الجزائري رشيد بوشارب وهاجس التواصل مع "الآخر"

الأحد 2014/12/07
التواصل الحتمي بين الأجناس والأعراق والثقافات شاغل بوشارب في كل افلامه

احتفى مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته الأخيرة بالمخرج الفرنسي من أصل جزائري، رشيد بوشارب، وقدم له جائزة اللؤلؤة السوداء تقديرا لمسيرته السينمائية.

ومنذ أن بدأ المخرج بوشارب الإخراج وهو مهموم بموضوع واحد يتكرر من فيلم إلى آخر، ويقدمه بتنويعات مختلفة، وهو موضوع العلاقة بين الأوروبي و”الآخر”. و”الآخر” هنا يعني العربي، المسلم، الأفريقي، أو كل هذه الأشياء مجتمعة. هذا الهم المسيطر على بوشارب يدفعه إلى البحث الشاق في العقلية الأوروبية، ويضعها دائما في مقارنة أو مواجهة أو حتى “مقاربة” مع العقلية الأخرى.. عقلية المهاجر القادم من بلده بحثا عن العمل، أو الذي ولد ونشأ في المجتمع الأوروبي وأصبح منتميا إليه على نحو ما، دون أن يفقد العلاقة مع جذوره، تماما مثل رشيد بوشارب نفسه.

ولد بوشارب عام 1953 في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، لأسرة جزائرية، ودرس وتعلم ونشأ في فرنسا، وعمل مساعدا للإخراج في التليفزيون الفرنسي ثم أخرج بضعة أفلام قصيرة قبل أن يخرج عام 1985 فيلمه الطويل الأول “العصا الحمراء” (Le baton rouge) وهو اسم عاصمة ولاية لويزيانا الأميركية، كان يجمع بين ثلاثة من الشباب منهم شابان من أصول عربية هما كريم وعبدالنور، والثالث فرنسي يدعى موزار، وثلاثتهم يرغبون الخروج من حالة البطالة التي يعشونها والعثور على عمل في مجال التمثيل، موزار يتأثر بأغنية لميك جاغر ويقنعهم بالسفر إلى “لو باتون روج” في أميركا التي تعتبر قلعة موسيقى البلوز، وهناك يعمل الثلاثة بشكل غير قانوني في مطعم للمأكولات السريعة ثم يقررون افتتاح مطعم خاص بعد جمع مبلغ يوازي 400 ألف فرنك من أصدقائهم. هنا تبرز ولو على استحياء فكرة التعايش مع الآخر، كيف يمكن أن تجمع المعاناة المشتركة والحلم المشترك أصدقاء من أصول مختلفة.

أما فيلم “غبار الحياة” الذي أخرجه بوشارب عام 1995، فقد رشح لنيل جائزة أحسن فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار، وكان يتركز حول مأساة الأطفال الذين ولدوا نتيجة علاقات جنسية بين جنود أميركيين وأمهات فيتناميات في سايغون (فيتنام الجنوبية) ويدور حول ما يواجهه صبي من هؤلاء في الثالثة عشرة من عمره بعد رحيل الأميركيين عن فيتنام واستيلاء الشيوعيين الشماليين على سايغون، حيث يتم جمع هؤلاء الأطفال البالغ عددهم في ذلك الوقت نحو 40 ألف طفل، ويتم وضعهم في معسكرات لإعادة تأهيلهم وتلقينهم مبادئ الشيوعية، حيث يواجهون الكثير من العنف ويصور الفيلم كيف يهرب الصبي بصحبة اثنين من زملائه وما يواجهونه من ويلات أثناء هروبهم.

يصرح بوشارب أنه سيضع الغرب أمام العالم الإسلامي ويناقش انعدام الثقة أو التشكك وعدم الفهم القائم بينهما


السنغال الصغيرة


ومن الإنتاج المشترك بين الجزائر وفرنسا وألمانيا، يخرج بوشارب فيلم “السنغال الصغيرة” (2001)، الذي يصور كيف تسيطر على رجل سنغالي متقدم في العمر فكرة اقتفاء آثار أسلافه الذين تم ترحيلهم ضمن قوافل العبيد قبل 200 سنة إلى الولايات المتحدة. وفي نيويورك يلتقي بابن شقيقته الذي يمنحه المسكن، كما يقابل امرأة يعتقد أنها تمتّ بصلة له، تمنحه عملا لكنه يصطدم بنوع من الرفض أو النظرة المتعالية التي تحمل تنكرا للماضي من جنوب الأميركيين من أصول أفريقية. ورغم ذلك لا يبتعد الفيلم عن فكرته الأصلية التي تشير إلى مسؤولية البيض عمّا تعرض له الأفارقة من تفرقة في “الأراضي الجديدة”.


البلديون


فكرة البحث عن الجذور كانت دائما تشغل بوشارب الذي سيعود في فيلمه التالي “البلديون” (أو “أيام المجد”)، لطرقها مجددا ولكن على صعيد آخر، فأحداث الفيلم الذي أخرجه عام 2006، تدور في الأربعينات، إبان الحرب العالمية الثانية، بعد أن كانت فرنسا قد سقطت فريسة لجيش الاحتلال الألماني، وبدأ الحلفاء يخططون لتحريرها في 1943.

يصور الفيلم أولا، كيف يتطوع عشرات الآلاف من الشباب من بلدان المغرب العربي للقتال في صفوف الجيش الفرنسي من أجل تحرير فرنسا. على وعود بالجلاء عن بلادهم بعد الانتصار على النازية.

ويركز الفيلم على أربع شخصيات: سعيد وأبوبكر ومسعود وياسر. هؤلاء يخوضون التجربة بوجل وتردد وخوف أولا، ثم ينغمسون فيها برغبة حقيقية في إنقاذ فرنسا استجابة للشعار الذي رفعه ديغول: “إن الدفاع عن حرية فرنسا هو دفاع عن الحرية في العالم”.

بوشارب يفوز بجائزة اللؤلؤة السوداء

وخلال القتال تنشأ خلافات ومشاحنات بين الجنود وزملائهم الفرنسيين بسبب التفرقة في المعاملة. تقوم صداقات وتنهار سدود وحدود بين البشر، وتنشأ أيضا علاقات عاطفية بين جنود من “العرب” ونساء فرنسيات.

وقد نجح بوشارب في إخراج للفيلم خصوصا مع قدرته المدهشة على التحكم في أداء طاقم الممثلين وفي مقدمتهم بالطبع الأبطال الأربعة: جمال دبوز وسامي نصيري ورشدي زيم وسامي بوعجيلة.

يركز الفيلم كثيرا على هوية أبطاله الذين نراهم دائمي التأكيد على هويتهم، سواء من خلال الملابس التي يرتدونها حتى تحت القبعات الحربية، أو تبرز من تحت قمصانهم، أو من خلال التركيز على هويّتهم كمسلمين يذكرون الله في كل خطوة، ويتمتمون بآيات قرآنية في مواجهة المواقف الصعبة، كما يؤدون صلاة الجماعة بعد أن يهبطوا في جنوب إيطاليا، ويقفون احتراما للموت حتى لو كان الميّت من الأعداء.


نهر لندن


موضوع التواصل الحتمي بين الأجناس والأعراق والثقافات المختلفة، يدفع بوشارب مجددا إلى إخراج فيلمه التالي “نهر لندن” (2007). هنا وعلى ضوء تفجيرات لندن عام 2005 التي أودت بحياة أكثر من خمسين شخصا بينهم مسلمون، يصور بوشارب كيف تجمع المأساة بين امرأة إنكليزية تقليدية تبحث عن ابنتها، ورجل أفريقي جاء إلى لندن للبحث عن ابنه “علي”. ويكتشف الرجل أن ابنه كان على علاقة بجين ابنة المرأة الإنكليزية إليزابيث، وأن الاثنين كانا يتلقيان دروسا في اللغة العربية، ولكن إليزابيث لا تستطيع أن تصدق في البداية أن تكون ابنتها قد أقامت علاقة مع شاب أفريقي- أسود، والرجل الذي فقد صلته بعائلته منذ سنوات بعيدة، يكتشف الكثير أيضا عن ابنه الذي لم يعرف شيئا عنه منذ أن كان عمره 6 سنوات، لكن الأهم أن المأساة المشتركة التي سيكشف عنها الفيلم تقرب بين الإنكليزية والأفريقي.


الخارجون على القانون


أراد رشيد بوشارب بعد ذلك أن يروي، على مستوى كبير من ناحية إمكانيات الإنتاج، قصة أربعين عاما من تاريخ النضال الجزائري على الأراضي الفرنسية تحديدا، وقد اختار ثلاث شخصيات يجسد من خلالها دراما النضال الجزائري في فرنسا: المتطرف، والوسطي، والمعتدل، أو بالأحرى: المناضل الأيديولوجي المتشدد (عبدالقادر)، والمقاوم ذو النزعة الإنسانية (مسعود)، والقواد (سعيد) صاحب النزعة التي تميل إلى الاندماج مع الآخر والاستفادة من الوضع الراهن، رافضا النضال المسلح.

هذا بلا شكّ أكثر أفلام بوشارب إشكالية من حيث الفكر والموقف السياسي، فهو يدين المناضل الأيديولوجي ويدمغه بالإرهاب، ويصوره عنيفا يبرر القتل المجاني، ويجعل الشخص الوسطي مستعدا لقبول أشياء كثيرة تتعارض مع النقاء الثوري تحت مبرر أن الغاية تبرر الوسيلة، الثالث سعيد، فهو الوحيد الذي يبدو الأكثر صاحب منطق مقبول وأكثرهم أيضا “إنسانية”، رغم أنه يرفض النضال المسلح وفكرة الثورة، ويدعو للتحرر عن طريق العمل الحر وكسب المال، وهو الذي يبني ويؤسس في المهجر، كيانا يمكن أن يستمر، والذي يصنع أيضا (وهذا مهمّ رمزيا) بطلا من أبطال المستقبل “الجزائري” أي بطل الملاكمة (الذي سيكون أول ملاكم يرفع علم الجزائر- كما يقول حرفيا في الفيلم).
فكرة البحث عن الجذور كانت دائما تشغل بوشارب

من ناحية الأسلوب السينمائي يميل بوشارب هنا إلى الاقتباس من تقاليد أفلام العصابات والمطاردات والجريمة الأميركية حتى أنه يختصر النضال في عمليات انتقام وتصفيات وعنف متبادل وكأننا نشاهد فيلما من أفلام عصابات المافيا.


رجلان في مدينة


عندما عرض فيلم بوشارب الأحدث “رجلان في مدينة” صرح هو بأنه أراد أن يروي موضوعا يطرح تعقيدات العلاقة بين الغرب والشرق، أو بين أميركا والعالم الإسلامي في ضوء ما حدث في 11 سبتمبر 2001. غير أن الفيلم، وهو مقتبس من فيلم فرنسي قديم، يبدأ بداية قويّة توحي بأننا أمام عمل يخترق مناطق جديدة غير مطروقة في موضوع العنصرية أو على الأقل، فكرة تعسّف القانون ووقوف المجتمع في وجه شخص يرغب اليوم في التكفير عن خطاياه، لا يحظى بالقبول الاجتماعي والتحقق، وفي خضم ذلك كان يمكن أيضا أن يلمس الفيلم موضوع الدين واللون واختلاف الأعراق، لكن سرعان ما يتضح أننا أمام فيلم فاقد للبوصلة والهدف والاتجاه، وإن كان يظل رغم كل أخطائه، عملا مؤثرا، فيه الكثير من مشاهد التأمل والوحدة الوجودية المكثفة على خلفية الصحراء، ولحظات الاختلاء في الفضاء ليلا تحت النجوم.

وهو يتابع شخصية أميركي أسود اعتنق الإسلام في السجن، وخرج ينبذ العنف ويتجنبه بكل الطرق وسعى للعمل الشريف لكن ضابط الشرطة الذي قتل نائبه، يتعقبه، يتحين أي فرصة لإفساد حياته، غير مصدق أنه يمكن أن يتخلى عن العنف.

دراما “رجلان في مدينة” تدور في بلدة بالقرب من الحدود المكسيكية الأميركية، يرويها بوشارب بأسلوب تقليدي يقوم على تراكم المشاهد التي تكثّف أزمة البطل، وجرعة عالية من المشاعر العاطفية.

المشكلة الواضحة هنا أنه بينما يصرح بوشارب أنه سيضع الغرب أمام العالم الإسلامي ويناقش انعدام الثقة أو التشكك وعدم الفهم القائم بينهما، يبدو موضوع اعتناق البطل الإسلام هنا هامشيا، بل ودخيلا على الموضوع تماما عوض أن يخدمه ويضيف إليه، فبطلنا لا يلقى الاضطهاد والتعقب من جانب المأمور الأميركي الشرس بسبب ديانته، بل لكونه قتل نائبه قبل عشرين عاما، ولكون فكرة العقاب لدى المأمور، تختلف تماما عما يقول به القانون.

16