الجزائر: اعتقال وسجن نشطاء الحراك الشعبي تكريس للدولة البوليسية

القيادة الجزائرية تعمق بواسطة الاعتقالات أزمة الثقة السائدة بين الحراك الشعبي وبينها، كما تساهم سلبية الأحزاب المعارضة التي تتابع هذا المسلسل الذي يسيء إلى سمعة الجزائر ويطيح بأخلاقيات الممارسة السياسية في تكريس عزلتها.
الخميس 2019/08/22
الاعتقالات عمقت أزمة الثقة السائدة بين الحراك الشعبي

منذ انفجار الأزمة الجزائرية في وجه نظام عبدالعزيز بوتفليقة وشلته تعرّض كثير من نشطاء الحراك الشعبي للتخويف والترهيب والحصار حينا، وللتحقيقات والمحاكمات وللاعتقالات والسجن حينا آخر.

في هذا الخصوص تجمعت لدينا معطيات في صورة تقارير من جهات موثوق فيها بالجزائر، تتعلق بأسماء الذين اعتقلوا أو سجنوا ونقتطف من هذه التقارير أمثلة منها أن “المناضل والناشط الحقوقي القيادي بتنسيقية المفقودين ياسين خالدي كان قد استدعي إلى شرطة دائرة واد أرهيو بولاية غليزان وحول إلى وكيل الجمهورية لدى محكمة المدينة نفسها الذي حوله بدوره إلى قاضي التحقيق بتهمة إحباط معنويات الجيش بمنشورات على فيسبوك والذي وضعه قيد الإفراج المؤقت لحين المثول أمامه بعد انتهاء التحقيق يوم 16سبتمبر المقبل”. وكذلك “الحكم على الناشط عبدالغاني دغمان بعشرة ملايين سنتيم غرامة نافذة بتهمة إهانة هيئة نظامية”. و”وضع الناشط في الحراك الشعبي بميلة نذير كلوز لتحقيق مطوّل من قبل مصلحة الشرطة الإلكترونية التابعة لأمن ولاية ميلة”.

والحال، فإن بعض هؤلاء قد أطلق سراحه وبعضهم الآخر ما يزال قيد الاعتقال أو الرقابة. وفي هذا الخصوص اتصلنا بالناشط الحقوقي والسياسي حمزة بركاني وأوضح أن الذين تعرّضوا للاعتقال أو للسجن كانوا سلميين ولم يرتكبوا أي عمل مخلّ بالأمن العام، وقال “أشيد بسلمية التظاهرات كل ثلاثاء وجمعة رغم المضايقات والحصار المفروض على القادمين من خارج العاصمة والتعزيزات الأمنية المشددة بوسط العاصمة. لقد وقع حجب الكثير من صفحات الفيسبوكية والمواقع الإلكترونية والإخبارية المعارضة، وهناك تناقص ملموس في عدد المشاركين بسبب اكتفاء البعض بسجن الفاسدين من جهة، واصطفاف البعض مع قيادة الجيش زد على ذلك فترة الأعياد والمناسبات والمواسم والعطل وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والتلوث والإرهاق الذي يصيب الكثيرين”.

وتؤكد الشهادة التي وافانا بها الدكتور منير بهادي أستاذ الفلسفة بجامعة وهران والناشط السياسي في الحراك الشعبي أيضا أن “الحراك السلمي في الجزائر قد فرض على الجميع بمختلف توجهاتهم السياسية مسارا سلميّا ومدنيّا في خطاباتهم لحلّ الأزمة السياسية الناتجة عن أزمة الثقة في الوجوه المقترحة لحلحلة الوضع والعودة إلى المسار السياسي العادي”.

وفي هذا السياق جاءت مبرّرات اعتقال البعض الذين نسبت لهم تُهم مختلفة ذات طابع قانوني ونفي الصفة السياسية عن طبيعة اعتقالهم حتى لا يكون الاختلاف مع رمزية الحراك الذي يستمد الكل منه الشرعية، وتدخل الاعتقالات في سياق التغيير الحاصل من داخل النظام. أما عدم تدخل المنظمات الدولية في ما يحدث فلا يفسره إلا اتفاق أغلب نشطاء الحراك منذ بدايته على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر من أي جهة كانت رسمية أو غيرها، كما أنّ المسار السلمي للقضايا المطروحة يُنبئ بفشل أيّ تدخل خارجي.

على ضوء ما تقدّم ينبغي التمييز بين اعتقال وسجن رموز النظام الحاكم، وبين اعتقال وسجن شباب الحراك الشعبي الذين يناضلون من أجل التغيير، والتخلّص من البنية المركبة للنظام الجزائري الفاسد ورموزه.

وفي الحقيقة فإنّ محاسبة عصابة النظام الجزائري بكل أنماطها ومشاربها العقائدية هو مطلب شعبي أساسي في الجزائر، لأن هؤلاء مرّغوا أنف الشعب الجزائري في الوحل على مدى سنوات طويلة، وكرّسوا طوال تواجدهم في الحكم سياسات إذلال المواطنين والمواطنات.

وعلى هذا الأساس نجد الجزائريين يستغربون الشطط المتمثل في معاملة الناشطين في الحراك الشعبي كمجرمي حرب واعتبارهم مثل زمرة النظام الفاسد، في الوقت الذي ينبغي أن يكرَّموا كأبطال الحرية والنضال الوطني. في هذا السياق ينبغي التأكيد بأن الرأي العام الجزائري يعتبر ترهيب وتخويف واعتقال وسجن عدد من عناصر الحراك الشعبي، الذين يقال بأن تعدادهم يتجاوز 60 عنصرا، ممارسات غير مسؤولة لأنها تتعارض مع قوانين الدولة الجزائرية التي يتضمّنها الدستور، فضلا عن تضادّها مع المعايير والتقاليد الأخلاقية للمجتمع الجزائري.

ومن المُلفت للنظر أنّ القيادة الجزائرية تعمّق بواسطة هذه الاعتقالات أزمة الثقة السائدة بين الحراك الشعبي وبينها، كما تساهم سلبية الأحزاب المعارضة في تكريس عزلتها، أما صمت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، ومنظمة العفو الدولية وغيرها من الهيئات والمنتظمات الإقليمية والدولية فهو أمر محيّر، خاصة وأنّ حماية حقوق الإنسان في أيّ دولة من دول العالم تكفلها الشرائع الدولية.

9