الجريمة والتاريخ أو كلنا مدانون

الاثنين 2015/04/27

هل تذكرون الشّهيد إبراهيم القاشوش، ذلك الإنسان البسيط والأسطوري في نفس الآن، والذي كان يقف بمكبّر الصوت وسط آلاف المحتجين بداية الثورة السورية صادحا “يا اللاّ ارحل يا بشار” قبل أن يُقتل وتُلقى جثته في النهر؟ هل تذكرون أغاني سميح شقير بداية الثورة السورية “يا حيف زخ الرصاص على الناس العزّل يا حيف”، “عش حرا أو مت وقوفا كالأشجار؟”، ماذا بقي من هذا؟ هل تذكرون البطل أنس الشغري الطالب الجامعي الذي لا يزال مجهول المصير ولم يكن يعاني من أي حساسية دينية أو طائفية، لكنه نجح في إخراج أول مظاهرة سلمية في بانياس من قلب المسجد، وكان يصيح: من يبتغي الحرية فليأت معنا ومن لا يريد حرية يمكنه الذهاب إلى بيته؟ هل تذكرون دور رسام الكاريكاتور علي فرزات في الشهور الأولى للثورة والتي قادت إلى اختطافه وتكسير أصابعه؟

انسوا كل هؤلاء “المجانين الطيّبين”، سأحدثكم عن نوع آخر من البشر، من ورثوا الأرض بعد خرابها، من أنعشتهم رائحة الجيف فجاسوا خلال الديار، من أتقنوا لعبة الظهور في الوقت المناسب، من حفظوا عن ظهر قلب مقولة إن حفظ النفس من مقاصد الشريعة، ومن عرفوا من أين تؤكل الكتف.

هذا أحدهم: زهران علوش قائد جيش الإسلام، متّهم من قبل المعارضة بخطف معارضين وناشطين ومناهضين للنظام الأسدي، من بينهم المحامية رزان زيتونة المعروفة بتاريخها في الدفاع عن المعتقلين بمن فيهم الإسلاميين والجهاديين، وسميرة الخليل زوجة ياسين الحاج صالح أبرز منظري الثورة السورية، والناشطين وائل حمادة وناظم حمادي، وقد اختطفوا في دوما.

يختلف السوريون في كل شيء، لكنهم يتفقون على شيء واحد: زهران علوش هو المستفيد الأكبر من متاهات الثورة السورية. بلباسه العسكري ولحيته الأصولية يقف في ملتقى مصالح إقليمية متضاربة، في نقطة اشتباك رهانات دولية متعارضة، ينتصب أمامنا بملامحه الجامدة لكي يذكرنا بأننا نحتاج لأجل فهم الكثير من الظواهر إلى ما يسمّيه إدغار موران بالفكر المركب. زهران علوش ظاهرة إشكالية بكل المقاييس، ظاهرة لا يمكن استيعابها داخل أي نمط من الفكر الخطي البسيط.

نعم، يقال إن مصائب قوم عند قوم فوائد، هذه المرة المصيبة تفوق كل المقاييس: ثورة ابتلعها مجرمون باسم الشريعة، ضدّ دولة ابتلعها مجرمون باسم الممانعة. وبين مجرمي الشريعة ومجرمي الممانعة يحتاج المرء إلى خيال أسطوري حتى يرى طريقا ثالثا أو يظن بأنه يراه. الآن الجميع ذاهب إلى خط التماس الطائفي حيث يحرق الجميع الجميع. هل تعني الفتنة شيئا آخر غير هذا؟ حتى لو سقط بشار، وهو ساقط أصلا لولا أن الثورة سبقته إلى السقوط، لن يغير هذا من قدر الجحيم شيئا.
وقتها علينا أن نسكت وجلا، فالحكمة لا تأتي بأثر رجعي. من يسكت عن الجرائم التي تقترف باسم الوطن خائن لوطنه، من يسكت عن الجرائم التي تُقترف باسم الدين خائن لدينه، من يسكت عن الجرائم التي تُقترف باسم الثورة مخادع ودجال.
لنترك الألم السوري ولنذهب إلى ليبيا. لم يمض زمن طويل حتى مسحت الثورة الليبية الذاكرة من أحد أشجع قادتها ومغدوريها، عبدالفتاح يونس قائد جيش التحرير، من يذكر ذلك الرجل الحكيم الذي كان له شرف البدء يوم كان الكثيرون لا يتقنون غير فن التربّص بلحظة التمكين؟
نحن قوم بارعون في دعاء الختم. نسأل الله حسن الخاتمة لكن البدء نتركه للآخرين. التاريخ يكتبه المنتصرون، لا نحتاج إلى من يذكرنا بالدّرس، لكن عندنا الكل ينتصر والكل يخسر وفي الأخير لا أحد يكتب التاريخ. كنا في منتهى الغباء حين أوهمنا أنفسنا بأنّ الخداع قد يكون من باب مكر التاريخ، وبأن بعض الجرائم قد تكون عرضية أو أنها أفعال لاأخلاقية لكنها ضرورية لصناعة التاريخ.

بعد زمن سيطلب منّا أن ننسى باسم الثورات المغدورة كل الجرائم التي اقترفت باسم الثورة، وأن ننسى باسم الدول الفاشلة، كل الجرائم التي اقترفت باسم الدولة، وأن ننسى باسم الله المفترى عليه كل الجرائم التي اقترفت باسم الله. وربّما سيكتب التّاريخ إنّ القتلة اجتهدوا، بالسكاكين والخناجر والكلاشنكوف، وإن أخطأوا فلهم أجر من أخطأ وثواب من اجتهد. أما المغدورون، الذين بدأوا الحكاية، فبوسعهم أن يرقدوا بسلام.

كاتب مغربي

9