الجريدة تبحث عن قارئها في الحجر البيتي

العالم في أوج أزمته اليوم يحتاج إلى صحافة جيدة، وذلك واقع يعترف به سادة العالم المتغطرسون أنفسهم قبل أن يصل بهم كورونا إلى تلك الهوة.
السبت 2020/03/28
صمود أمام الكارثة

يستذكر صحافي مرحلة من حياته قبل أن يحترف الصحافة، عندما كان جنديا في معسكرات تعج بعشرات الآلاف من الجنود، فبينما رفاقه يبحثون عن فرصة للاسترخاء أو تناول الطعام، كان يبحث عن فرصة الحصول على جريدة، أي جريدة!

تصل معسكرات الجيش حزم من عشرات الآلاف من الصحف يوميا، وهي في حقيقة الأمر لا تشكل علامة فارقة عند الجنود سواء في جبهات القتال أم في داخل المعسكرات نفسها، لأنها مجرد ورق يكرر قصصا معروفة وكأنها نسخ بأسماء متعددة من جريدة برافدا السوفيتية، حتى أصبحت موضع تندر بين الجنود آنذاك، فالصحيفة وجدت كبساط للجلوس عليه أو وضع الطعام عليها، لا أحد من أولئك الجنود كان مشغولا بقراءتها إلا ما ندر ومن بين أولئك النادرين ذلك الصحافي العراقي الذي روى شيئا من سيرته. كان لا يفرط بقراءة الجريدة في أقصى ساعات الخوف والقلق، على تواضع محتواها، لأنها كانت بالنسبة إليه أشبه بالحل في أوقات تضيق بها الأنفس.

يبدو لي أن ما يشبه تلك الأوقات يوجد اليوم عندما يعيش الناس الحجر المنزلي، لكن أين نجد المولع بقراءة الجريدة. ومع أن ثمة فارق شاسع بين الزمنين، لكن الجريدة تبحث عمن يهتم بقراءتها في زمن كورونا!

لا أعرف معادلا بين الناس الذين يعيشون الحجر المنزلي، لقصة الجندي الشغوف بقراءة الجريدة، إلا أن قصته جديرة بالاستعادة اليوم، فالمشكلة ليست بالقراء وحدهم، بل تكمن في الصحف المطبوعة التي كانت ترقد في السوق المريضة قبل كورونا، وأصيبت بالموت غير المفاجئ هذه الأيام بعد توقف طباعتها. في المقابل إدارة الصحف مطالبة اليوم أن تصنع مثل ذلك القارئ الشغوف وإن تراكمت عليها الأزمات.

لا حاجة في إعادة ما صار معروفا بأن دولا عربية عدة أوقفت طباعة صحفها “ما أهمية طباعتها أصلا!” تحت مسوغ لا أهمية للصحيفة في بلدان فرغت شوارعها وأسواقها ومقاهيها من الناس. ذلك ضغط مضاف على الصحف التي تعيش تحت وطأة التراجع أصلا.

وفي حقيقة الأمر، إن الوضع لا يقتصر على صحافتنا العربية، فهي لا تطبع سوى أرقام لا تشكل أهمية ضمن مفهوم التسويق، المشكلة تكمن في صحف دولية كانت تطبع ملايين النسخ قبل أزمة كورونا وتحتم عليها أن تراجع خططها بعد أن تراجع الناس عن طبائعهم ومكث القراء في منازلهم. بل إن الحال الكارثي وصل إلى صحف مجانية غربية كانت توزع على مسافري القطارات والحافلات.

تداعيات كورونا وصلت إلى “أوسيرفاتوري رومانو” الصحيفة الناطقة باسم الفاتيكان عندما أوقفت إصدار نسختها الورقية للمرة الأولى منذ  تأسيسها عام 1861، باستثناء سنوات الحربين العالميتين الأولى والثانية. بينما لم تجد مجلة “تايم أوت” بنسختها العربية والإنجليزية إلا أن توقف الطباعة وتغير اسمها إلى “تايم إن” في إشارة مثيرة إلى الانكفاء الإعلامي والاكتفاء بالنسخة الرقمية.

Thumbnail

لقد دق كورونا ناقوس الموت لصحف ومجلات كانت تعاني أصلا، فتوقفت طباعة صحف عديدة في كل دول العالم، وفي أفضل الأحوال اقتصرت على مواقعها على الإنترنت، وبعضها قلّل العدد المطبوع إلى نسبة غير مسبوقة في تاريخها.

لقد عاشت الصحافة المطبوعة على مدار أكثر من عقد زمنا ليس عادلا بحقها وبقي بعضها يصارع معولا على القراء الأوفياء، فيما انهارت المئات من الصحف في بلدان غنية، ويبدو أن السؤال اليوم جدير بالتأمل عما إذا كان وباء كورونا سيؤدي إلى موت الطباعة نفسها؟

تلك مفارقة في زمن إخباري ومعلوماتي متصاعد ومستمر لا تبدو فيه الحاجة إلى الصحف نفسها بوصفها مصدرا موثوقا به! عندما أصاب فايروس كورونا الصناعة الصحافية بكارثة غير متوقعة على الإطلاق، فتخلى عنها المعلنون ولم تجد لمن توزع نسخها.

يصعب على جين مارتينسون الكاتبة في صحيفة الغارديان البريطانية، إرسال ما يبعث على التفاؤل والقبول بتحويل الصحف إلى سلعة استهلاكية لا تعيد صناعة محتواها، فيما يقوم صناع ومحررو الصحف بإطلاق تحذيرات وخيمة بشأن مستقبل سفينة الصحافة التي توشك على الغرق كليا.

الأمر لا يتعلق فقط بالوظائف، وإنما بتقاليد اجتماعية وطريقة حرة لتبادل المعلومات كانت تمثلها الصحف وهي تؤرخ لمصير هذا العالم منذ عقود. لأن العالم في أوج أزمته اليوم يحتاج إلى صحافة جيدة، وذلك واقع يعترف به سادة العالم المتغطرسون أنفسهم قبل أن يصل بهم كورونا إلى تلك الهوة.

الناس بحاجة إلى معلومات يتم التحقق منها تتمثل بالصحافة ذات المحتوى المتميز في مواجهة حالة طوارئ صحية غير مسبوقة، وتكنولوجيا عالية القدرة على نشر أخبار مزيفة. والأكثر من ذلك، أن إجراءات التباعد الاجتماعي التي يتم اتخاذها لمكافحة الفايروس تجعل النزعة الاجتماعية والأخبار المحلية أكثر أهمية، لمساعدة الناس بعضهم بعضا.

لقد اتفقت كل الصحف البريطانية بشكل تلقائي على عنوان رئيسي يوم الجمعة الماضي، على الالتزام أمام القراء بتوفير محتوى إخباري ومعلوماتي موثوق به وحيوي بشأن كورونا وما يتعلق بحياة الناس. هذا الالتزام يبعث الأمل في صمود الصحافة أمام الكارثة، لأنه لا أحد يعرف كم سيستمر هذا الوباء أو مقدار الضرر الذي سيسببه في النهاية، لا يزال ثمة أمل في أن بعض الصحف مازالت تصدر، وهو درس نتعلّمه من هذه الأزمة لأن رغبة الناس في الحياة تظلّ هي الأقوى دوما، وها نحن في العرب اللندنية نصدر ونكتب من أجل الحياة.

18