الجزائرية زولا جنان تشكّل من الأبجدية الأمازيغية مفرداتها الفنية

أسلوب الفنانة الجزائرية يعتمد على استعمال الألوان الدالة على الموضوع، والأشكال المستمدّة من التراث.
الأربعاء 2021/04/14
الرسم على جميع الوسائط وبمواد متعددة

الجزائر – يحتضن غاليري “إفري ديزاين” بالجزائر العاصمة معرض الفنانة التشكيلية زولا جنان، الذي يتضمن 30 عملا بأحجام متباينة وبتقنيات حاولت التشكيلية الجزائرية من خلالها أن تُحقّق أسلوبها الخاص في التعبير عن مواضيعها المتنوّعة.

وتنسجمُ الألوان التي اختارتها جنان، والتي غلب عليها البُنّي والأصفر في تدرّجات لونية بين فاترة وحارقة، مع موضوع الارتباط بالأرض، وهو الثيمة الأساسية التي شكّلت القاسم المشترك بين العديد من اللّوحات المعروضة.

لوحات تغوص عميقا في معاني الأرض ودلالاتها
لوحات تغوص عميقا في معاني الأرض ودلالاتها

كما أنّ استخدام الفنانة لبعض الأحجار التي جمعتها من وادي الغوفي بمحافظة باتنة (منطقة الأوراس) يُعطي إيحاءً إضافيا بخصوص تعلُّقها بالأرض وتمسُّكها بتربتها، وهو بمثابة دعوة موجّهة إلى الجمهور من أجل المحافظة على الطبيعة واستثمارها بالصورة المثلى التي تضمن ديمومة مواردها.

وتحكي اللوحات قصصا عاشتها هذه الفنانة خلال جولاتها التي اكتشفت فيها مواقع طبيعية خلاّبة، كما تبوح بأسرار الحياة التي خبرتها عبر تجربتها الفنية، مؤكّدة وفاءها لرموز الثقافة الجزائرية.

ويعتمد أسلوب الفنانة الجزائرية على استعمال الألوان الدّالة على الموضوع، والأشكال المستمدّة من التراث، فضلا عن استخدامها لحروف “تيفيناغ”، وهو الخط البربري البارز، على جميع الوسائط وبمواد متعددة مثل الألوان الزيتية والرمل والتوابل والأحجار.

وتيفيناغ أبجدية استخدمها الأمازيغ بمنطقة شمال أفريقيا في عصور ما قبل الميلاد لكتابة لغتهم والتعبير عن طقوسهم وشعائرهم الدينية، واختفت لاحقا قرونا طويلة، فانحسرَ وجودها إلى الفضاء الثقافي والعرقي لشعب الطوارق بالصحراء الكبرى، ثم أحياها مثقفون جزائريون بإنشائهم “الأكاديمية الأمازيغية” في باريس 1966.

وفي ثمانينات القرن العشرين اعتمد حرف تيفيناغ لكتابة الأمازيغية في الجزائر، ثم في المغرب إثر تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2005.

أما جنان فتعتمدها في جل لوحاتها مبرزة جمالية حروفها الثلاثة والثلاثين ورموزها وأشكالها التي يؤكّد بعض المؤرخين أنها واحدة من أقدم الأبجديات التي عرفها التاريخ، وأنها عاصرت الكتابة الأولى التي عرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين، ويرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح، كما تشهد على ذلك الكتابات والنقوش الموجودة في الصحراء الكبرى.

أما التقديرات الأجنبية لعمر تيفيناغ فقد بنيت على الافتراض الذي يزعم بأن أحرفها منحدرة من الأبجدية الفينيقية، ووفق هذه التقديرات فإن عمر تيفيناغ حوالي ثلاثة آلاف سنة، وهو وقت وصول الفينيقيين إلى شمال أفريقيا.

الأمر الذي ينفيه الباحث الأمازيغي الحجي آمي، مستندا إلى دراسة تقول إنه تم قبل سنوات اكتشاف صخرة موحّدة بين الجزائر والمغرب، في نهاية جبال الأطلس تتضمن رسما جداريا لرجل موشوم بتيفيناغ وعثر بقربه على رمح برونزي.

والحال أن ظهور البرونز يعود إلى حوالي 1500 ق.م، بينما الأبجدية الفينيقية ظهرت حوالي 1200 ق.م، أي أن ظهور الكتابة الفينيقية متأخر بقرون عن آثار التيفيناغ التي عثر عليها، ممّا يرجح أن تيفيناغ هي نتاج شمال أفريقي خالص.

زولا جنان: كل حرف من حروف تيفيناغ يمثل عندي قصة وعاطفة وذاكرة

وعن رموزها تقول جنان “أشتغل في لوحاتي على الرمز لأنه تراث تاريخي يخصني كجزائرية، ولا يمكنني رسم لوحة ما من دون خلفية مماثلة، القيمة الجمالية هامة في العمل التشكيلي. لكن من الضروري أيضا أن نتطلع إلى هدف تقرأ من خلاله اللوحة، وأنا أنتصر في جميع لوحاتي لهذه الأبجدية الضاربة في أعماق التاريخ”.

وتضيف “تيفيناغ مكّنتني من إبراز الديناميكيات والحركات الحاصلة في الحرف الأمازيغي، لأنه من خلال الإنشاء أقوم بتعديل الحرف إلى رمز بدمجه بشخصية مجردة.. فكل حرف عندي يروي قصة وعاطفة وذاكرة”.

وهي تستمد إلهامها من منطقة الأوراس أرض أصولها، على الرغم من أنها ولدت في الجزائر العاصمة، إلاّ أن الفنانة توضّح أن معالمها تأتي أيضا من مناطق تازولت وباتنة في شرق البلاد، ولكن أيضا من جبال القبائل وأقصى الجنوب الجزائري.

وتستحضر بعض اللوحات المعروضة مواضيع تجريدية ذات علاقة بالطبيعة، مثل الانتقال من فصل إلى آخر، علاوة على ذلك يشاهد زائر المعرض على الجدار نفسه لوحة ظليّة لامرأتين وهما تنظران إلى القمر. وعلى الجدار المقابل يلفتُ الأنظار قناع أفريقي على خلفية صفراء، وعليه وشم.

وتضيف الفنانة مسحة جمالية على بعض أعمالها وذلك باستخدامها أسلوب التلوين بماء الذهب الحقيقي، ربما لإعطاء قيمة أكبر لموضوع الطبيعة والأرض.

وتنحدر جنان من منطقة الأوراس وهي تشتغل في مجال التصميم الداخلي، وهي كذلك بطلة في تسلُّق الجبال، وهذا ما يجعلها تعدّ المرتفعات من العوامل الأساسيّة التي تساعدها على التأمُّل.

وعن ذلك تقول “أقضي الكثير من الوقت في الجبال، فأنا حساسة للغاية تجاه هذه التضاريس، والصخور والحجارة التي تنهار من الجبال عندما أتسلق تمنحني أفكارا ورؤى جمالية أوظفها في لوحاتي. هذه الحجارة المتهدمة تميّزني، أعيدها وأعطيها حياة ثانية من خلال دمجها في رسوماتي”.

وتضيف “شغفي بالرسم والتسلّق يسمحان لي بالهروب والارتقاء بنفسي إلى عوالم متجدّدة ومختلفة عن السائد والمتداول، فأتسلّق اللوحة بألواني وأرسم الطبيعة مشيا على أقدامي”.

في عام 2010 أنشأت جنان رواقا فنيا أطلقت عليه اسم “المرآب”، تكريما لوالدها الذي كان يمتلك مرآبا ويشتغل ميكانيكيا، حيث قضت في ذلك المكان معظم طفولتها، وألهمها أن تكون رسامة، وهي تعرض فيه بشكل دائم أعمالها الخاصة كما تنظم فيه فعاليات ثقافية وفنية للتعريف ببعض التجارب التشكيلية الجزائرية المجدّدة.

ويستمر معرض جنان إلى نهاية أبريل الجاري، وهو فرصة لعشاق الفن التشكيلي لقراءة اللوحات بمعطيات تاريخية ورموز أمازيغية ملهمة.

Thumbnail
16