الجزائر: البرلمان والمواجهة الافتراضية للأزمة

تفيد الوقائع أن علاقة هذا البرلمان بالشعب الجزائري تتميز بأنها افتراضية وهمية.
الخميس 2020/04/09
طفح الكيل

من جديد عاد البرلمان الجزائري إلى سياسات الترقيع وفي هذا الإطار تقدم هذا الأسبوع بعدة دعوات غير ملزمة للحكومة، التي لم يساهم في تشكيلها، طالبا منها أن تقتطع جزءا من ميزانيات الوزارات لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن انتشار فايروس كورونا في البلاد دون تحديد تفاصيل المبالغ المطلوبة وأسلوب صرفها والقطاعات التي تحتاج إليها. ويؤكد هذا الارتجال حقيقة مرة هي أن البرلمان الجزائري، بغرفتيه السفلى والعليا، ما يزال جزءا من البنية السياسية لمرحلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة ويفكر بالعقلية القديمة وبسبب هذا لا ينتظر منه أن يكون صوت الشعب الجزائري في هذه الأزمة العاصفة التي تمر بها البلاد.

يتمثل مضمون دعوة البرلمان الأولى في مطالبة الحكومة وكافة المسؤولين والشعب بالتبرع لصالح صندوق كورونا، أما مضمون دعوته الثانية فتتلخص في حثَ مصالح حكومة الوزير الأول عبدالعزيز جراد لتخصيص مبالغ مالية للعمال غير الأجراء الذين يواجهون شبح الجوع بعد إجبارهم على أخذ عطلة دون أجر .

من الواضح أن هاتين الدعوتين ودعوات أخرى سابقة هي مجرد تخبط داخل النظام الحاكم يعكس عدم تمتع البرلمان بالسلطة الحقيقة والصلاحيات التي تخول له إجبار الأجهزة التنفيذية في أعلى هرم الدولة وفي القاعدة على مستوى المحافظات والدوائر والبلديات على الامتثال لمطالب المواطنين والمواطنات.

وفي الحقيقة فإن البرلمان الجزائري ليس محايدا أو مستقلا منذ إنشائه إلى اليوم، فقد كان وما يزال واجهة للنظام تعبر عن مصالحه وتقوم بتمرير القوانين التي تخدم الشلل المكونة لأجنحته، وجراء ذلك ظل يلحق الأضرار بالأخلاقيات السياسية ويكرس اغترابه عن الشعب الجزائري بواسطة تماهيه المطلق مع السلطة وأجهزتها الأيديولوجية. ولاشكَ أنَ تمييعه لدوره كهيئة شعبية هو الذي جعله يعجز حتى عن إعلام الشعب الجزائري على نحو شفاف بحقائق قيمة هذه المبالغ التي يريد أعضاؤه أن تقتطع من ميزانيات الوزارات، وزيادة على ذلك فإنه لم يقدم أي تصور واقعي واضح يخص كيفية صرف هذه المبالغ التي يدعو إلى اقتطاعها وتوظيفها لمحاربة التداعيات السلبية لوباء فايروس كورونا.

وتؤكد الحقائق أن البرلمان الجزائري قد أخفق في الاستجابة للناخبين الذين ما فتئوا يطالبون بخلق ثقافة الرقابة الإيجابية الصارمة على مختلف عمليات الصرف التعسفي للآلاف من المليارات على المستوى المركزي والقاعدي، كما كشفت التجربة أن مناقشة أعضائه لميزانيات الدولة بشكل عام ولميزانيات الوزارات والمجالس العليا ومراكز البحث التابعة للرئاسة بشكل خاص، تتم دائما في الغرف المغلقة دون ربطها بأي مشروع وطني حداثي يفضي إلى قطع دابر التخلف البنيوي في البلاد بواسطة ابتكار خطط تنموية حداثية بموجبها يتم صنع الثروة العمومية.

ففي ظل غياب تقاليد المحاسبة فَقَدَ البرلمان دوره المحوري، وجراء ذلك صار فضاء للتقاعد المبكر للمسؤولين المسنين السابقين الذين عاثوا فسادا في مختلف أجهزة الدولة المختلفة.

وتفيد الوقائع أن علاقة هذا البرلمان بالشعب الجزائري تتميز بأنها افتراضية وهمية والدليل على ذلك هو عدم قيام البرلمانيين الجزائريين بأي حركة في دوائر انتخابهم لتوعية الشعب بحقيقة الوضع العام في ظل هذه الأزمة الخطيرة، وفضلا عن ذلك لم يقدموا مسحا عاما للحقائق الرسمية المتعلقة بالأرقام المحددة لمبالغ المرتبات الشهرية والعلاوات والتعويضات والمنح التي تدفع كزيادات لأعضاء الحكومة وإطاراتها السامية، ولأعضاء البرلمان بغرفتيه ولكبار الموظفين فيهما، وللضباط الكبار في الجيش والدرك الوطني وقطاع الشرطة، ولرؤساء المجالس العليا، ولأعضاء السلك الدبلوماسي، وللولاة والأمناء العامين للمحافظات ولرؤساء الدوائر والموظفين السامين الذين يعدون بالآلاف في مختلف أجهزة الدولة المركزية وفي القطاعات القاعدية.

على هذا الأساس فإن مطالبة البرلمان للشعب وللمسؤولين بالتبرع لصندوق كورونا هي مجرد شعار فضفاض، لأن هذا الشعار لا يتطابق مع أي معيار وطني وأخلاقي. لابد من التوضيح هنا أن رفع شعار “تبرع المسؤولين الكبار” هو شعار في غير محله خاصة إذا علمنا أن مداخيل الإطارات السامية في الدولة هي أموال الشعب المفقر اقتصاديا والمشتت اجتماعيا. وهكذا فإن اختراع شعار اقتطاع جزء مجهري غير معروف حتى الآن من مرتبات لا يعلم حجمها إلا الله هو محاولة يائسة لطمس مطلب بديل، وهو ضرورة اغتنام فرصة هذا الوضع الوطني المؤلم الذي فرضه وباء كورونا من أجل الكشف عن المهزلة التي تتمثل في بؤس التفاوت الاقتصادي بين المواطنين وبين الحكام، بغية وضع آليات لتفعيل برنامج وطني محكم للقضاء نهائيا على الفصل الطبقي الرهيب الذي يفصل بين الشعب الفقير وبين حكامه الأثرياء دون حق.

في هذا السياق كان ينبغي على البرلمان أن يناضل من أجل تطبيق الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية على أساس ضمان الدخل القاعدي لكل مواطن، وذلك في إطار ابتكار سياسات وطنية جديدة تسمح بتقسيم الثروة الوطنية بعدالة وشفافية بين كل فئات الشعب الجزائري، كما هو معمول به في الأنظمة الديمقراطية التي تلتزم بنهج دولة الرعاية الاجتماعية.

9