الجزائري رفيق طيبي: أزمة الكتّاب الشباب التسرّع وضعف التكوين

الشاعر والروائي الجزائري رفيق طيبي يؤكد أن التواصل الثقافي الجزائري العربي يحتاج تعزيزا ومدا لجسور أطول.
الخميس 2021/01/28
هناك أزمة على مستوى اللغة

الكثير من الروائيين بدأوا شعراء ثم تحولوا إلى السرد، لكن البدايات الشعرية ظلت مؤثرة في ما يكتبون إما بالإيجاب، بمنح لغتهم السردية حيوية وثراء، وإما بالسلب من خلال سطوة الصور على حساب دقة السرد وتحولاته. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر والروائي الجزائري رفيق طيبي حول علاقة الشعر بالسرد والمشهد الثقافي والأدبي في الجزائر.

تتميز تجربة الشاعر والروائي رفيق طيبي بثراء اشتباكها مع الواقع ومحاولاتها الكشف عن أغواره وما يحمله من تناقضات، وذلك انطلاقا من انعكاس ذلك الواقع بأحداثه ومواقفه العامة والخاصة على الذات.

بدأ طيبي شاعرا لينتقل بعدها إلى سارد محمول على الشعر، ليقدم بعد ذلك روايته “الموت في زمن هش”، فرواية “257” التي ارتبطت بحدث سقوط طائرة عسكرية جزائرية استشهد فيها 257 راكبا، ثم رواية “ليل الغواية” التي غاصت في حيوات شخصيات رسمت أزمات واغترابات المجتمع الجزائري المسكوت عنه.

الشعر والرواية

بداية نحاول التعرف على التكوين الثقافي والمعرفي الذي أهّل طيبي للدخول إلى عالم السرد، يقول “استوقفتني عبارتكم ‘أهلك إلى عالم السرد‘، وأنا بصدق شديد وربما بحرج لا أظنني مؤهلا بما يكفي لأسرد، فعبارة ‘السّرد‘ وحدها تكفي لإرباك أي فرد يزعم أنه يكتب سردا أو يفكّر في مغامرة أن يكون ساردا في هذا العصر، عصر الميديا وما تُنتجه من مستهلكَات تشغل الرأي العام وهو عصر تتراكم فيه الأعمال المصنفة ضمن السرد دون أن تتمكّن من ثقب الوعي العام ـ العربي ـ أو التغيير في مساراته المعقدة، من حروب وأزمات وتضعضعات، أسبابها وعلاجاتها غالبا مستهلكة على مستوى النقاش الثقافي دون التمكن من تفعيل حلول ثقافية تبقى خارج دائرة الفعل السياسي والاهتمام الاجتماعي”.

ويضيف “قدِمت إلى الأدب من سلك الحقوق، أي بالمفهوم الأكاديمي أنا عصامي في الأدب، اشتغلت على ما رآه الآخرون فيّ موهبة بالقراءة ومتابعة ما يصدر جزائريا وعربيا وعالميا من أعمال أدبية وترجمات، وقبلها كنت قد اطّلعت كأي شاب شغفه الأدب مبكّرا على كلاسيكيات الأدب العالمي وهكذا تبلور لديّ وعي قرائي مكّنني من التعرف على الحركة الأدبية عبر حقب طويلة ومعرفة مسارات خاضها كبار السّاردين وغالبا كانت مُلهمة”.

ويضيف “بالنسبة إلى أهم السّاردين العرب، يمكنني القول إن نجيب محفوظ وإدوارد الخرّاط ورشيد بوجدرة وإسماعيل فهد إسماعيل وواسيني الأعرج وأمين الزاوي شكّلوا الرابط الأول بيني وبين المشهد العربي، أما الأجانب فقد اكتشفت مبكّرا أورهان باموق الرّوائي التركي الكبير الذي يدرّب قارئه على الصبر في قراءة أعماله الطويلة وأيضا هنري ميلر وأناييس نين وغابرييل غارسيا ماركيز، كلّ هؤلاء ساهموا بشكل أو بآخر في تعزيز رغبتي في التقدم أكثر داخل متاهة الأدب وفي الإيمان بأن الكتابة ليست سهلة وأن مهمة أن تصبح ساردا حقيقيا تحتاج عرقا لا حدود له”.

ويشير طيبي إلى أن نصوص كتابه “عاصفة العاطفة” كانت تمرينا عفويا وبسيطا لدخول عالم الكتابة، استفاد منه في كتابة الرواية، فقد تجاوز أعطابا ضرورية يقع فيها الكاتب في بداياته، وتبقى تجربة حميمية لها خصوصياتها، رغم أنه شطب هذا العمل من سيرته الأدبية، حينما قرر الاحتفاظ به حصرا لذاكرته الأدبية الشخصية، ذاكرة البدايات التي ترافقنا طيلة المسار.

الشعر موهبة أكثر من كونه اشتغالا، في حين أن السرد يحتاج وعيا شديدا وثقافة عالية وتدريبا مستمرا

انطلاقة طيبي السردية لم تحل دون أن يكون حضور الشعر الذي شكل بداياته الأولى المبكرة، لذا جاء كتابه الثالث مجموعة شعرية بعنوان “أعراس الغبار”، وهنا يرى أن هناك تشابها دائما، حيث عاد إلى سير العديد من الكتاب فاكتشف أن بداياتهم كانت شعرية، وحتى الشعر لديه خصوصية وهي أن الإبداع فيه قد يتأتّى مبكّرا، ورامبو نموذج لذلك، عكس السّرد الذي يعبر بصاحبه مراحل كثيرة قبل أن ينضج كليا وفي سن متقدمة قليلا مقارنة بالكتابة الشعرية التي قد يتحقق فيها الإبداع مبكّرا.

ويضيف “ليس لديّ أي يقين في هذا الموضوع لكن يبدو لي أن الشعر موهبة أكثر من اشتغال، في حين أن السرد يحتاج وعيا شديدا وثقافة عالية وتدريبا مستمرا، كانت بداياتي شعرية وتشكّلت ملامحها من أيام الدراسة بالثانوية، حين بدأت أعبّر عن المراهقة شعريا، فكتبت عن الحب ما سميته قصائد وكتبت رسائل عاطفية للأصدقاء تشبه الشعر، وكتبت يومياتي التي حملت رؤاي الشعرية البسيطة في ذلك العمر، هي ملامح موهبة ما اكتشفها المحيط متأخرا ولم أكن لأضع قدمي في الطريق الصحيح لولا مفاجآت قرائية ولقاءات مع أفراد كان لهم دور مهم في حياتي الأدبية. الشعر بالنسبة إليّ رؤية أعيش داخلها وأحقق من خلالها تصوراتي للحياة، قد يكون راهننا العربي غير شعري لكن داخل الشعر نكتشف طاقة للمقاومة نقبض عليها ونمضي بها لمواجهة المستحيل”.

كانت كتابة رواية “257” التي ارتبطت بحدث سقوط طائرة عسكرية جزائرية استشهد فيها 257 راكبا، قريبة نسبيا من تاريخ الحدث، وهنا يؤكد طيبي أن “الحادث كان مكتملا ومنتهيا والسلطات العسكرية وبحكم اختصاصها أغلقت الملف سريعا، لم يكن هناك مجال للتريث وانتظار مستجدات، لقد اشتغلت على البعد النفسي وأحواله، حين يعلم الفرد أن المتبقي من عمره قليل جدا، ماذا سيقول وكيف سيفكّر وهل سيدخل يقين الموت بسلام؟ أسئلة استثمرت فيها لكتابة نص أنجز خلال 3 أشهر ولقي ترحيبا مقبولا”.

ويتابع الكاتب “جمعت شهادات وتابعت تفاصيل الحادثة بدقة شديدة وتواصلت مع خبراء في الطيران زودوني بمعطيات أفادتني كثيرا في الكتابة وانطلقت متكئا على رغبة شديدة في توثيق الحادثة بشكل أدبي، بعيدا عن التقارير الصحافية وكتابات المؤرّخين وتفاعلات الإعلام، قد يكون من أدوار الأدب أن يرافق الناس في مآسيهم وأن يكون للرواية حضور في مشهد تراجيدي معقد فيبدو لي أن هذا جيد”.

ويرى طيبي أن اللغة الشعرية هي بهاء السّرد، حين لا تتعرّض للابتذال والإسراف، وهذا ما يحدث حين يواجه الخيال حالات من الفقر والشحّ، فتظهر اللغة الشعرية بشكل متقعر وفائض عن الحاجة. لغة السرد لها كيمياؤها الخاصّة فهي غالبا كثيفة، دقيقة ومركزة، تقتنص الحدث لتسوّغه وتعبّر عنه بعيدا عن المجازات غير الضرورية، أحاول باستمرار التخفف من الرّوح الشعرية في الكتابة السردية تفاديا لمطبات ذكرتها، وحين أكتب الشعر أكون محميا آليا من خطر اللغة السردية، قد يكون هذا الشعور خاصا بي، فالشعر قد يتدخل في السرد، لكن السرد يواجه تمنعا شديدا على مستوى اللغة والفكرة حين أكون بصدد كتابة نص شعري“.

الثقافة الجزائرية

تفاصيل دقيقة لحادثة سقوط طائرة عسكرية جزائرية استشهد فيها 257 راكبا
تفاصيل دقيقة لحادثة سقوط طائرة عسكرية جزائرية استشهد فيها 257 راكبا

تأتي حيوات شخصيات رواية “ليل الغواية” لتشكل أزمات واغترابات المجتمع الجزائري المسكوت عنها، والتي كما هو واضح من الرواية طالت مختلف فئات المجتمع. يقول طيبي عن فكرتها ودوافعه لكتابتها “أنا مدين للبسطاء والمسحوقين بالكثير، أشعر أنّهم يصنعون عالمي ويؤثّثون يومياتي، فحركتهم في الحياة والتي عرفتها عن قرب أو سمعت عنها مليئة بما هو مثير ولافت، بما يستوجب المُساءلة وبما يستحق التنويه، هكذا أستلهم منهم ومن واقع ننتمي إليه جميعا بدرجات، المجتمع الجزائري يواجه أزمات حادّة، أخلاقية وثقافية تفاقمت بعد نهاية الأزمة الأمنية: العشرية السوداء”.

وقد سعى الكاتب إلى كشف أجزاء من تلك الفترة وإلى لعب دور في الرّفض الذي يصفه بأنّه الدور المركزي للمثقف والكاتب في كل عصر، ففي رأيه هناك حاجة شديدة إلى تشكيل وعي بالراهن الجزائري والعربي، اللذين يظنهما متشابهين إلى حد بعيد من حيث الأعطاب الثقافية والتاريخية. لذا انطلق من فكرة أن التصوّر العام المروّج له للمجتمع في الخطاب الرسمي وأن الفضيلة المزعومة بالمفهوم الديني في المجتمع غير موجودين بما يكفي، وأنّ هناك ما يدهش في الخفاء وما يحتاج إلى التوقف أمامه.

وتعاني الجزائر مثلها مثل غير من معظم الدول العربية من حضور قوي للجماعات المتشددة والمتطرفة والإرهابية، الأمر الذي كان له تأثير على الثقافة والإبداع، يوضح طيبي “في التسعينات واجهت الجزائر أزمة أمنية حادة، حينها تعثّر الإبداع وصار تهمة خطيرة قد تؤدي بصاحبها إلى القتل، ولدينا نماذج كثيرة عن مثقفين وكتّاب اغتالتهم الآلة الدموية تحت ذرائع ومبرّرات فظيعة، على غرار الروائي الرّاحل الطاهر جاووت والشاعر يوسف سبتي، وأسماء كثيرة كان ممكنا لها أن تقدم الكثير للبلد لولا أزمة تسببت في خسائر لا تُحصى”.

ويتابع الكاتب “حاليا الجزائر مستقرة وإذا تحدّثنا عن تأثير الجماعات المتشددة سنكون بصدد الحديث عن المعالجة الأدبية والتاريخية لحقبة وجدت فيها هذه الجماعات في البلد، لقد عرفت كليات الأدب ما سمي بأدب الأزمة وأدب التسعينات وهي كتابات وثّقت وتصدّت أدبيا لمجازر وأحداث وقعت في تلك المرحلة ودُرس الموضوع بشكل واسع من طرف الباحثين والطلبة وهذا جيد لبناء وعي أكاديمي بالأزمة لدى جيل لم يعشها في غالبه، وتلك الكتابات السردية والشعرية عرّفت القارئ العادي بشكل ما على الأزمة ومسبباتها بعيدا عن الخطاب المكرّس رسميا ولا يزال الموضوع بحاجة إلى بحوث ونصوص من شأنها تعميق الوعي بالظروف التي شرّعت أبواب الموت على البلد”.

وحول عمله بالتحرير الأدبي ورؤيته للغة الكتاب والأدباء قبيل بدء عمله في نصوصهم، يشير طيبي “بالنسبة إلى الكُتاب الشباب هناك أزمة على مستوى اللغة تعود لسببين من وجهة نظري، أوّلا ضعف التكوين ومحدودية المناهج والبرامج التربوية التي تعزز موقع اللغة العربية في الحياة المدرسية والاجتماعية. ثانيا حالات التسرُّع الشديد في توجيه المخطوطات للناشرين أو النشر على المنابر والمواقع دون تركيز ومراعاة لذوق قارئ يتحسّس من الركاكة والأخطاء، في نفس الوقت هناك كتابات وكتاب بارعون، يكتبون بلغة عارفة ودقيقة”.

ويؤكد أن الرواية الجزائرية لا تختلف كثيرا عن نظيرتها في العالم العربي، لكن يمكن القول إن نزعة التجريب، وهي في بداياتها من وجهة نظره، قد أفلحت في إنتاج نصوص مختلفة، باحثة عن ملامحها الخاصة، تحتاج الكتابة الروائية في الجزائر إلى المزيد من الوقت لتحقيق التراكم الكافي الذي من شأنه أن يخرج برواية جزائرية مكتملة الخصوصيات.

ويرى طيبي أن النقد جزائريا وحتى عربيا يواجه أزمة مقدرات ووسائل، فمن ناحية عدد النقّاد والدراسات النقدية نجد فراغا كبيرا حين نقارن ذلك بعدد الإصدارات الأدبية والشعرية في كل سنة. في نفس الوقت من يطّلع على الدراسات الجامعية يجد تشابها حادا في الموضوعات والمقاربات، وكأن النقد ليس عملية إبداعية خالصة تنطلق من معطيات ووسائل علمية، هناك اجترار وكسل ساهما في تعطيل الغربلة فتصدّرت نصوص ذات مستويات محدودة في مشهدنا القرائي.

ويختم طيبي مشيرا إلى أن التواصل الثقافي الجزائري العربي يحتاج تعزيزا ومدا لجسور أطول.

15