون جغرافيا من الأستانة، عراقيين وسوريين ولبنانيين وأردنيين. وتبخرت تماما ألف سنة من حكم الأتراك للشرق، منها 600 عام للعثمانيين وحدهم. وكان الاستبدال عميقا، فالدولة العربية الفتية كانت قوية وحازمة.

تأسست الجيوش التي جمعت أبناء البلد الجديد حتى قبل أن تتأسس الحكومات أو قبل أن تستقر خدمات البلدية فيها، وانصهرت الهوية الوطنية الجديدة الجامعة في عمارة الوطن الحديث، وحققت ذاتها من خلال التكامل مع البنيان العربي العام في مرحلة ما بعد الاستعمار. وفي أغلب الدول العربية تلاشت القبلية والطائفية، وانزوت الهويات الدينية والعرقية في ركن مظلم من أركان الدولة الحديثة، التي كانت جبروتا مطلقا تقريبا. ومثلها كانت هويتها.

ويخلص الزبيدي إلى أن الهويات السائدة اليوم تواجه خطرا يتمثّل في أنها لا تعرف كيف تنفتح على الآخر وكيف تندمج في العالم الواسع. فقد صارت لديها قدرة كبيرة على التقوقع في جغرافيتها الرثة، بل أن تصدّر نفسها إلى جغرافيات المهجر البعيد، فتزرع أمراضها في أجيال كان بوسعها أن تبدأ من جديد.

15