الجزائر.. إسرائيل وأفريقيا

الخميس 2016/07/14

الراصد للسياسة الخارجية الجزائرية تجاه أفريقيا، وخاصة بعد رحيل الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين، فإنه يجدها ضعيفة ومتأرجحة، وغير مؤسسة على استراتيجية متكاملة اقتصاديا وثقافيا وأمنيا وإعلاميا. لا شك أن الجزائر عضو سابق في منظمة الوحدة الأفريقية، وهي أيضا عضو في الاتحاد الأفريقي، ولكن تواجدها في هاتين المؤسستين لا يعني أنها لاعب فاعل ومؤثر في الفضاء الأفريقي. إن المحاولات الدبلوماسية التي تبذلها الجزائر منذ مدة غير طويلة في مالي والنيجر للمساهمة، مع دول أخرى عربية وأفريقية وغربية، في تسوية النزاعات المسلحة فيهما تدخل في نطاق براغماتي تتلخص مقاصده المضمرة في حماية الحدود الجزائرية وضمان استقرار حزام الجزائر الجنوبي، أكثر مما تدخل في إطار الحماية الفعلية للأمن الأفريقي بكل أنواعه، بدءا من الأمن الغذائي والمائي والثقافي، مرورا بأمن الإثنيات وبناء الأسس المادية والرمزية للمجتمعات الأفريقية الضامنة للاستقرار والتي تعد الشروط الجوهرية التي بتوفرها يتخلص العمق الأفريقي من الأسباب الحقيقية التي فجرت النزاعات المسلحة فيه.

وهنا نتساءل؛ ما جدوى تصريح وزير الدولة، وزير التعاون الدولي الجزائري رمطان لعمامرة الذي أعلن فيه اأن الجزائر ترفض “أي تواجد صهيوني داخل هياكل الاتحاد الأفريقي”؟ وهل تملك الجزائر أوراق الضغط الاقتصادية والثقافية والسياسية الحقيقية في الفضاء الأفريقي، وتحديدا في الدول الأفريقية التي تقيم علاقات قوية مع الكيان الصهيوني، والتي بموجبها يمكن لها أن تعدل على الأقل من وتيرة تغلغل إسرائيل في القارة السمراء اقتصاديا وأمنيا وسياسيا؟

إذا كان للجزائر نفوذ حقيقي في القارة السمراء فلماذا لم تتحرك داخل أروقة الاتحاد الأفريقي لإجهاض الزيارة التي قام بها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، منذ أسبوع لعدد من الدول الأفريقية وهي أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا، وهي الزيارة التي وصفت بالتاريخية من طرف وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي التقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي برؤساء دول شرق أفريقيا الذين حضروا إلى أوغندا من أجل عقد لقاءات سياسية معه، وشارك في اللقاء رؤساء كل من أوغندا وكينيا ورواندا وجنوب السودان وزامبيا ورئيس الوزراء الإثيوبي ووزير خارجية تنزانيا، أم أن تصريح لعمامرة هو نوع من التغطية لفشل النظام الجزائري في صياغة وتنفيذ سياسات جزائرية أفريقية جادة ومؤسسة على إستراتيجية محكمة ترتكز على الحقائق الأفريقية وأبعادها الجيوسياسية دوليا وعربيا؟

إذا كان النظام الجزائري جديا في مزاعمه وصاحب مواقف مبدئية ثابتة فلماذا لم يتخذ في الماضي القريب أي موقف واضح وعملي من شخصيات ثقافية وسياسية جزائرية قامت بزيارة إسرائيل منذ سنوات، ومنها شخصية عينت وزيرة من طرف الرئيس الجزائري وكان يعلم علم اليقين أن هذه المرأة سبق لها أن صالت وجالت في تل أبيب؟ وأكثر من ذلك فلماذا لم يدن النظام الجزائري الدول الأفريقية التي عقد معها نتنياهو، أثناء هذه الزيارة الأخيرة، صفقات تجارية ضخمة، فضلا عن اتفاقيات أخرى منها الاتفاقية التي جاءت تفاصيلها في موقع أناضول بوست والتي نقلتها عدة وسائل إعلام وكالات أنباء دولية ومواقع التواصل الاجتماعي كما يلي: “فتح ممثليات تجارية إسرائيلية جديدة في أفريقيا”، و”فتح 4 مراكز للتفوق تابعة للوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي في كل من أوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا، حيث ستكشف هذه المراكز التكنولوجيا الإسرائيلية أمام رجال الأعمال والمؤسسات الحكومية في الدول الأفريقية”؟

وهنا نتساءل؛ أين هو موقع الجزائر في الفضاء الأفريقي؟ وبهذا الخصوص تفيد التقارير الدولية الموثوق فيها أن استثمارات الجزائر في الدول الأفريقية هزيلة جدا في مختلف المجالات الحيوية الزراعية والصناعية، وخاصة في مضمار الاستثمار الأمني الإستراتيجي الذي تتفوق فيه إسرائيل، كما أنها تفتقد إلى سياسات استراتيجية جدية لبناء جسور التعاون الثقافي والتعليمي والإعلامي المشترك مع الدول الأفريقية. إذ لا وجود لمراكز ثقافية جزائرية في أفريقيا، كما هناك انعدام كلي لوجود إعلامي جزائري في الفضاء الأفريقي، وأكثر من ذلك فإن الجزائر لا تلعب أي دور يذكر في مجال الانفتاح على الأحزاب الأفريقية والعمل معها من أجل بناء الشراكة السياسية، وهذا يعني أن وجود الجزائر في الاتحاد الأفريقي لا يتعدى الحضور الهلامي الذي لا تأثير له على المدى القريب أو البعيد وخاصة في الأوساط الشعبية الأفريقية.

وهكذا نجد الجزائر تقف في الهامش ولا تقدر أن تنافس الدول الغربية أو إسرائيل أو الصين في العمق الأفريقي، علما أن فرنسا لها موقع متميز في الدول الأفريقية الفرنكوفونية اقتصاديا وأمنيا وثقافيا ولغويا، كما أن بريطانيا لها نفس الموقع في الدول الأفريقية الناطقة باللغة الإنكليزية وذلك في إطار الكومنولث البريطاني، هذا ونجد الصين تنمي نفوذها في أفريقيا حيث تستثمر عشرات المليارات من الدولارات، أما الاتحاد الأوروبي فإنه يعتزم رفع حجم الاستثمار في كل من أفريقيا والشرق الأوسط إلى 62 مليار يوورو.

بناء على هذه الوقائع والحقائق فإن تصريح الوزير الجزائري رمطان لعمامرة بأن الجزائر ترفض تغلغل الكيان الصهيوني داخل هياكل الاتحاد الأفريقي هو نوع من القفز على الحقائق التي تؤكد أن إسرائيل لا تربطها العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأفريقية فقط، وإنما لها حضور فاعل وإستراتيجي في مختلف المجالات الحيوية الأمنية والتجارية والتعليمية التي تمثل، مع غيرها من العناصر التي تستحوذ عليها، حصان طروادة إسرائيل في العمق الأفريقي.

كاتب جزائري

9