الجزائر.. أبناء الإسلاميين وأولاد الأوطان

الخميس 2017/07/27

المشهد العام في معظم الدول العربية لجهة تقدم أو تراجع التيار الديني -خاصة الإخوان المسلمين- يُعِيدنا لجهة التأصيل لبدايات استقلال الدول العربية عن القوى الاستعمارية، حيث بدأ الصراع منذ السنوات الأولى لإقامة الدولة الوطنية بين أنصار المحلي والقومي الحداثي من جهة، والتيار الحزبي والأممي المحافظ من جهة ثانية، ولم تمدُّ بينهما جسور إلا في حالات بعينها، كما لم تهدأ معارك الرفض والإقصاء إلا في حالات نادرة، وفي فترات الهدوء والسلم القليلة، بقي كل طرف متحصنا في مواقعه، ومتمسكا بمواقفه، ومقتنعا بأطروحاته، ومقتنصا فرصة السيطرة الأيديولوجية كلما حانت.

وتفيد التجارب السياسية في غالبية الدول العربية، أن الثقة بين التيارين الوطني والإسلامي لم تُشكِّل فضاء للتعايش بينهما، مع أنهما اشتركا في المسؤولية وفي القيادة أحيانا، وكان الإخوان المسلمون الأوفر حظا في الوصول إلى السلطة مقارنة بباقي الأحزاب والجماعات الإسلامية، بالرغم من أن الجماعات الإرهابية الأعلى صوتا في مجالي الفعل الدموي والحدث الإعلامي، وهم يعملون اليوم من خلال شرعية وجودهم في بعض الدول العربية، وتحالفهم مع السلطة في دول أخرى على إنهاء الانتماء للأوطان، وتقزيمه إلى منجزات أفراد ضمن بطولة حزبية تخص الأتباع فقط، دون التقليل هنا من عمل البعض لما هو خير وطني عام، بحيث يجسد خطاب الأحزاب الدينية، وخاصة جماعات الإخوان، دعوات مباشرة أو غير مباشرة للنفور من المنطلقات ذات الصلة بالوطن، إلى درجة أن ذلك قد يكون متعارضا ومناقضا للقيم التي يؤمنون بها، وخير مثال ما حدث في الأيام الماضية بالجزائر، وهو في حقيقته يكشف، بل ويؤسس لحالة عربية عامة.. فكيف تم ذلك؟

إن اتفاق وحدة بين حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير، يبدو في ظاهره الإعلاء من الممارسة الديمقراطية وتكريس الوحدة وتجميع الأتباع حول مشروع جماعي، وفض الخصومات بين القيادات الدينية التي تمردت على حركة المجتمع الإسلامي -حمس- وتكوين جبهة قوية داعمة للمعارضة، خاصة الدينية، لكن في باطنه مآرب أخرى كثيرة، فيها ما هو خاص بقيادات الحزبين، وفيها ما هو عام أقله الحفاظ على الإخوان كقوة فاعلة على المستوى الجماهيري، وإيجاد منابر للدفاع، ومد الجسور مع تجمعات الإخوان في الدول العربية الأخرى، وخاصة في تونس وليبيا وفلسطين، ولذلك تتخوف القوى السياسية في الجزائر سواء أكانت في السلطة مثل جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، أم أحزاب المعارضة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بما في ذلك الأحزاب الدينية غير المنضوية أو المتحالفة مع الإخوان، من تداخل الخاص الفردي والحزبي العام والمشروع الديني، وتكريس سلطة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

المثال الجزائري لا يُعدُّ حالة خاصة، حيث الحديث منذ عقود على أن يُنسب العمل السياسي الديني إلى أفراد وجماعات بدليل أن المقولات التي طرحت والشعارات التي رفعت، خلال اتفاق الوحدة بين حمس وجبهة التغيير في الجزائر أشارت إلى أن هذا العمل الوحدوي -حسب توصيف أصحابه- يهدف إلى جمع أبناء محفوظ نحناح، وهو ما يروج له في كل الدول العربية، لجهة القول إنهم؛ أبناء الحركة الإسلامية، أو أبناء الإخوان، أو أبناء حسن البنا، وفي كل دولة عربية ينسب النشطاء والمنتمون إلى الشخصة القيادية الفاعلة ضمن جماعة الإخوان.

لا شك أن محفوظ نحناح رحمه الله كان رجلا مسالما، مجاهدا، ووحدويا، ولا جدال في وطنيته، لكن الجزائريين ينظرون إليه من زاوية أنه المستورد لإسلام مختلف عن ذلك الذي شكل وجدان وعقيدة وفعل الجزائريين منذ الفتح الإسلامي إلى الآن، كونه هو من أسس تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر، وهذا التنظيم -في نظر تيار “الجزأرة”- خطر على الإسلام الثوري وعلى الجزائر، وعلى طبيعة الهوية والانتماء إلى الإسلام في دول المغرب العربي كلها، غير أن تلك لم تعد هي القضية، وإنما الإشكال الحقيقي هو إحلال بدلائل مختلفة على مستوى المفاهيم الوطنية التي تسعى مؤسسات الدولة إلى تكريسها.

إذ في الوقت الذي تعمل فيه تلك المؤسسات على أن يكون المواطنون -رجالا ونساء- أولادا للأوطان بما فيها من اختلافات وتعدد وتنوع، فإن الحركات الإسلامية تعمل على تعميم ثقـافة الانتماء إلى الأفراد، قيادات دعوية أو حزبية، أو الانتماء إلى الجماعات والتنظيمات، خارج الأوطان (مثل التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، أو الجماعات الإرهابية)، وفي كل ذلك إنهاء لدور الأوطان وأهميتها في حياة الإنسان العربي.

ويبدو أن التنظيمات الإسلامية لا تزال رغم الهزائم المتكررة تراهن على الانتماء إليها، من منطلق أنها هي الدين والدولة، وهي الدنيا والدين، وهي الحاضر والمستقبل، وتجاهر بدعم النشاط المشروع في بعض الدول، على اعتقادها بأنها تدعِّم وجودها السياسي غير الشرعي، وأمامنا مثال صارخ بهذا الخصوص، وهو موقف حركة المقاومة الإسلامية بفلسطين (حماس) حيث وصف رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، اتّفاق الوحدة بين حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير في الجزائر بـ“الاتفاق التاريخي”، الذي أنهى الفرقة بين الإخوة، وقال مُوجِّها رسالته إلى كل من عبدالرزاق مقري وعبدالمجيد مناصرة “تلقيت ببالغ السعادة خبر ترسيم الوحدة بين التغيير وحمس، وهذا الاتفاق التاريخي على عودة اللحمة إلى الإخوة في هذين الإطارين من أبناء مدرسة الشيخ محفوظ نحناح.. إن سعادتنا بهذا الاتفاق لأنه ينهي حالة من الفرقة بين الإخوة ويُوحِّدُهم من أجل الدعوة والبناء وخدمة الشعب الجزائري، كما أن الاتفاق يُمثِّل قوة للجزائر الحبيبة، ثم هو قوة للقضية الفلسطينية التي هي في أمس الحاجة لتوحد كل الجهود من أجل فلسطين”.

هذا النَّوع من الدعم والتأييد يطرح عددا من التساؤلات، منها هل الأحزاب الإسلامية تؤمن بالوحدة بينها فقط، وتشترط أن تكون جميعها منضوية تحت عباءة الإخوان المسلمين؟ وهل وحدة تلك الأحزاب أهم من وحدة الأوطان؟ وماذا عن الشعوب إذا لم ترغب في هذه الوحدة؟

في تصوري أن الأحزاب الدينية غير مُهتمة في الوقت الراهن بالإجابة عن الأسئلة السابقة، بدليل أن إسماعيل هنية يبارك وحدة الإخوان في الجزائر، ولا يسعى بجد لمثلها في فلسطين، والسبب هو أن التيار الديني مهتم بأبنائه، وغير مكترث لأي وحدة أو تعاون بين أولاد الوطن.

كاتب وصحافي جزائري

9