"الجديد" في عددها الـ26 تفتح باب السفر في الأدب والفكر

التغيرات العربية المستمرة والتي لا تتوقف عن التسارع تحتاج إلى فكر متجدد متابع ومستشرف، كما تحتاج إلى مواكبة دائمة سواء من الأدب والفن والإبداع أو من الفكر الذي يبقى النافذة الأولى التي يمكن أن نطل منها على المشهد وفهمه، وهذا ما تدأب مجلة "الجديد" على تقديمه في كل عدد من أعدادها.
الجمعة 2017/03/10
الرحلة تفتح نوافذ جديدة لرؤية الذات والآخر (لوحة للفنان سعد يكن)

احتوى العدد الـ26 من مجلة "الجديد" الثقافية، الصادر في الأول من مارس الحالي، على جملة من النصوص السردية والشعرية، والمقالات التي تتصدّى لقضايا فكرية وثقافية، وتتعرّض بالقراءة والتحليل النقدي لظواهر تطفو على سطح الحياة الثقافية العربية، وتقدّم قراءات في نصوص أدبية وفكرية متنوعة.

السفر مسعى ومآلا

يستلهم رئيس تحرير المجلة نوري الجراح، في افتتاحية العدد، بيت أبي تمام الشهير:

“وطول مقام المرء بالحي مخلّق لديباجتـيه فــاغترب تتجدد"

ليكتب عن "سفر في الأرض وسفر في المخيلة" من زوايا عديدة، حيث طالما كان السفر عبر الأزمنة فضاء توسّعه أقدام الرحالة وعيون المسافرين في عالم يضيق ويتسع، حسب حركة الناس من مكان إلى آخر، في البرّ والبحر، وعبر الفضاء في مركبات جوية طوت بظهورها تاريخا مديدا من الأسفار والمغامرات البرية والبحرية. ولما كان الشعر العربي منذ أقدم الأزمنة الفن الأكثر تعبيرا عن الروح العربية، ويشغل حيزا مركزيا في النزوع الجمالي لدى العرب، فإن المغامرة الجمالية برمتها لدى العربيّ كثيرا ما ارتبطت، في رأي الجراح، بالسفر.

في باب "مقالات" نقرأ عددا هاما من المقالات الفكرية المختلفة نذكر مثلا “الهويات المنشطرة” لعزيزة بدر من مصر، و”نهاية الإنسان الكلاسيكي” لحميد زناز من الجزائر، ومقالا بعنوان “الصورة المتحولة” لعزالدين عناية من تونس، و”كيف نفكر في الأمر: سؤال الثورة على طريقة ميشيل فوكو” لنجيب جورج عوض من سوريا، ومقالا آخر موسوم بـ”الأنثى والدم الأزرق” لسيد القمني من مصر، و”من الغنيمة إلى الفرهود: النسق العشائري للديمقراطية في العراق” لإسماعيل نوري الربيعي من العراق.

المغامرة الجمالية لدى العربيّ كثيرا ما ارتبطت بالسفر والسفر في الأدب قد تجاوز القصيدة ليحل في القصة والشعر

في عددها الأخير حاورت المجلة المخرج السينمائي السوري محمد ملص (أجرى الحوار معه عبدالمجيد دقنيش). وقد تحدّث ملص عن بعض ملامح مشروعه السينمائي، واختياره لنفسه التعبير عمّا ينقص السوريين ويؤلمهم ويوجعهم أكثر بكثير ممّا هو موجود، بحثا عن المفقود من أجل أن يكون حاضرا في حياتهم. وقد استند في ذلك إلى البصيرة، التي جعلها مرجعه الأول، وبوصلته الفنية لأنها قادرة على الرؤية العميقة. وحول موقفه من الثورة السورية يقول ملص “ليس هناك سينمائي ضد الثورة وضد التغيير. كل السينمائيين والمثقفين يعملون من أجل المستقبل ومن أجل التغيير، ولا يصبح المثقف مثقفا إذا لم ينحز إلى التغيير والتطوّر والتقدّم والثورة”.

ضم العدد، في باب “سجال”، ملفا يحتوي على خمس مقالات نقدية في الشعر لكل من: خلدون الشمعة “أيديولوجيا جزافية لا تطابق الواقع”، وأحمد برقاوي “تأمل في الشعرية العربية، ومفيد نجم “عن الشعر في مصر.. عندما نحاول أن نستنطق التجربة وفق أهوائنا”، وفاروق يوسف “مصر ليست شاعرة ما العيب في ذلك؟”، وشريف رزق “ردّا على الرُّؤية الكارِهة”. وقد تفاعلت هذه المقالات مع ملف العدد الماضي، الذي نُشر بعنوان “المصريون والشعر”، وذهبت إلى مراجعة فكرة علاقة الشعر بالجغرافيا، والظاهرة الشعرية باللغة والتاريخ، وضرورة مغادرة التعميم في النقد، والتركيز على قضايا الشعر في ذاته أولا.

الفنان والمنفى

نقرأ في العدد قصيدة ملحمية أخرى مركّبة للشاعر نوري الجراح بعنوان “أنشودة يوسف”، تنهض على مواجع شعبه في جحيم الاستبداد، وتغريبته الكبرى عبر متواليات “الهروب” و”القلق” و”الانكسار” و”الموت”، بحثا عن الحرية. ويحضر الرمز الديني في هذه القصيدة، أيضا، في العنوان والمتن، بإيحائيته الكونية.

عدد متميز ومتنوع المواضيع الفكرية والأدبية

في العدد ملف ثان بعنوان “يوميات عربية” اشتمل على نصوص سردية ويوميات لكل من: لطفية الدليمي، عدنان ياسين، غدير أبوسنينة، عادل حبة، مفلح العدوان، راجي بطحيش، وهيثم حسين، كتبوها خلال أسفارهم أو خلال إقاماتهم المديدة في ديار الآخرين، مغتربين عن أوطانهم مرة بفعل الحرب وأخرى هربا من القمع وانعدام الحريات، أو اختيارا لحرية المغامرة بحثا عن الذات في فضاء أبعد وأوسع. وتعكس هذه النصوص، على تنوعها، رغبة كاتباتها وكتّابها في استكشاف الآخر في عالمه، وقراءة ذواتهم من خلال مراياه الكثيرة، وخصوصا عبر سبل تتيحها عادة كتابة اليوميات في أمكنة بعيدة عن الأوطان.

في باب “مسرح” يكتب حازم كمال الدين عن تجربته مقالا بعنوان “الفنان والمنفى.. التباس اللقاء مع الآخر”، يعترف فيه أن ابتعاده عن جذوره المسرحية أصبح أمرا واقعا، وأمسى اقترابا من أصول أخرى، من جذور نسغها في نفسه هو، وفي جسده، وذاكرته، وطفولته، وملامحه الغائبة عنه، وصيرورته، ثمّ تمرّده على ما هو سائد.

ويكتب محسن الموسوي، في باب “بورتريه”، عن سيرة وفكر شقيقه الراحل الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم، مسلطا الضوء على محطاته الفكرية والسياسية، الشيوعية والوجودية والصوفية، ونتاجاته الأدبية، ومحنته التي تمثّلت في اعتقاله وتجريمه على كتاباته، وتصفيته في النهاية. لقد كان ديدن عزيز، في كتبه الفكرية وقصصه ورواياته، إعلاء مفهوم الحرية. فلا ثورة، ولا فكر دون رصيد مهم من الحرية بكل مقاساتها وشروطها. كما كان يحاول إيجاد امتزاج محتمل ما بين الفكر الاشتراكي العلمي والفكر القومي.

تضمّن العدد أربع قصص لكتّاب من العراق وتونس هي: “عارية في وزيرية بغداد” لإنعام كجه جي، “أوركيسترا لوجه قلق”، لجابر السلامي، “وجه جميل” لعلي خيون، و”الحويجة تعرج إلى السماء” لعواد علي. وهذه الأخيرة قصة مستقبلية، ذات منحى فانتازي، تجري أحداثها بعد مئة سنة في مدينة الحويجة العراقية ولندن وبرادفورد في بريطانيا، وتتنبأ بحصول متغيرات طريفة في العراق والإقليم على الأصعدة الجيوسياسية والمادية والاجتماعية والثقافية.

وفي باب “أصوات” كتب وليد علاء الدين “هل غشَّنا صبري موسى”، نذير الماجد “إنها والله مقامة”، عمر إبراهيم محمد إبراهيم “انغلاق وانفلات: الثقافة والفكر العربي”، ومحمد خشان “التين والزيتون”.

أما في باب “كتب”، فقد نشرت المجلة أربع قراءات هي: “دعوة للتفكير النقدي: رسائل إلى شاب مسلم” بقلم إبراهيم قعدوني، و”صورة الثقافة التونسية في العهد الروماني” بقلم حسونة المصباحي، و”نكات للمسلحين” لمازن معروف، و”فانتازيا الأحلام ملتبسة بسريالية الواقع” بقلم عبدالمجيد دقنيش، و”التراجيديا الإنسانية والمشهد الروائي: قراءة في روايتي ‘نزوح مريم’ و’نظرات لا تعرف الحياء’ لمحمود حسن الجاسم” بقلم آراء عابد الجرماني.

نجيب جورج عوض وعزالدين عناية وإسماعيل نوري الربيعي وآراء عابد الجرماني.. يناقشون الذات العربية والآخر

وعرض عواد علي في باب “المختصر” مجموعة كتب عن المسرح صدرت خلال عامي 2016 و2017، منها: “المنعطف السردي في المسرح”، لمحرريه المغربيّين خالد أمين وحسن يوسفي، و”المسرح والتواصل”، الذي أعدّه الناقد المسرحي السوداني عصام أبوالقاسم، و”المسرح الصامت بين المفهوم والتقنية: التمثيل الإيمائي، الرقص الدرامي، ومايم خيال الظل” للباحث والمخرج أحمد محمد عبدالأمير، و”حلقة موؤودة في تاريخ المسرح العربي” للباحث المسرحي والأكاديمي التونسي محمد المديوني، وغيرها.

الكتابة صنعة

يختم مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي العدد بكلمة عنوانها “المثقف كاتبا” يستهلها بقوله إن “المثقف كاتب. يعني حرفته الكتابة. والحرفة لا تُعدّ حرفة من دون إتقان. والإتقان يحتاج إلى عدد من الأدوات، بعضها فكري والكثير منها فني مرتبط بالصياغات وطرق تقديمها وبأشياء صغيرة أخرى، لكنها لا تقل أهمية عن الأفكار”. إلا أن القارئ للنص العربي، في العموم، يقف مرتبكا أمام الكثير من النصوص. ضعف الحرفة يبدد أهمية الأفكار. الكاتب في الكثير من

الأحيان يصبح ضحية لنفسه حينما يقدم نصا مرتبكا، في تسلسل الأفكار، أو في طريقة عرضها، أو بحكم قلة إتقانه للأدوات المستخدمة لتوضيح الفكرة. وبحكم خبرته، يقف الزبيدي على ظاهرة غضب الكاتب حين يمدّ المحرر يده على نصه، في حين أن التحرير “مهنة لا تقل أهميتها عن الكتابة”. ومن ثم فإن “تدخل المحرر لا يعني أبدا الاستهانة بنص الكاتب أو فكرته. التحرير عملية تدقيق ضرورية نكاد لا نراها في ما ينشر من نصوص”. إذن “الكتابة صنعة يجب أن نعاملها ونقبلها كصنعة”.

15