الجريمة في الخطاب الإعلامي: ما بين السلطة وتنظيم داعش

يقوم تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي بإعطاء شرعية للأنظمة الطائفية والشمولية التي تحكم كلا من العراق وسوريا بقيامه بعملياته الإرهابية المتخمة بالبشاعة واللاإنسانية، إذ تستغل تلك الأنظمة نشاط التنظيم لتضخم من خطره إعلاميا وتجعل من مهمة قتاله وفق صيغها مهمة مقدسة ليضيع حق المواطن في الأمن والعدالة والتقدم.
الجمعة 2016/07/08
أفق الديمقراطية هو إسقاط الأنظمة الشمولية والإرهاب معا

عندما يسرع تنظيم الدولة الإسلامية في إعلان مسؤوليته الكاملة عن تفجير سيارة مفخخة أو عملية انتحارية ترتكب بحق المدنيين في الأسواق والساحات العامة حتى لو لم تكن له صلة بالعملية، فإنه بذلك يوفر فرصة ذهبية للبعض من الأنظمة السياسية الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط، ويوفر لها غطاء مشروعا وجاهزا لتمرير جرائمها بحق شعوبها.

سلوك التنظيم على هذه الصورة يبدو طبيعيا طالما كان منهجه قائما على الحرص على توجيه رسائل تبث الرعب في صفوف الناس، وليس العمل على استرضائهم واستمالتهم عبر تقديم خدمات وأعمال تخفف عنهم عبء الحياة وضغوطها المعيشية.

لم يعد أمرا غريبا عندما نجد تنظيم الدولة الإسلامية يسرع في تبني أي عملية إرهابية يسقط بسببها عدد كبير من المواطنين وليس مهما لديه إن كانوا مدنيين أو عسكريين، فالمهم أن يرسّخ في الأذهان وحشيته بغض النظر عن حجم الكارثة التي يتسبب بها وتداعياتها السيئة على صورة الإسلام.

من هنا نستطيع النظر إلى أشرطة الفيديو التي يحرص تنظيم الدولة الإسلامية على إنتاجها بأفضل التقنيات، من إخراج ومونتاج وإضاءة وحركة كاميرا، عندما ينفذ عملية إعدام أو حرق للرهائن المحتجزين لديه، فالتنظيم يسعى بهذا الشكل التسويقي لخطابه الإعلامي إلى هدف جوهري يتلخص في إيصال رسالة محددة تحمل بين تفاصيلها خطابا ترويعيا يهدف إلى إشاعة هواجس الخوف والهلع بين صفوف المتلقين جميعا، دون النظر إلى دينهم ولونهم وطائفتهم.

إن منظر الدم والخراب وجثث القتلى هي أسلحة التنظيم الفتاكة التي راهن عليها في خطابه الإعلامي لمحاربة المجتمع الإنساني، لأنه يدرك جيدا أنه في دلالات هذه الصور يكمن ضعف المجتمع وقوته.

ولهذا نجده شديد الحرص على أن يشيع هذا المنظر ويكرّسه في منظومة خطابه بما يحمله من وحشية إلى العالم المتحضر، فاستمراره يعني تكثيف مشاعر اليأس والخوف والإحباط لدى أعدائه قبل أن تتم المواجهة بينهما.

ومن هنا يمكن تفسير حالة الهروب المخزي من ساحة المعركة التي كشف عنها الجيش العراقي بفرقه العسكرية الأربع تاركا خلفه ترسانة سلاحه الثقيل والمتوسط والخفيف في مخازنها عندما تقدم عدد قليل جدا من أفراد التنظيم لاحتلال مدينة الموصل في مطلع شهر يونيو عام 2014، وعلى الأغلب لم يكن عددهم يزيد عن ألف عنصر حسب ما أشارت إلى ذلك تقارير المراقبين العسكريين وشهود العيان من أبناء المدينة.

داعش منح النظام العراقي والميليشيات المرتبطة به الفرصة السانحة لارتكاب انتهاكات وتجاوزات

الإرهابي في خدمة السياسي

إن منهج تنظيم الخلافة الإعلامي وهو يعلن في بيان صريح عن أي عملية انتحارية قد جاء بنتائجه التي سعى إليها. والمفارقة هنا، أن جميع النتائج قد صبّت بالتالي في صالح الأنظمة السياسية الحاكمة التي يعاديها ويخوض حربا علنية ضدها وهذا ما لم تكن تتوقعه أو تخطط له هذه الأنظمة، مما دفعها إلى أن تستثمر عندما ألقت بكل حمولتها الإجرامية بحق مجتمعاتها على عاتق تنظيم الدولة الإسلامية ليكون التنظيم بمثابة قميص عثمان الذي يمنحها صك البراءة من جرائمها.

وأتاح لها هذا الوضع فرصة، فلطالما كانت تسعى إلى التنصل من وعودها الجميلة المخادعة لمواطنيها بالحرية والعدالة والعيش الكريم، وحتى قبل أن يظهر تنظيم الدولة الإسلامية إلى الوجود ويفرض حضوره المهيمن على الساحة لم تكن تتردد الأنظمة الحاكمة في أن تتبرأ من أي جريمة سرّية ترتكبها فعلا بحق خصومها ومنتقديها انسياقا مع سياسة الخداع التي تمارسها مع شعوبها، رغم أنها في قراراتها تدرك جيدا بأنها لا تملك رصيدا كافيا من المصداقية لدى عموم مواطنيها مهما أتقنت دورها في التضليل والتزييف.

الحرب على الإرهاب شعار رفعته العديد من الأنظمة السياسية ليس لأجل القضاء على الإرهاب، بقدر ما أصبح هذا الشعار أفضل وسيلة لإدامة الإرهاب ضد المجتمعات العربية لكي توفر لنفسها مبررات استمرارها في السلطة وتعطيل الحياة السياسية بكل آلياتها وخياراتها الديمقراطية التي تمنح المواطنين الحق في مساءلتها ومحاسبتها.

ليس بجديد عندما نقر بأن أغصان الربيع العربي قد تم كسرها في معظم الدول التي كانت قد أزهرت فيها ورودها، وليس بجديد أيضا عندما يتم تحميل التنظيمات الإسلامية المتشددة مسؤولية هذا الانكسار.

وإذا ما كان هنالك من رأي مازال متمسكا بمسؤولية الاستخبارات الغربية وفي مقدمتها أميركا عن هذا الانكسار، فإنه لم يعد يملك من البريق والتأييد الكافيين مثلما كان عليه الحال أثناء السنة الأولى من عمر الثورة السورية التي بدأت سلمية في 18 مارس عام 2011.

آنذاك لم يكن لتنظيم الدولة الإسلامية أي حضور يذكر في ساحة الثورة ونضالاتها من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ضد نظام بشار الأسد، فالمشهد برمته كان يكتب عنوانه الجيش الحر.

ولكن ما إن بدأت تتشكل الفصائل والألوية الإسلامية المتشددة حتى بدأت الثورة تتعثر وتسقط وتنكسر في أكثر من موقع وهذا ما كان يسعى إليه نظام بشار الأسد، ووظف لهذا الهدف كل ما لديه من إمكانات استخباراتية. وقد نجح في ذلك إلى حد كبير عندما خلق مناخا ملوثا بالتطرف والتشدد أصبح فيه تنظيم الدولة الإسلامية والبعض من الفصائل الأخرى مثل جبهة النصرة بمثابة الصخرة التي تنكسر عليها أحلام الثوار السوريين.

وإذا ما ذهبنا إلى العراق فلن نجد صورة مختلفة عما هي عليه في سوريا، حيث تم استثمار عنف وإرهاب تنظيم الدولة الإسلامية من قبل النظام الطائفي بزعامة حزب الدعوة الحاكم لتبرير الاعتقالات العشوائية ضد العرب السنة في عموم البلاد باعتبارهم ــ حسب ما يروج إعلام النظام ــ يشكلون البيئة الطائفية الحاضنة لهذا التنظيم.

وقد رافقت الاعتقالات عمليات ممنهجة في تعذيب واختفاء أعداد كبيرة من المعتقلين، وهذا ما أكّدته تقارير دولية أعلنت عنها منظمات تابعة للأمم المتحدة معنية بحقوق الإنسان أشارت إلى وجود العشرات من السجون السرية التابعة للحكومة والميليشيات الطائفية المدعومة من قبلها.

إن وحشية العمليات التي ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية سواء كانت تفجيرات أو إعدامات جماعية بحق الذين يخالفونه الرأي والمنهج، قد منحت النظام الحاكم والميليشيات المرتبطة به الفرصة السانحة لارتكاب انتهاكات وتجاوزات كبيرة بحق العراقيين ولتُنسَبَ مسؤوليتها بالتالي إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو يقوم التنظيم نفسه بإعلان مسؤوليته عنها، في محاولة منه ليحيط نفسه بمشهد مليء بالجثث وبرك الدم حتى يحافظ على صورته المتوحشة أمام العامة.

الحرب على الإرهاب شعار رفعته العديد من الأنظمة السياسية ليس لأجل القضاء عليه بقدر ما أصبح شعارا لإدامته

السلطة في دائرة الشبهات

في هذا السياق نشير إلى التفجيرات الأخيرة التي شهدتها العاصمة العراقية بغداد، السبت 2 يوليو 2016، والتي حدثت في منطقة الكرَّادة داخل وبسببها سقط أكثر من 290 قتيلا والعشرات من الجرحى جميعهم من المدنيين الذين كانوا يتبضعون استعدادا لاستقبال عيد الفطر. تحمل هذه الجريمة البشعة في داخلها ما يكفي من العلامات لتضع السلطة في دائرة الشبهات، هذا إن لم توضع في قفص الاتهام، رغم إعلان تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هذا التفجير.

ما يعزز الشبهة بتورط أطراف محسوبة على الحكومة العراقية بهذه الجريمة، أن منطقة الكرَّادة داخل تعد من المعاقل السكنية التي تقطنها غالبية شيعية مرفهة، كما أن الفلوجة (60 كم شمال غرب العاصمة بغداد) والتي غالبا ما كانت تتهم من قبل الأطراف الحكومية على أنها المصدر الرئيس للسيارات المفخخة التي تنطلق نحو العاصمة بغداد، قد تم تطهيرها من تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل في نهاية شهر مايو من هذا العام، كما أن شوارع بغداد قد تم تقطيعها بالعشرات من الحواجز والسيطرات التي أقامتها السلطات الحكومية والميليشيات التابعة لها.

وهنا تطرح عدة أسئلة، إذا كانت الحالة الأمنية الاحترازية في بغداد قد جاءت على هذه الصورة، كيف تمكن إذن تنظيم الدولة الإسلامية من أن ينفذ بهذه الكمية الكبيرة من المتفجرات؟

كاتب من العراق

6