الجزائريون يبتكرون أساليب احتجاج غير تقليدية للفت انتباه السلطة

الجزائريون يتجهون إلى اعتماد أساليب احتجاج جديدة للفت انتباه السلطة التي اختارت تجاهل التحركات الاحتجاجية التي تشهدها البلاد منذ مطلع العام الحالي.
الجمعة 2018/08/03
الاحتجاجات العادية لم تحقق مطالب منفذيها

الجزائر- تعرف الحركات الاحتجاجية في الجزائر تحولات عميقة ومثيرة، تستحق وقفة جدية، فبعد الاحتجاج الدامي بتمزيق الأجساد بالآلات الحادة والسكاكين، للتعبير عن رفض ظروف البطالة في الجنوب، عبر جزائريون آخرون بالتعري تماما من ملابسهم للتنديد بقمع مصالح الأمن، ولجأ آخرون إلى أداء صلاة الجماعة لرفض تظاهرات فنية ومهرجانات موسيقية.

وأقدم العشرات من الشباب بمدينة سيدي بلعباس في غرب البلاد، ليل الأربعاء الخميس، على إقامة صلاة المغرب جماعة، أمام صالة كانت مبرمجة لاحتضان فعاليات مهرجان موسيقى الراي، للتعبير عن رفضهم إنفاق الأموال العمومية في التظاهرات الفنية ولومهم السلطات المختصة على عدم إيلائها الانشغالات اليومية وتحسين الخدمات المعيشية أهميّةً.

ويسري حديث واسع عن إلغاء طبعة هذا الموسم من المهرجان الوطني لموسيقى الراي الذي دأب المنظمون على إقامته سنويا في مدينة سيدي بلعباس (600 كلم غربي العاصمة)، باعتبار أن المدينة هي مسقط رأس هذا النوع الموسيقي، وذلك خوفا من إمكانية تنامي الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة في البلاد، والداعية إلى إلغاء التظاهرات الفنية والموسيقية وتحويل موازناتها لدعم التنمية المحلية وتحسين الخدمات المعيشية.

الصلاة قد تكون شكلا من أشكال التعبير السلمي وسلوكا يحرج السلطة المضادة، لأن الأمر يتعلق بتصرف مقدس يتوجب الحساب له قبل القيام بأي رد فعل

وتوسعت موجة الاحتجاج بالصلاة في الأيام الأخيرة بالجزائر، وسط جدل أيديولوجي صاخب بين مدافع عن شرعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وأحقية الجزائريين في اختيار طرق وأساليب الاحتجاج على خيارات السلط المختصة، وبين محذر من انزلاق خطير نحو الأصولية والتمهيد لعودة سنوات العشرية الحمراء (1990 - 2000)، وعودة خطاب التشدد إلى التداول الاجتماعي. وكان ديوان الثقافة والفنون أعلن إلغاء حفل في مدينة وادي سوف الحدودية، كان ينتظر أن ينشطه عدد من الفنانين المحليين، كالزهوانية وكادير الجابوني، خشية أن يلقى احتجاجات مماثلة لتلك التي شهدتها مدينة ورقلة في الجنوب الشرقي، خاصة وأن المدينتين غير بعيدتين عن بعضهما البعض.

وأعلن رئيس بلدية بجاية الساحلية عن إلغاء مهرجان للموسيقى الأمازيغية، وتخصيص نفقاته للتنمية المحلية وتحسين الخدمات، قبل أن يتعرض لضغوط من طرف منتخبي المجلس البلدي وبعض الجمعيات للتراجع عن قراره، واعتبار الفن والموسيقى جزءا من النشاط العام للمجتمع.

وتصاعدت  في الأسابيع الأخيرة دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي من أجل إلغاء الأنشطة الموسيقية والتظاهرات الفنية، وتوظيف نفقاتها في دعم موازنات التنمية، ما يعزز توجه المنظمين إلى الاكتفاء بدعوة فنانين محليين لإحياء مهرجانات كانت إلى غاية الموسم الماضي تحمل بعدا دوليا وعربيا، كمهرجاني تيمقاد وجميلة والراي بسيدي بلعباس.

واعتبر أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي أن تنوع أساليب الاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية وأخذها أشكالا مثيرة للجدل ينمان عن الحراك الداخلي في المجتمع، وعن قدرة الشارع على تجاوز الأساليب الكلاسيكية من أجل لفت اهتمام السلطات والرأي العام.

وأضاف “الملاحظ في المدة الأخيرة ميلاد جيل جديد من المحتجين والاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية، تجاوز الأطر النقابية والحزبية التي لم تستطع مواكبة الحراك الاجتماعي، خاصة في ظل تأخر الخطاب الرسمي في فهم وقراءة التحولات الاجتماعية في البلاد”.

موجة الاحتجاج بالصلاة في الأيام الأخيرة بالجزائر، توسعت وسط جدل أيديولوجي صاخب بين مدافع عن شرعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وأحقية الجزائريين في اختيار طرق وأساليب الاحتجاج

وكانت نخب سياسية وإعلامية محسوبة على التيار الديمقراطي والعلماني قد عبرت عن مخاوفها من توسع دائرة الاحتجاج بالصلاة، واستهداف التظاهرات الفنية والموسيقية تحديدا، ما يشكل تهديدا صريحا بعودة الخطاب والممارسات الأصولية للمجتمع، وحذرت من احتفاظ المشروع الظلامي على قدراته في التجدد والتغلغل في أوساط الشباب.

ومع ذلك لقي النمط الاحتجاجي الأخير تعاطفا كبيرا من طرف فئات اجتماعية عريضة، قياسا بما يعانيه سكان البلدات والمحافظات الجنوبية من تدهور كبير في الخدمات، خاصة فيما يتعلق بالصحة والشغل والتموين بالكهرباء والنقل، ومعاناة أهلها من الإقصاء والتمييز، الذي ظهر مؤخرا لدى بعض الأوساط، حيث اتهمت محتجي ورقلة بـ”الانغلاق والتعصب”.

وعرف السلوك الاحتجاجي في الجزائر تحولات مثيرة خلال الأشهر الأخيرة، فبعد الاحتجاجات الدامية، التي نفذها شباب من محافظة ورقلة على أجسادهم، للتنديد بسياسة التمييز والمحاباة في منح فرض الشغل في الشركات البترولية، اهتدى آخرون في العاصمة وسكيكدة إلى أسلوب التعري في الأماكن والطرق العامة للاحتجاج على “مغالاة وتعسف مصالح الأمن في تطبيق قانون السير”.

وجاء الاحتجاج بالصلاة الجماعية ليشكل موضة تعرف توسعا كبيرا في مدن ومحافظات البلاد، فمن ورقلة بأقصى الجنوب الشرقي، إلى سيدي بلعباس في غرب البلاد، أدى المحتجون صلاة المغرب والعشاء في ساحات وطرق عامة، للتعبير عن تبجيلهم المعيشة اليومية ونوعية الخدمات على الموسيقى والتظاهرات الفنية.

ويرى الكاتب والإعلامي احميدة عياشي أن الصلاة قد تكون شكلا من أشكال التعبير السلمي وسلوكا يحرج السلطة المضادة، لأن الأمر يتعلق بتصرف مقدس يتوجب الحساب له قبل القيام بأي رد فعل، عكس الاحتجاجات العادية الأخرى التي تجهض سريعا من طرف مصالح الأمن.

4