الجريمة والسؤال

الاثنين 2013/10/21

بدعوى انقلاب الجيش المصري على شرعيتهم وخذلانه لهم واغتصابه لحقهم في الحُكم فإنهم قرّروا أن يرفعوا راية الجهاد، فأعلنوها قتالا وحشيا، من شنّ لعمليات اغتيال وذبح شنيع لجنود مصريين، ونسف لمواقع وآليات عسكرية داخل شبه جزيرة سيناء وغيرها.

والسؤال الآن، إذا كان مبررهم في مصر على النحو الذي يقولون، فما الذي يبرر إعلان الجهاد على الجيش التونسي أيضاً؟ أي، إذا كانوا يُبررون مشاهد ذبح الجنود المصريين غيلة وبدم بارد بدعوى أنّ الجيش المصري انقلب عليهم وانحاز للتمرّد الشعبي الذي أنهى حكمهم وقطع خيط أحلام يقظتهم، فما مبرر خطف وذبح الجنود التّونسيين بأسلوب لا يقل ترويعا في الشعانبي والقصرين وغيرهما من مناطق أخرى بتونس؟ ما الذي فعله الجيش التونسي حتى يجازى على هذا النحو المروّع؟

قد يقال بكل بساطة ووقاحة: نعم إن المتطرفين أخطأوا حسابهم في تونس (وربما في ليبيا أيضا) لكنهم مصيبون في مصر (وربما في سوريا أيضا)، فدعنا من خطاياهم ولنصغ السمع إلى مظالمهم. نعم إنهم ظالمون في تونس وغيرها، لكنهم قبل ذلك مظلومون في مصر وغيرها، والبادئ أظلم، ثم أن الضحية لا تُحاسب، ولا تؤنّب. وبهذا النحو قد تثار الكثير من الترهات التمويهية التي يخجل لها كل ذي ضمير حي.

المشكلة في المبدأ: تبرير ما لا يُبرر. إذا كان ذبح الجنود المصريين يُبرره موقف الجيش المصري من حكم الإخوان المسلمين، فما الذي يبرر الإصرار على ذبح الجنود التونسيين أيضا، وكل ما فعله هؤلاء الجنود أنهم تفرغوا لحماية حدود الوطن وتركوا، السياسة لأهلها ولغير أهلها؟

الجريمة لا تقبل التبرير، نعم، لكنها تقبل التفسير. وهذا تفسير ممكن:

أصل الجريمة يكمن في تلك النزعة المعادية لمؤسّسة الجيش النظامي، إنها نزعة متأصلة في التكوين الفقهي لكافة أطياف الإسلام السياسي، سواء في تركيا أو الجزائر أو مصر أو تونس أو الأردن أو حتى باكستان والسعودية، لا فرق إلا في مستوى الحدّة. وهي ذات النزعة التي تحرم العراق اليوم من فرصة بناء جيش نظامي موحد، وكذلك الأمر في الصومال وأفغانستان والبقية نتمنّى أن لا تأتي.

ما المشكلة؟ المشكلة أنّ هناك تعارض بين عقيدتين قتاليتين على طرفي النقيض بنحو يستعصي على الرّأب، إحداهما تقوم على أساس الأمة «الافتراضية» وتجعل الجهاد فريضة عابرة للأوطان والقارات من مانهاتن إلى تمبكتو؛ وتقوم الثانية على أساس الوطن من حيث هو حدود جغرافية مرسومة ومعطيات تاريخية محدّدة وقوانين دولية مُسطّرة.

العقيدة الأولى لا تقبل بأن يقاتل المسلم تحت إمرة قائد عسكري غير مسلم؛ وفي المقابل لم تعترض العقيدة الثانية على وجود ضباط قبطيين في الجيش المصري، بل لم تعترض على بلوغ مسيحي أردني منصب نائب أركان الجيش الأردني، كما حدث فعلا. وهذه نقطة خلاف أخرى.

العقيدة الأولى تمنح صفة الشهيد للقتلى من المسلمين حصرا، وأما العقيدة الثانية فإنها لا تحرم كل أبناء الوطن الذين ماتوا دفاعاً عن وطنهم من شرف الشهادة. وهي نقطة خلاف إضافية.

فعلا، يمثل «الجيش الجهادي» تهديداً دائما ضدّ وحدة الدول، ويتسبب في قطع أوصال الوحدة الوطنية على مذبح الطائفية الدينية والمذهبية والأمة الافتراضية، لذلك، من الطبيعي أن ينظر نظرة عداء إلى مؤسسة «الجيش الوطني» ويتهمها بخرق «حق» كل مسلم في الجهاد «في سبيل الله»، وبأنها تعيق إمكانية تغول الميليشيات الجهادية. وهنا معضلة ليبيا أيضاً.

_______


* كاتب مغربي

8