الجزائر: أين الإصلاحات في المجتمع المدني

الخميس 2014/07/03

ماذا يحدث للمجتمع المدني الجزائري ومكوناته في ظل هيمنة النظام الحاكم على التشريعات وعلى المؤسسات بكاملها؟وهل يمكن لنا أن نسلم بوجود بنيات مستقلة وحرة للمجتمع المدني في الجزائر، في الوقت الذي لا يوجد فيه فصل بين السلطات، وفي اللحظة التي لا نجد فيها سوى معارضة هلامية تمارس السياسة بالتقسيط وتفتقد إلى المشروع الوطني التحديثي واضح المعالم وإلى المصداقية والعقيدة، وإلى القاعدة الشعبية التي تعمل معها بجدية والتزام، وتؤسس خطاباتها على أساس مصالحها وطموحاتها؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة الملحة ينبغي أن نحدد أولا دلالة مصطلح المجتمع المدني. كما هو معروف في تقاليد الديمقراطيات المؤسسة على الفكر العلمي وعلى الأخلاقيات السياسية المتحضرة، فإن الجمعيات غير الخاضعة للنظام، والتي هي الشكل التنظيمي للمجتمع المدني تعتبر النواة الصلبة لبناء أسس مجتمع منظم شعبيا على نحو مستقل عن هياكل الحكومة.

بهذا الخصوص فإن النظرية السياسية الحديثة، حسب تصنيف وتعريف دارس مهم متخصص في دراسات المجتمع المدني وهو ديفيد فورغاس، توضح أن مصطلح المجتمع المدني يعني “مجموع التنظيمات التي تدعى عموما بالخاصة، أي أنها مجموع النشاطات والمؤسسات التي ليست مباشرة جزءا من الحكومة، والهيئات القانونية أو المؤسسات القمعية (الشرطة، القوات المسلحة).

تأسيسا على ما تقدم فإنه ينبغي التوضيح أن “النقابات، والجمعيات التطوعية، وكذلك التنظيمات الدينية، والأحزاب السياسية عندما لا تكون جزءا من الحكومة فهي كلها جزء من المجتمع المدني”. ولاشك أن تعطيل أو تغييب أو منع إنشاء الجمعيات الأهلية، أو التدخل في شؤونها من طرف السلطة الحاكمة في أي بلد، يمثل ذلك العلامات الدالة على وجود القمع السياسي المادي والرمزي في آن، كمحددين للعلاقات بين السلطة وبين المواطنين والمواطنات، وتعتبر مجتمعة أيضا بمثابة أول بالون اختبار يبرز انعدام الديمقراطية والحريات في هذا النوع من الدولة الشمولية القامعة للحريات.

في هذا السياق يرى المراقب العارف بواقع المجتمع الجزائري أن في الجزائر أحزاب وجمعيات وروابط وتنظيمات ذات طابع ثقافي وفني واجتماعي خيري وأحيانا قليلة نجدها ذات طبيعة اقتصادية وبيئية ونسوية إلخ، هذا من حيث الوجود التنظيمي الشكلي، أما من حيث الوجود المادي والقانوني لهذه الأحزاب والتنظيمات فإنها غير مستقلة عن النظام، بل هي تابعة له ماديا وقانونيا. هناك، مثلا، مئات الجمعيات في الجزائر مؤطرة جميعا في إطار الوزارات الوصية، وفي مقدمتها وزارات الشباب والرياضة والثقافة.

وتفيد المعلومات التي استقيناها من مصادر موثوقة أن وزارة الثقافة قد سجلت لديها ما يربو عن 1000 ألف جمعية ثقافية وفنية، كما أنها تقوم بتمويل عدد كبير منها مما يجعلها تابعة لها ماديا وتنظيميا وتوجيها. نظرا إلى هذه الوضعية السلبية التي توجد عليها الجمعيات والاتحادات في الجزائر، فإنها بالنتيجة لا تنشط إلا ضمن الحدود المرسومة لها من طرف النظام الحاكم.

والأدهى أن هذه الجمعيات قد وجدت نفسها مكبلة بقوانين وتشريعات تعسفية، الأمر الذي جعلها مقيدة وأصبحت جراء ذلك مجرد بيادق بيد السلطة حيث لا تتمتع بالاستقلالية المادية والأدبية ولا بالحركة الذاتية. وأكثر من ذلك فإن النظام الجزائري الحاكم هو الذي يقرر حتى هيكلها التنظيمي من وراء الستار حينا، وجهرا أحيانا كثيرة، وهو الذي يفرض عليها بطرق التسويغ البراغماتي وبأساليب الهيمنة أسماء القيادات المسؤولة فيها والتي تتولى بعدئذ تحريك نشاطاتها وفق برنامج وأهداف السلطة، كما هو حال اتحاد العمال الجزائريين الذي تحوّل إلى محامي النظام، وبذلك انحرف عن مهمته النقابية، وبالنتيجة فهو لم يعد حارس حقوق العمال والمدافع عن مصالحهم، والدليل على ذلك ما حصل الأسابيع الماضية لمطلب العمال المتقاعدين بالحصول على الزيادة في معاشهم التقاعدي، حيث كانت الاستجابة من طرف الحكومة تمثلت في منحهم نسبة زيادة بـ15 بالمئة مؤسسة على المرتب الشهري القاعدي الهزيل وبسبب ذلك لم يستفد منها إلا الموظفون السامون المتقاعدون الذين يتقاضون بطبيعة الحال مرتبا تقاعديا شهريا ضخما.

في المشهد العام هناك أيضا، وعلى سبيل المثال، بقايا المنظمات الجماهيرية المفرغة من الاستقلالية والمبادرة والقدرة على ممارسة الضغط، واتحاد الكتاب الجزائريين شبه الميَت الذي لم يحرك ساكنا للتفاوض مع وزارة الثقافة لسن قانون عادل يحمي حقوق المؤلفين الكتَاب من الاغتصاب المنهجي الذي يمارسه عليهم الناشرون الذين يقتسمون نسبة 90 بالمئة من ثمن بيع الكتاب الواحد مع أصحاب المطابع.

من أجل إحداث ثغرة في هذا الجدار الفولاذي الذي يكبل النشاط الجمعوي وماهية المجتمع المدني، فقد بدأت في هذا الأسبوع بعض التحركات المحتشمة من طرف ممثلي الجمعيات و”تكتل الجزائر الخضراء”، وذلك في شكل تقديم مقترح تعديل قانون الجمعيات المحسوبة- شكلا- على المجتمع المدني. أثار هذا المقترح نقاشا محتدما، ولا يزال المتمسكون بضرورة إعادة النظر جذريا في القانون الحالي للجمعيات يطلبون من رئاسة البرلمان الجزائري الاستجابة لمطلبهم المتمثل في تحويل مشروع التعديل إلى الحكومة لتصادق عليه، مع احترام مضمونه الجديد للآجال وعدم المراوغة والتعطيل.

وبهذا الخصوص فإن الجناح الداعي إلى تغيير قانون الجمعيات تغييرا شاملا يرى أن المادتين 41، 43 من الدستور الوطني، اللتين تنصان على أن: ”حريات التعبير، وإنشاء الجمعيات، والاجتماع، مضمونة للمواطن”، وأن “حق إنشاء الجمعيات مضمون، وتشجع الدولة ازدهار الحركة الجمعوية”، تتميزان بالتعميم وتفتقدان الوضوح من جهة، وتتناقضان من جهة أخرى مع القوانين الصارمة التي تتحكم في الجمعيات بكل ألوانها على نحو أفقدها حريتها وععطل حركتها داخل وخارج الوطن.

في هذا السياق نجد ممثلي المجتمع المدني يرون أن المادة 39 من قانون الجمعيات مسيَسة وغير ديمقراطية حيث أنها تنص على حق النظام الحاكم في “توقيف أو حل أي جمعية بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة أو المساس بالسيادة الوطنية”، وتطبيقا لهذا فإن القانون الجزائري يمنع الجمعيات من مناقشة القضايا الساخنة في البلاد، كما يغلق عليها نوافذ التواصل الحر مع المؤسسات والجمعيات غير الجزائرية إلا في الإطار الذي يقرره النظام الحاكم، وفضلا عن ذلك فإنه يمنع إقامة الشراكة في شتى الميادين مع الجمعيات الأجنبية خوفا، ربما، من فساد نسل الهوية الجزائرية، وتبعا لذلك فإنه يحرم الجمعيات الجزائرية من الحصول على المساعدات المالية الخارجية، حتى لو كانت في شكل هبات لا علاقة لها بالسياسة، من الجمعيات الخيرية أو المؤسسات الخاصة التي تشجع العمل الجمعوي المدني في العالم.

على أي حال فإن واقع المجتمع المدني الجزائري غير مؤسس بنيويا وفكريا على التقاليد الثقافية الاجتماعية والسياسية الديمقراطية المتعارف عليها دوليا. ونتيجة لهذا الوضع فإنه يعيش الأزمة وغالبا ما يعيد إنتاجها في ظل واقع ملغم بالقيود ومختلف أشكال التعطيل والتوجيه السلطوي، الذي يفقده باستمرار بوصلته وهويته الخاصة به.


كاتب جزائري

8