الجزائر: التعديل الوزاري الأخير وآفة الحكم الفردي

قضية الإثنيات لم تعد معيارا أو شرطا لضمان التوازنات في الحياة السياسية الجزائرية، أو للتمثيل السياسي الجهوي الذي كان يعمل به في عهدي الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد.
الخميس 2018/04/12
قرارات بوتفليقة مغرقة في الفردية

تميَّز التغيير الوزاري الجزئي الذي أجراه مؤخرا الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بعدم التنسيق العلني مع المؤسسات المدعوّة في القاموس السياسي للنظام الحاكم في الجزائر بالمنتخبة وفي مقدمتها البرلمان ومجلس الأمة والمجلس الدستوري، وفضلا عن ذلك فإن هذا التعديل الوزاري الجديد لم يحظ باستشارة حتى الأحزاب المتذبذبة التي كانت يوما ما جزءا عضويا في التحالف الرئاسي، وتلوّح الآن بأنها مستعدة لأن تنخرط مرة أخرى في هذا السيناريو إذا دعيت إلى ذلك.

لا شك أن مثل هذا الإجراء الفردي يعكس في تقدير المهتمين بالشأن السياسي الداخلي الجزائري تفاقم حدَة أزمة السياسية الجزائرية المحلية التي تعاني من قرارات الرئيس المغرقة في الفردية في المشهد السياسي الوطني الجزائري. من الواضح أن هذا النمط من الممارسات السياسات الفردية المستمرة يمثل، شكلا ومضمونا، التزاما بالتحطيم المنهجي لمشروع التعددية الحزبية الجزائرية الذي لم تنتج عنه أي ممارسة للحكم التشاوري الذي تعمل به الأنظمة الديمقراطية في العالم المعاصر.

في هذا السياق ينبغي القول إن الدستور الجزائري المفصّل على مقاس رئيس الجمهورية هو المسؤول على تصاعد الحكم الفردي وتحوله إلى طقس سلبي يشل جميع مفاصل الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقانونية والسياسية، ومما يؤسف له أن ما تدعى بأحزاب المعارضة الجزائرية، التي ما فتئت ترفع شعار الدفاع عن مبادئ التعددية السياسية، قد تنزّهت ولا تزال تتنزّه عن هذا المهرجان ولم تفعل حتى يومنا هذا شيئا لتغيير بنود هذا الدستور وتصفيته من النزعة الأحادية كأسلوب في ممارسة الحكم ومن عناصر الثقافة السياسية الإقطاعية التي تتأسس عليها مختلف أشكال الدكتاتورية.

وهنا يطرح السؤال التالي: لماذا أقال الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كلا من وزير السياحة حسان مرموري، ووزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، علما وأن الرجلين لم يتجاوزا الخطوط الحمراء ولم يرتكبا أي خطأ سياسي أو إداري كبير تترتب عليه إجراءات الإقالة؟

جهات عدة ترى أن تنحية مرموري من منصبه كوزير للسياحة تمثل هزة قوية لشريحة معينة من الإثنية المعروفة بالطوارق بالجنوب الجزائري

للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التذكير أن كلا من الوزيرين المقالين ينتميان إلى الإثنية الأمازيغية، وفي هذا الخصوص فإن الرأي العام الوطني الجزائري يتساءل لماذا يواصل الرئيس بوتفليقة وجماعته سياسات تعيين شخصيات تنتمي إلى الإثنية الأمازيغية لفترة قصيرة ومن ثم تقصى بطريقة غامضة عادة ودون شرح الأسباب للمواطنين.

لقد حصل هذا للوزير الأول السابق عبدالمجيد تبون الذي طرد من منصبه كوزير أول بعد شهور قليلة على تعيينه وجراء ذلك لم يستكمل عام عسله السياسي والإداري. والغريب في الأمر أيضا هو أن الهادي ولد علي، وزير الرياضة والشباب المقال مؤخرا، كان يعتبر أحد النشطاء الفاعلين في الحركة الثقافية الأمازيغية، ومن المؤسسين لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض سابقا، ولكنه أصبح في السنوات الأخيرة مقرّبا من جماعة الرئيس بوتفليقة حيث كلفوه مرارا بالمساهمة الفعلية في الإشراف اللوجيستي على حملة الرئيس بوتفليقة في عدد من الانتخابات الرئاسية بمنطقة القبائل الكبرى.

ونظرا لهذه الخلفية نجد مجموعة من المحللين السياسيين يؤكدون أن سبب إنهاء مهام الهادي ولد علي لا علاقة له بالرياضة والصخب الذي يدبّ في أروقتها، أو بالمشكلات التي تعاني منها شريحة الشباب الجزائري، بل إن تعيين هذا الرجل في منصب وزير الشباب والرياضة ثم الإجهاز عليه في أقل من عام يدخل في إطار لعبة استدراج المعارضين السابقين إلى الحكومة وإلى مختلف أجهزة النظام الحاكم، ثم تصفيتهم سياسيا بعد فقدانهم لشرعية المعارضة.

ولكن ماذا عن إقالة حسان مرموري من منصبه كوزير للسياحة علما وأن هذا الرجل يتميز بكونه غير مؤطر حزبيا كقيادي معروف، بل كان مديرا للثقافة في محافظة وادي سوف بالجنوب الجزائري وبعد ذلك رقّي إلى مرتبة مدير مركزي لشؤون الكتاب بوزارة الثقافة. إلى جانب ما تقدم فإن مرموري ينتمي إلى الأمازيغ الطوارق، وهو معروف بالاعتدال السياسي وبدماثة الأخلاق كما أنه لم يرتكب أيضا أي تجاوز للخطوط الحمر المرسومة من طرف النظام الجزائري.

على أساس هذه المعطيات فإن جهات عدة ترى أن تنحية مرموري من منصبه كوزير للسياحة تمثل هزة قوية لشريحة معينة من الإثنية المعروفة بالطوارق بالجنوب الجزائري وتبرز أن قضية الإثنيات لم تعد معيارا أو شرطا لضمان التوازنات في الحياة السياسية الجزائرية، أو للتمثيل الجهوي الذي كان يُعمل به في عهدي الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد بصرامة والتزام دائمين.

9