"الجرذون الأحمر" قطار تونسي بلا عشاق

الجمعة 2015/02/27
السياح يتنقلون مرتين في الأسبوع لاكتشاف المجهول على متن "الجرذون الأحمر"

قفصة (تونس) – يعود تاريخ القطار السياحي “الجرذون الأحمر” إلى بداية القرن العشرين، حيث أهدته الدولة الفرنسية عام 1945 لـ”باي” تونس الأمين باي الذي حكم من سنة 1943 إلى سنة 1957، كما يقول طارق الديناري، المسؤول عن الحجوزات على متن القطار.

كان قطار “الجرذون الأحمر” أو “السحلية” مخصصا في ما مضى لتنقلات “الباي” وحاشيته من وسط العاصمة تونس إلى ضواحيها. ويذكر القطار الذي يشبه في شكله ولونه الأحمر السحلية، سكان العاصمة التونسية بتاريخ “البايات” في البلاد.

وكانت كلمة “باي” تعني رئيس عشيرة، ثم أصبحت تعني مسؤول مقاطعة عثمانية، وتعني كذلك رتبة عسكرية. و“البايات” في تونس كانوا ولاة عثمانيين، وكان أول “باي” هو من البايات المراديين الذين حكموا من 1628 إلى 1702 وهو مراد الأول.

أما البايات الحسينيين فقد كان لهم استقلال نسبي عن الخلافة العثمانية وأولهم حسين بن علي (1705 - 1735) وآخرهم الأمين باي (1943-1957) مع إعلان الجمهورية بعد استقلال تونس.

ووجدت العديد من البلدان، من بينها جنوب أفريقيا، المكسيك، أستراليا، وكندا، في القطارات الواجهة الترويجية الأولى لاستقطاب السائحين عبر تنظيم رحلات سياحية لاستكشاف جمال الريف وتضاريس الجبال.

ومنذ سنوات، حاولت السلطات التونسية استثمار قطار “الباي”، المسمى بـ“الجرذون الأحمر”، للترويج للسياحة الداخلية، بعد أن بقي مهملا لسنوات.

الإطلالة على جبال ثالجة محطة وفقرة قارة على متن القطار 'السحلية'

ومنذ قرابة 25 عاما، قامت إحدى الشركات باستثمار هذا القطار عبر المسلك السياحي، الرابط بين جبال الثالجة، وهي جبال جرداء تشقها الأنفاق التي حفرتها فرنسا لتسهيل مرور قطارات نقل الفوسفات، ومدينة المتلوي، كبرى مدن الحوض المنجمي بمحافظة قفصة جنوبي تونس.

ويتكون قطار الجرذون من أربع عربات للمسافرين وعربتين للأمتعة. وما يفسد جمالية هذا القطار حاليا، هو القاطرة التي تجره، حيث إنها مصنعة حديثا مقارنة بتاريخ صنع القطار عام 1911، إذ تعذر إصلاح القاطرة القديمة.

وتستمر الرحلة على متن “الجرذون الأحمر” قرابة الساعتين ونصف الساعة ذهابا وإيابا، تتخللها وقفات قصيرة يستكشف فيها السائح جمالية المكان.

شارلين (35 سنة) سائحة من الصين كانت ضمن مسافرين على متن رحلة انطلقت في حدود العاشرة والنصف تقريبا من صباح الجمعة الماضي، تقول “هذا المكان يختلف عن الأماكن التي سبق أن زرتها، والرحلة عبر هذا القطار جميلة جدا، وبالتأكيد لن تكون هذه هي الزيارة الأخيرة، وسأعمل على توثيقها”.

وعرفت رحلات “الجرذون الأحمر” اضطرابا في المواعيد بعد الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011.

وفي بعض الأحيان توقفت هذه الرحلات نهائيا جراء التحركات الاحتجاجية التي تشهدها محافظة قفصة، فغالبا ما يعمد أبناء المدينة إلى منع القطار من السفر، خاصة إذا كان على متنه أجانب، لتعمل السلطة على التدخل الفوري للبحث عن حلول لما يعانيه المحتجون من أزمات.

وحين أطلق قطار الباي صيحته الأخيرة معلنا عن انطلاق الرحلة، تسارع الركاب لاكتشاف المجهول، فعند انطلاق الرحلة لا شيء يوحي بأن هذا المسلك الذي يمر بين الأحياء الفقيرة لمدينة المتلوي سيوصلهم إلى المنتزهات الجبلية.

قطار 'الجرذون الأحمر' يعود تاريخه إلى فترة حكم 'البايات' في تونس

ومع الموسيقى المنبعثة، يخيّل لمن يعبر التواءات مرتفعات ثالجة أنه في جبال “كولورادو” الأميركية. وعند أول نفق يحبس المسافرون أنفاسهــم، ويعم الظلام المكان، ويبقى الجميع في انتظار بصيص نور، لتعود إليهم الحياة.

جمال المناطق الطبيعية والأنفاق الجبلية التي يشاهدها المسافر تختفي فجأة حين تتحول مياه العيون الجارية إلى مياه ملوثة بسبب الشوائب والمياه التي تستعملها شركة فوسفات قفصة في أحد مقاطع الإنتاج المحاذي لمحطة القطار النهائية في جبال ثالجة.

وتستوعب رحلة القطار ما بين 150 و200 راكب، لكن عادة لا تضم رحلة القطار سوى عدد ما بين 60 و70 راكبا، وتنتظم رحلتان أسبوعيا يومي الثلاثاء والجمعة.

عبير صميدة، (28 سنة) وهي طالبة شاركت في إحدى رحلات القطار الذي تبلغ سعر تذكرته 15 دينارا تونسيا (حوالي 7.5 دولارات أميركية) تقول “شيء مشرّف أن نجد مثل هذه الرحلات في تونس، ولكن كان بالإمكان استغلالها بشكل جيّد أكثر لتشجيع الزائر على العودة”.

ومنذ سنوات، تعمل وزارة السياحة على تنويع المنتجات والخدمات السياحية، وأصبحت الرحلة عبر القطار السياحي بندا ثابتا تدرجه الوكالات السياحية في برامجها، حيث صار القطار يستهوي أعدادا كبيرة من السياح، وسط دعوات إلى إعادة تهـيئة هذا المسلك، وتوسعته ليشمل مدن الـحوض المنجمي من أجل استكشاف المـواقع التاريخية التي تزخر بها قفـصة والمناطق المحيطة بها.

20