الجديد في عددها الـ19: لعنة التحريم وشيطنة الآخر

تواصل مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية العربية سيرها برصانة وثقة عالية، ملتزمة بوعدها بأن تكون منبرا ثقافيا عربيا طليعيا جامعا، يلمّ بالجديد المغامر والمبتكر، أدبا وفكرا. وها هي تُصدر عددها التاسع عشر، بعد أن اجتازت عاما ونصف العام منذ صدور عددها الأول في فبراير 2015.
الخميس 2016/08/18
إسلامات وحداثات وحاضر عالمي مضطرب

تتصدى مجلة الجديد الشهرية الثقافية في عددها التاسع عشر في ملف بعنوان “شيطنة الآخر: إسلامات وحداثات وحاضر عالمي مضطرب” لإشكالية الأنا والآخر، انطلاقا من موضوعات ومسائل شتى، وعلى قوس من المشكلات المتفاقمة التي باتت تحكم هذه العلاقة، وتهددها على نحو جدّي. وقد شارك في الملف كل من أحمد برقاوي بمقاله “ما بعد القوة الأخلاقية: سؤال في العروبة ومصائرها الراهنة”، وخلدون الشمعة “خطاب شيطنة الآخر: برنارد لويس واكتشاف الإسلام لأوروبا”، وعبدالرحمن بسيسو “الديمقراطية المكارثية: تأملات في نص العالم الراهن”، وفتحي التريكي “الأنا والآخر وتفجر الهويات: ملاحظات حول التثاقف”، ونجيب جورج عوض “السياسة والإسلاموفوبيا: قراءة سياقية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”، وربوح البشير “ما بعد المابعد الممارسة الدينية بين منشود القيم وإكراه المكبوت”.

شيطنة الآخر

يؤكد أحمد برقاوي في مقاله أن العرب واقعة بشرية قديمة، فيما العروبة وعي جديد. وهذا هو الذي يفسّر جدة الكلمة بوصفها مصدرا. وتنتمي العروبة إلى مرحلة وعي نخبة عربية مثقفة بأن للعرب حقا مسلوبا في دولة متعددة الأقوام. لكن ثمة عوامل كثيرة أسهمت في ركود العروبة بوصفها وعيا بالمصير، منها: التسوية مع العدو، والدخول الأميركي بقوة في تحديد معالم المنطقة، إضافة إلى غياب السوق المشتركة، واستقرار نظام سلطوي قمعي بامتياز لم يشهد له تاريخ العرب مثيلا، وانتشار التيار الأصولي أيديولوجيا كخلاص، وزوال القوة الأخلاقية لفكرة العروبة التي كانت تلجم أنظمة سياسية وأفرادا من أن يظهروا عداءهم للمصير المشترك، وأنانيتهم العاجزة. وهكذا تواجه العروبة نفيا متعدد الأوجه: نفيا أيديولوجيا من المتصالحين مع العدوّ باسم الواقعية والعقلانية، متحالفا مع نفي ليبرالي جديد باسم العولمة.

ويرى خلدون الشمعة أن المظهر الأكاديمي الصادم، الذي يتخفى وراء خطاب شيطنة الآخر لدى برنارد لويس، هو نتاج وجود صور لديه للحقيقة، متشكلة قبل الرؤية (أي قبل البحث والفحص) . ويستنتج الشمعة أن هدف لويس المعلن هو التأكيد على أن صنّاع الحضارة العربية الإسلامية غير قابلين للتطور أو التغيير. وكذلك الأمر في ما يتعلق بلغة الخطاب لديهم، فهي حضارة بدو أجلاف. والحال أن مؤشر لغة خطاب الشيطنة لدى لويس، وهو خطاب ملفّع، بهالة أكاديمية تستبطن محمولا معرفيا أيديولوجي المنزع، ليس جديدا.

ويذهب عبدالرحمن بسيسو إلى أن تصنيف أميركا لدول العالم ما بين” دول مارقة”، و”محور شرِّ” و”دول ملتزمة” و”محور خير”، يكشف عن الوجه المكارثي المُطلق لهذه الدولة/ القوَّة الأعظم، وهو التَّصنيف الذي انفردت به في تقرير إدراج أيٍّ من الدِّول، أو الكيانات السياسيَّة، أو المجموعات البشريَّة، أو أتباع الأيديولوجيات ومعتنقي الأديان، تحت أيٍّ من محوريه، وذلك بموجب ‘حِكْمَة قوَّتها’، و’كُلِّية سيادتها’، وتعالي منطقها المُتعالي على كُلِّ منطق، وسموِّ قانونها الخاص على كُلِّ قانون دوليٍّ أو إنسانيٍّ أو أمميٍّ . ويجزم بأن ذلك المبدأ المكارثي الْمُشْبَعِ بـ”الديمقراطية الأميركيَّة”، والمُركَّز في مقولة “من ليس معي فهو ضِدِّي”، أو في مقولة “من لا يُشبهني فهو نقيضي”، هو وحده الذي يحكمُ استراتيجيات تلك القُوَّة الأعظم، ويُحدِّد مواقفها وممارساتها وتصرفاتها وتصوراتها، وطرائق تحكُّمها في العالم.

بسيسو: "الديمقراطية الأميركية" مبدأ القوة الأعظم

يلقي فتحي التريكي أضواء على نمط تعامل الثقافات مع بعضها، تحاورا وتحالفا، للتخفيف من وطأة العنف ومحاربة التطرف والقضاء على أسباب التقوقع والدغمائية. ويستدعي مفهوم التثاقف وإخضاعه للتحليل والتنقيب، مبيّنا أنه يفيد الاشتراك المتبادل في مجالات الثقافة والتثقيف، والذي يفترض أن يتم قبول التنوع الثقافي من حيث هو واقعة بديهية للحداثة عموما وللمعاصرة خصوصا. والتثاقف وحده يستطيع تجاوز معطيات العنف وأسبابه لأنه يعتمد الحوار ضد الصدام.

افتتاحية العدد بقلم الشاعر نوري الجراح حملت عنوان “الإقامة في جغرافية المتاهة: الأسئلة الطائشة والفرد المغلول والجماعة التائهة”، أضاء فيها جملة من القضايا تتعلق بالأسئلة الكبيرة والباهظة التي تطرحها الثقافة العربية، واهتداء العرب إلى أنفسهم وإلى قيمة الفرد منهم وحريته وإمكاناته ودوره في المجتمع، وولع الشاعر بالأسئلة، وصورة الشعر الحقيقية، وعلاقته بالفلسفة والرؤى الكونية، وموقف الشاعر من العالم والوجود.

يقول الجراح “لن يهتدي العرب إلى أبواب المستقبل ما لم يهتدوا إلى أنفسهم أولا. ولن يهتدوا إلى أنفسهم كجماعة، قبل أن يهتدوا إلى قيمة الفرد منهم، ليس بوصفه واحدا في قطيع يرعاه راع يسوق القطيع حيثما شاء من وهم إلى وهم ومن كارثة إلى كارثة، ولكن بوصفه كينونة قائمة في ذاتها مصونة الحقوق صائنة للواجبات، في علاقة خلاقة للفرد بالجماعة تطلق طاقاته المبدعة، جاعلة من الفرد أسوة منظورة من بقية الأفراد”.

حوارات وسجالات

في باب حوارات نقرأ حوارين: الأول مع المفكر صادق جلال العظم، أجراه معه مولود علاك، والثاني مع الشاعر النيجيري أوشي ندوكا، أجراه تحسين الخطيب. يربط العظم في حواره بين “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، وهو عنوان كتابه، و”نقد الفكر الديني” لتفسير محاولته وضع إجابة واقعية علمية للأسباب الحقيقية التي أدّت إلى هزيمة الجيوش العربية عام 1967، وإزاحة الإجابات الغيبية التي ترجعها إلى نوع من القدر المسلّط علينا كعرب، وتلك التي تحيلها إلى مؤامرة خارجية صهيونية إمبريالية.

كما يتحدث عن توجه الحركات الدينية توجها عنيفا، وعن أطروحات إدوارد سعيد حول الاستشراق، والفصل بين الدين والدولة (العلمانية) من منظور أن الدولة مجموعة من المؤسسات الخالية من الإحساسات الأساسية والضرورية للوازع الديني، في حين أن الدين يسكن الكائن الذي يشعر ويحس وله عواطف وقلب وهو بطبيعة الحال الإنسان.
صادق جلال العظم: غياب إنتاج فلسفي عربي معاصر

ويناقش العظم أيضا غياب إنتاج فكر فلسفي عربي معاصر وراهن، جدي ومنتظم ومتراكم، بسبب عدم وجود قاعدة معرفية متراكمة منذ خمسة قرون ينهل منها، فضلا عن انعدام الحرية في التفكير والتعبير التي تكفل وجوده وازدهاره. كما يطرح العظم رأيه في ما يسمى بـ”الربيع العربي”، مشيرا إلى أن الجماهير التي خرجت في عواصمه هي جماهير متديّنة، لكنها رفعت شعارات تتعلق بالحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، إلا أن هذا الحراك سرقه “الإخوان المسلمون” وحرّفوه ليستولوا على السلطة، خاصة في مصر، تحت شعار “الإسلام هو الحل”. ويقارن العظم بين الحالة في سوريا ومصر.

كما ضم العدد الأخير من المجلة خمسة سجالات، يناقش فيها أصحابها ملفات نشرتها “الجديد” في أعداد سابقة، وقد كتبها كل من: ربوح البشير “فواز طرابلسي والبحث عن أفق جديد”، ممدوح فرّاج النابي “آفاق الرواية”، آراء عابد الجرماني “صراع النص المسرحي من التخييل إلى الخشبة”، عمرو دوارة “الخطاب الدرامي”، عبدالغني داوود “هل مازال المسرح العربي يبحث عن هويته؟”. ولهذه السجالات أهمية كبيرة تكشف عن تفاعل المثقفين والكتّاب العرب مع الحوارات والنصوص الأدبية والفكرية التي تنشرها المجلة، وتعزز مبدأ الحوار والنقد وحيويته وتبادل الأفكار لإغناء الموضوعات التي تتناولها تلك الحوارات والنصوص.

الفن وتجليات الهوية

كما خصص الناقد التشكيلي والشاعر فاروق يوسف دراسته في العدد لموضوع “الفن وتجليات الهوية”، يتناول فيها تجارب عدد من الرسامين في العالم مثل الهولنديين فان غوغ وبيت موندريان ورامبرانت، والصينيّين زاووكي وإي وي وي، والفرنسيّين ديلاكروا وسيزان، والأسباني بيكاسو، والشيلي مارك توبي، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الفوضى في الفن التشكيلي صارت عنوانا لغياب الهوية. ونشرت “الجديد” في باب “أصوات” مقالين أحدهما لسلام سرحان عنوانه “ثقافة التضحية بالآخر”، ينبّه فيه إلى خطورة وجود ثقافة في مجتمعاتنا تجعل مصالح القطيع تتقدم وتسحق حقوق الأفراد، والثاني لعبدالغني فوزي عنوانه “التفرج على المشهد” ينتقد فيه انزواء فئة من المبدعين والمفكرين في العالم العربي، عما يجري في الواقع من تبدلات كثيرة تواكبها فظائع وكوارث ومواقف غريبة، واختاروا التفرج على المشهد الذي يعيد نفسه في ضجر قاتل.

وفي “السينما” نشرت المجلة لعبدالكريم قادري مقالا بعنوان “تحرير الجنس في السينما التونسية” يلاحظ فيه أن أغلب المواضيع التي تعالجها السينما التونسية الحديثة، لتصل إلى هدفها، هي الصراع الكبير بين الحداثة والتقليد، وبينهما يتم طرح “الثيمة” التي يُرى أنها جوهرية، وهي تحرير الجنس من المفاهيم المتداولة، والتعرض لمشكلات المرأة وما تعانيه من كبت عاطفي وهيمنة ذكورية.

ربوح البشير يتصدى لإشكالية الأنا والآخر

في الإبداع، الشاعر نوري الجراح يفاجئنا في هذا العدد، كما في أعداد سابقة، بنصوصه الشعرية الصادرة عن رؤية استشرافية، وطاقة حدس وخبرات شعورية عميقة، وتستبطن “شغفه الذي لا يتوقف في البحث عن خيالات طفولته”، كما يعبّر عن ذلك ليس في نصوصه الشعرية هنا، التي تحمل عنوانا جامعا “ربيع محترق: في بستان ابن عربي، 10 سوناتات وأنشودات” فحسب، بل في رؤيته للشعر، التي أفصح عنها في افتتاحية العدد. في هذه السوناتات والأنشودات يستحضر الجراح رموز شعراء التصوف، ابن عربي وجلال الدين الرومي وشمس التبريزي، بوصفهم مرآة أو أكثر يرى فيها ذاته، ويبث لوعته وحزنه مما آل إليه عالمه. كما يوظّف في القصائد الأخرى شخصيات من “ملحمة جلجامش” مثل: جلجامش وأنكيدو وصاحبة الحانة “سيدوري” وثور السماء “خمبابا” توظيفا شعريا حرّا قابلا للتأويل على مستويات عديدة.

من النصوص الإبداعية، أيضا، في هذا العدد، نقرأ أربع قصص قصيرة هي “جرذان العالم السفلي واللحمة التي تطول وتقصر” لعيسى جابلي، “حدث مرة” لوجدي الكومي، و”رجل الأوكازيون” و”الكومبارس” لفكري عمر. يحاول كتّاب هذه القصص اجتراح أساليب سردية غير مألوفة كثيرا، تحكمها روح المغامرة. وفي اليوميات كتب حسونة المصباحي “زهرة خزامى في صحراء: يوميات في لوس أنجلس”.

احتوى باب “كتب” على مقدمة كتاب “الثقافة كسياسة” بقلم مؤلفه ياسين الحاج صالح، وقراءات في رواية “باولو” للروائي يوسف رخا بقلم جميل محب، ورواية “الفيل الأزرق” للروائي أحمد مراد، بقلم ماهر عبدالمحسن، وكتاب “الفضاء السبراني وتحولات الإبداع” لعبدالحميد بسيوني، بقلم محمد الحمامصي.

أما في المختصر، فقد عرض كمال بستاني مجموعة من الكتب حديثة الصدور، منها “الاستعمار مشروحا للجميع” للمؤرخ الفرنسي مارك فيرو، “المتمردون ضد النظام العالمي” لعالم الاجتماع السويسري جان زيغلر، “في ضربة الجزاء الأخيرة” للكاتب الإيطالي جيجي ريفا، “إقصاءات: العنف والتشعب في الاقتصاد الشامل” لعالمة الاجتماع الهولندية- الأميركية ساسكيا ساسين، “تدمر بين الأسطورة والحقيقة” للمؤرخين الفرنسيين موريس سارتر وأنّي فوريات سارتر وأخيرا كتاب “ألغاز اليسار: من مُثل الأنوار إلى انتصار الرأسمالية المطلقة” للفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا.
نجيب جورج عوض: قراءة سياقية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

اختلاف الأسئلة

في كلمته التي اختتم بها العدد، وعنوانها “الأسيران: المثقف والمفكر”، يقارن مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي بين اهتمامات المثقفين والمفكرين في الغرب، والأسئلة التي يطرحونها، واهتمامات نظرائهم العرب، قائلا إن طبيعة الأسئلة التي يطرحها المثقف والمفكر في الغرب تتركز على أبعاد ما يحدث في الغرب والعالم الآن.

والكثير من هذه الأسئلة تتعلق بأخلاقيات التطور الراهن الذي يعيشه، فهو يقف متوترا أمام التطوّر الكبير الذي يحققه الذكاء الصناعي. ذلك لأن المنظومات المعقدة التي تطورت مع تطور سرعة الكمبيوترات، وتقدم القدرات البرمجية لأجيال المهندسين الجديدة، صارت تمثّل تحديا أخلاقيا. وقد أخذت هذه القضايا الحيوية والمهمة تطرح نفسها كل يوم في الغرب.

وثمة قراءات متواصلة وناشطة في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وفي حلقات الإعلام البديل.

أما المثقف العربي فإن دوره، حسب رأي الزبيدي، متعثّر وباعث على الإحباط. وبالنسبة إلى المفكّر العربي، فإنه لا بدّ من الاحتجاج على الدور الذي يضطلع به. وهما في الحقيقة أسيران عند نفسيهما قبل أن يكونا أسيري المجتمعات التي يمثلانها.

15